الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإيمان والحياة
المؤلف: يوسف القرضاوي
التصنيف: أسرة
 

الباب الثالث : الإيمان في حياة المجتمع

الفصل الخامس - الإيمان والإنتاج

ونعني بالإنتاج هنا: الإنتاج الاقتصادي بخاصة، والإنتاج المادي والمعنوي بعامة، ذلك أن بعض الناس يخيل إليه أن الإيمان بالدين وعقائده قد يؤخر عجلة الإنتاج أو يعوقها في سيرها وحركتها، بما يميت في النفوس من حب الحياة والرغبة في العمل المادي، وبما يلقيه في قلوب الناس أن الإنسان مسير لا مخير، وأن الحياة الدنيا لا تستحق العمل والاهتمام، لكم يخسر المجتمع، وتتأخر الحياة، إذا شاع فيها هذا اللون من الإيمان.
وهذه أوهام أشاعها الجهل عن الدين والإيمان، والحقيقة أن الإيمان أعظم دافع للإنتاج لو تأمل الناس وأنصفوا، فالإنتاج لا ينمى ويزداد إلا بما يبذل الناس من جهد وعمل، وما يصحب هذا العمل من إحكام وإتقان. ولا يتحقق هذا وذاك إلا في جو من الأصالة والإخلاص للعمل، وذلك لا يكون إلا بباعث قوي، وحافز غلاب، فهل هناك باعث أقوى تأثيراً من الإيمان؟

الإيمان والعمل

إن الإيمان الصادق ليس مجرد إدراك ذهني أو تصديق قلبي غير متبوع بأثر عملي في الحياة .. كلا، إنه اعتقاد وعمل وإخلاص.
ومهما اختلف علماء الكلام والجدل في العقائد حول مفهوم الإيمان وصلة العمل به: أهو جزء من مفهومه أو شرط له أم ثمرة من ثمراته، فإنهم متفقون على أن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان الكامل.

وقد روي في الأثر ما يصور لنا حقيقة الإيمان: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل" (رواه ابن النجار والديلمي في "سند الفردوس" من حديث أنس ورمز له السيوطي في "الجامع" بعلامة الضعف).

وقد ذكر القرآن الكريم الإيمان مقروناً بالعمل في أكثر من سبعين آية من آياته، ولم يكتف بمجرد العمل ولكنه يطلب عمل "الصالحات" وهي كلمة جامعة من جوامع القرآن تشمل كل ما تصلح به الدنيا والدين، وما يصلح به الفرد والمجتمع، وما تصلح به الحياة الروحية والمادية معاً.

دافع المؤمن إلى العمل دافع ذاتي

والمؤمن بالدين عامة وبعقيدة الإسلام خاصة، لا يساق إلى العمل الدنيوي سوق القطعان. لا يدفعه إليه قهر حكومي أو ضغط خارجي، أو رقابة من سلطة تنفيذية تشهر عليه سيف التهديد بالجوع والحرمان أو عذاب الهون. كما يعرف في الأنظمة الاشتراكية.
وإنما يندفع المؤمن إلى العمل بحافز من نفسه، وباعث من ذاته، بإيحاء ينبعث من داخله لا سوطاً يسوقه من الخارج. ذلك الباعث الذاتي هو الإيمان بالله وبرسالة السماء، وبمهمته في عمارة الأرض والسيادة على الكون.

إن المؤمن يوقن أن السعادة في الآخرة والنجاح في الأولى موقوف على العمل. الجنة في الآخرة ليست جزاء لأهل البطالة والكسل والفراغ، بل لأهل الجد والعمل والإتقان: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) (الزخرف: 72)، (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) (السجدة: 17)

الفوز في الآخرة بالعمل لا بالأماني

وقد هدمت عقيدة الإسلام ذلك الطمع الأشعبي، والأماني الفارغة التي جعلت صنفاً من الناس يحسبون الجنة حكراً لهم، أو عقاراً سيتوارثونه عن الآباء والأجداد، يستحقونها بمجرد الانتساب إلى دين معين أو الدخول تحت عنوان خاص.

أبطل الإسلام هذه الدعاوى العريضة، ورد الأمر كله إلى صدق الإيمان وحسن العمل: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة: 111، 112) وبهذا رسم الطريق إلى الجنة: إسلام الوجه إلى الله وإحسان العمل.

ولم يكن هذا موقفه من اليهود والنصارى فحسب، في قد وقف نفس الموقف من الأشعبيين، من المسلمين أنفسهم، أولئك الحمقى الذين يتبعون أنفسهم هواها ويتمنون على الله الأماني، ويظنون أن النطق بكلمة الإسلام، أو التسمي بأسماء المسلمين يكفي ليفتح لهم أبواب الجنة، فيدخلوها بسلام آمنين، ولكن القرآن بين لهم بوضوح أن قانون الله في الجزاء عام لعباده قاطبة، لا محاباة عنده، ولا فرق بين طائفة وطائفة.
روى المفسرون للقرآن أن مجلساً ضم جماعة من اليهود والنصارى والمسلمين فزعمت كل طائفة منهم أنهم أولى الناس بدخول الجنة، اليهود قالوا: نحن أتباع موسى الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه. والنصارى، قالوا: نحن أتباع عيسى روح الله وكلمته.

والمسلمون قالوا: نحن أتباع محمد خاتم النبيين وخير أمة أخرجت للناس. ولم يدع القرآن هؤلاء وهؤلاء، لدعاواهم وتنازعهم. فنِزلت آياته حاكمة فاصلة، قاضية عادلة، تخاطب المسلمين في صراحة وجلاء: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً) (النساء: 123، 124).

النجاح في الدنيا بالعمل

ولا يذهب الظن أو الوهم بأحد، فيحسب أن ارتباط السعادة والفوز بالعمل مقصور على الآخرة وحدها، فإن قوانين الله في الجزاء واحدة، ورب الدنيا والآخرة واحد، فالله تعالى يقول: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً) (الكهف: 30)، (فنعم أجر العاملين) (الزمر: 74)، (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7، 8).

وسنة الله -التي أخبرنا القرآن أنها لا تتبدل ولا تتحول- لا تسمح لفارغ أو قاعد أو كسول أن يظفر بما يريد، أو يحقق ما يأمل، بل إن سنن الله في الدنيا لا تفرق في الجزاء على العمل بين مؤمن وكافر ... فمن عمل أُجر، ومن قعد حُرم، مهما كان دينه أو اعتقاده.
وبهذا يندفع المؤمن إلى العمل دائماً، حتى لا يصادم سنن الله في الكون فتصدمهº فيكون من الهالكين.

المؤمن يخشى الله في عمله فيتقنه

والمؤمن لا يكتفي بالاندفاع الذاتي إلى العمل، بل يهمه أن يجوده، ويتقنه ويبذل جهده لإحسانه وإحكامه، لشعوره العميق، واعتقاده الجازم أن الله يرقبه في عمله، ويراه في مصنعه أو في مزرعته أو في أي حال من أحواله، وأنه تعالى "كتب الإحسان على كل شيء" (حديث صحيح رواه مسلم) وقد فسر نبي الإسلام هذا الإحسان في جانب العبادة، فقال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراهº فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (جزء من حديث جبريل المشهور).

وهذا هو شعور المؤمن في كل عمل من الأعمال -لا في العبادة وحدها- أن يؤدي العمل كأنه يرى الله، فإن لم يبلغ هذه المرتبة فأقل ما عليه أن يشعر أن الله يراه، وشعار المؤمن دائماً في أدائه لعمله: إني أرضي ربي.

وربه لا يرضيه منه إلا أن يقوم بعمله في صورة كاملة متقنة، وهذا ما علمه نبي الإسلام للمؤمنين "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" (رواه البيهقي في «شعب الإيمان») عملاً - أي عمل من أعمال الدنيا أو أعمال الآخرة.

وهناك خلقان أصيلان يتوقف عليهما جودة العمل، وحسن الإنتاج، وهما: الأمانة، والإخلاص، وهما في المؤمن على أكمل صورة وأروع مثال. فالصانع المؤمن مثلاً ليس همه مجرد الكسب المادي من صنعته، أو إرضاء صاحب المصنع إن كان يعمل عنده بأجر. ولكنه أمين على صنعته يخلص فيها جهده، ويرقب فيها ربه، ويرعى حق اخوته المؤمنين وهم له أولياء، وعليه رقباء، ومرجو بعد ذلك جزاء الله في الآخرة، (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (التوبة: 105).
إننا كثيرا ما نقرأ في الصحف، وما نسمع من الناس، كما نشاهد نحن بأعيننا، ما تعانيه المؤسسات العامة من أجهزة تتوقف -على جدتها- وأدوات تخرب على متانتها، ومصالح تعطل، مع حاجة الجمهور إليها، وأعمال يكفيها يوم تستغرق أياماً. ونتيجة ذلك أن مشروعات نافعة تفشل، وجهوداً مخلصة تبعثر، وأموالاً طائلة تضيع، وأن الإنتاج العام بعد ذلك كله يتدهور أيما تدهور، وما ذلك إلا لفقدان الأمانة والإخلاص وخراب الضمائر عند أولئك الذين لا يرجون لله وقاراً، ولا يحسبون للآخرة حساباً.

أثر السكينة النفسية في الإنتاج

والمؤمن -كما عرفنا- يتمتع في حياته بسكينة النفس، وطمأنينة القلب وانشراح الصدر، وبسمة الأمل، ونعمة الرضا والأمن، وروح الحب والصفاء، ولا ريب أن لهذه الحالة النفسية أثرها في الإنتاج، فإن الإنسان الشارد أو المضطرب أو القلق أو اليائس أو الحاقد على الناس والحياة، قلما يحسن عملاً يوكل إليه، أو ينتج إنتاجاً يقنع ويرضي.

هذا أمر يعرف بأدنى ملاحظة، لا يحتاج إلى إحصاء العالم، ولا برهنة الفيلسوف.

أثر الاستقامة في الإنتاج

والمؤمن الصادق الإيمان يقف عند حدود الله، وينتهي عما نهاه، وينأى بنفسه عن ارتكاب الموبقات، والانغماس في أوحال المحرمات، وإرسال العنان للشهوات. إن إيمانه يأبى عليه أن يفرغ طاقته في سهر عابث، ولهو حرام، يأبى عليه أن يجري وراء قدح يفور بالخمر، أو مائدة تدور بالقمار، أو جسد يمور بالفتنة.

وبذلك يظل محتفظاً بحيويته وطاقته الجسدية والعصبية والعقلية والنفسية، فلا يصرفها إلا في العمل الصالح أو ما يعين عليه من لهو بريء.
وهذا كسب كبير للفرد نفسه، ولأسرته وأولاده، وللمجتمع الذي يعيش فيه. وللحياة الإنسانية عامة.

إننا لو أحصينا ما تستهلكه الشهوات المحرمة، والموبقات المحظورة، والملاهي الآثمة -التي يجتنبها المؤمنون الصادقون من الطاقات الإنسانية والمادية- لبلغت حداً هائلاً يفوق ما تبتلعه الحروب المدمرة، والأوبئة الفتاكة، والكوارث المخربة، ولكن الإلف والعادة هما اللذان هونا على الناس هذه الخسائر الفادحة، التي تصاب بها الإنسانية كل يوم، بل كل ساعة. وقد نشرت الصحف أن في أمريكا 72 مليوناً يتعاطون الخمور، منهم 20 مليوناً يكلفون الدولة بليوني دولار كل سنة، بسبب تخلفهم عن العمل فإذا كانت هذه مغارم الخمر وحدها فكم تبلغ مغارم سائر الموبقات وسوء أثرها على الإنتاج؟!.

إحساس المؤمن بقيمة الوقت

والمؤمن أعمق الناس إحساساً بقيمة الوقت. إن الله سائله يوم الجزاء عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ فهو لهذا يضن بوقته أن يضيع في عبث، أو يبعثر في صوب الرياح الهوج. إنه رأس ماله الوحيد، فكيف يضيعه ويبقى صفر اليدين؟ إن الوقت نعمة يجب أن تشكر بالانتفاع بها، ولا تكفر بالتفريط فيها. وقد قال عمر بن عبد العزيز: "إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما".

المؤمن يشعر كأن كل يوم تبزغ شمسه أو ينشق فجره، يناديه بصوت جهير: أيها الإنسان أنا خلق جديد، وعلي عملك شهيد، فتزود مني واغتنمني بعمل الصالحات فإني إذا مضيت لا أعود أبداً.

وهو الذي يخشى أن تنفلت الأيام من يديه خاوية من العمل، والإنتاج، فلا يؤخر عمل اليوم إلى غد، لأن للغد عمله الذي يزحمه، فلا يتسع لعمل غيره من الأيام.

وهو كذلك حريص على أن يكون يومه خيراً من أمسه، وغده خيراً من يومه، وأن يطيل حياته -بعد موته- بطول أعماله، ويمد عمره بامتداد الجميل من آثاره، إنه يحرص أن يخلف وراءه علماً نافعاً، أو عملاً طيباً، أو مشروعاً مثمراً، أو صدقة جارية أو ذرية صالحة، وعلى قدر ما يمتد ويبقى الأثر الذي يخلفه وعلى قدر ما ينتفع الناس به تكون مثوبته عند الله. هذه الروح هي التي جعلت رجلا كأبي الدرداء -صاحب رسول الله- يغرس شجرة الجوز وهو في الشوط الأخير من رحلة الحياة فيقول له بعض الناس: أتغرس هذه الجوزة وأنت شيخ كبير، وهى لا تثمر إلا بعد كذا وكذا من السنين؟ فيقول له أبو الدرداء: وماذا علي أن يكون لي ثوابها ولغيري ثمرتها؟

وهي التي جعلت أخر يغرس شجرة الزيتون ويقول: غرس لنا من قبلنا فأكلنا ونغرس ليأكل من بعدنا.

العبادات والإنتاج

ولقد يقول بعض الناس: إن كل عقيدة دينية تفرض على المؤمنين بها ألواناً من العبادات وضروباً من القربات والمراسم، تأخذ من أوقات الناس شيئاً يضيق ويتسع باختلاف الأديان وصنوف عبادتها. وخذ مثلاً الصلاة الإسلامية التي تؤدى كل يوم خمس مرات: أليس في ذلك تعطيل للعمل، وتعويق للعامل. في عصر الآلة والسرعة والمنافسة الجبارة؟

والحق أن العبادات في الأديان عامة لا تأخذ من وقت الناس إلا القليل، ما لم يشرع الناس لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيشقوا على أنفسهم ويرهقوها عسراً.

على أن القليل الذي ينفق في العبادة، ليس وقتاً ضائعاً على الحياة والإنتاج. كلا. إنه شحن للطاقة وشحذ للهمة، وتوليد للقوة، وصقل لمعدن النفس لتعود إلى معركة الحياة أقوى وأمضى.

وإنه لمن الظلم للواقع أن يقاس الشيء بأثره المادي المباشر المنظور، ويغفل عن أثره الفعال الخفي الهادئ، في النفس وفي المادة أيضاً.
ما أصدق ما قال الدكتور الكسيس كارليل مؤلف كتاب "الإنسان ذلك المجهول" وأحد الحائزين على جائزة "نوبل":

"لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت -بوصفي طبيباً- كثيراً من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يديه عجزاً وتسليماً تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم".

"إن الصلاة كمعدن «الراديوم» مصدر للإشعاع. ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى استزادة نشاطهم المحدود، حين يخاطبون القوة التي لا يفنى نشاطها".

"إننا نربط أنفسنا -حين نصلي- بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبساً منها، نستعين به على معاناة الحياة. بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا ولن تجد أحداً ضرع إلى الله مرة إلا عادت عليه هذه الضراعة بأحسن النتائج".
وإذا كان هذا أثر الصلاة بعامة فإن الصلاة الإسلامية بخاصة أبعد أغواراً وأعمق آثاراً، إنها ليست تعبداً محضاً، ولا ضراعة خالية من معاني الحياة، إنها -مع الضراعة والتعبد- نظافة، وثقافة، ورياضة، وتربية خلقية وهي -بما سنه الإسلام من نظام الجماعة- مدرسة لتعليم المبادئ الاجتماعية المثلى، ومعهد للتربية العلمية على المحبة والإخاء، والمساواة بين الناس.

وليت شعري هل يخسر الإنتاج أم يربح من رجل يستيقظ قبل أن تبرز الشمس من خدرها، فيقوم فيتوضأ ويتطهر. ويصلى لربه، ويستقبل نهاره مبكراً طيب النفس، نشيط البدن، منشرح الصدر، قوى اليقين؟

وبحق ما قاله أحد الباحثين في أثر صلاة الجماعة الإسلامية في حياة المسلم:

"وإنه -وأيم الحق- لنعمة كبرى أن يكون في مكنة الإنسان التمتع خمس مرات يومياً بجو من السلام التام وسط عالم يسوده الصراع والنضال، وبجو من المساواة على حين يكون التباين هو النظام السائد، وبجو من المحبة في معمعة الأحقاد الوضيعة، والتنابذات والخصومات المفعمة بها الحياة اليومية، إنها حقاً لأجزل النعم لأنها العبرة الجلى من الحياة، فليس للإنسان بد من أن يعمل وسط التباين والنضال والصراع، ووسط مشاهد البغضاء والتشاحن، ومع ذلك ينتزع نفسه من كل هذا خمس مرات ليكتنه حقيقة المساواة والإخاء والمحبة من حيث أنها هي المصادر الحقة للسعادة الإنسانية.

ومن أجل ذلك كان الوقت الذي تستغرقه الصلاة غير مضيع عبثاً من ناحية الخيرية الفاعلية، والنفع العملي للبشرية، إذ أنه على العكس من ذلك قد استغل أحسن استغلال، بتعلم تلك الدروس الجليلة التي تجعل الحياة حقاً جديرة بالعيش فيها.

وتلك الدروس في الإخاء والمساواة والمحبة تصبح بممارستها عملياً في الحياة اليومية دعامات لتوحيد الجنس البشري، وتخليد الحضارة الأبدية لبني الإنسان".

المؤمن يعمر أرض الله بالعمل

ولقد يغرق بعض الناس في الخيال، فيتصورون المؤمن درويشاً في «تكيته» أو راهباً في «ديره» متبتلاً للعبادة منقطعاً عن الحياة، وهذه كارثة على العمل والإنتاج.

ولكن هذه الصورة -إن عرفتها بعض الأديان في بيئات معينة- لا تعرفها عقيدة الإسلام، فالإسلام لا يعرف المؤمن إلا كادحاً عاملاً مؤدياً دوره في الحياة، آخذاً منها معطياً لها، مستجيباً لما أراده الله من بني آدم حين جعلهم خلفاء الأرض: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61).

عقيدة الإسلام لا تعرف يوماً من أيام الأسبوع يخلص للعبادة، وينقطع الناس فيه عن أعمال الحياة -كما تعرف اليهودية مثلاً- ولكن الأيام جميعها في الإسلام أيام عمل، والعمل الدنيوي في الإسلام يمكن أن يكون عبادة بصدق النية.

هذا يوم الجمعة عيد الإسلام الأسبوعي، يقول الله تعالى فيه: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) (الجمعة: 9، 10).

فهذه حياة المسلم في يوم الجمعة، عمل وبيع وتجارة قبل الصلاة، ثم سعي إلى ذكر الله والصلاة، ثم انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله بعد انقضاء الصلاة.

وقد حدثوا أن عمر بن الخطاب رأى قوماً قابعين في ركن من المسجد بعد صلاة الجمعة فسألهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فعلاهم عمر بدرته ونهرهم وقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وإن الله يقول: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله).

الإيمان بالآخرة لا يعطل الدنيا

ويزعم بعض الناس أو يظنون أن الإيمان بالآخرة، والإقبال عليها يعطل العمل للدنيا، والكفاح من أجل ترقيتها، فإن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تحمل الأخرى، وكالمشرق والمغرب إذا اقتربت من أحدهما ابتعدت من الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى!! وهكذا فكل إقبال على الآخرة يقابله إعراض عن الدنيا.

وهذا الكلام صحيح إذا نظرنا إلى القلوب والأهداف والنيات .. فمن جعل الدنيا غايته ونيته وهمه ابتعد عن الآخرة بقدر ما تعلق قلبه بالدنيا والعكس بالعكس. أي أن المطلوب من المؤمن في الدنيا، أن يعمل ويجتهد ويكافح، ويبني ويعمر ويشيد، على أن تكون الآخرة نيته، وغايته، وأمله.
المؤمن يتخذ الدنيا مزرعة للآخرة والمزرعة تحتاج إلى عمل وسعي، ولكن الثمرة إنما تقطف كاملة في الآخرة، وإن أدرك بعضها في الدنيا: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) (الأعراف: 32) ذلكم هو المؤمن: يسخّöر الدنيا لنفسه، ولا يسخّöر نفسه للدنيا، المؤمن لا يتخذ الدنيا رباً فتتخذه الدنيا عبداً.

ولكنه بعد ذلك عضو عامل في جسم الأمة، ودم يجرى في عروقها، يمدها بالقوة والحركة والنماء، فهو إذا زرع أحسن، وإذا صنع أتقن، وإذا تاجر برع، وهو في كل جانب من جوانب الحياة حاذق مجيد.

قد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زراعاً وتجاراً وصناعاً متقنين، ولم يقعد بهم إيمانهم بالآخرة عن العمل للدنيا، كيف وقد قال رسولهم (رواه أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» عن أنس، وكذا البزار والطيالسي، ورجاله ثقات وأثبات، كما قال الهيثمي): "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها" ولماذا يغرسها والساعة ستقوم، ولا أمل في انتفاع أحد من الخلق بها؟ إنه تكريم العمل لذات العمل، ولو لم يكن من ورائه نفع وانتفاع.

التوكل ليس معناه التواكل

"إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة".

بهذا الجواب العمري تندفع تلك الشبهة التي تحوك في بعض الصدور ذلك أن من صفات المؤمن التوكل على الله، والتسليم له في شأنه كله، والقرآن الكريم يقول: (وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً) (النساء: 81)، (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: 23)، (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 3).

ولكن ما معنى التوكل؟

إن التوكل ليس معناه إطراح الإنسان للأسباب التي وضعها الله، والاتكال عليه أن يخرق له العوائد، ويجعل السماء من فوق رأسه تمطر الذهب والفضة، والأرض من تحت قدسيه تخرج له الخبز والإدام والسمن والعسل، بلا جهد ولا سعي ولا تفكير ولا عمل.

إن معنى التوكل أن يرتب الإنسان المقدمات. ويدع النتائج لله.

أن يبذر الحب ويرجو الثمار من الرب.

أن يقوم بالجانب البشري الذي يخصه، ويترك الباقي لربه، يهيئ له الأسباب ويزيل من طريقه الموانع، وما أكثر الأسباب التي يجهلها الإنسان، وما أكثر الموانع التي لا يعلمها فضلاً عن أن يستطيع تذليلها.

ولقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك ناقته بباب المسجد سائبة بلا عقال، وزعم بذلك أنه يتوكل على الله في حراستها. فقال له النبي الكريم كلمته التي سرت في المسلمين مسرى الأمثال السائرة: "اعقلها وتوكل".

والحديث الذي يتعلق بأذياله المتبطلون: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً"، هو في الواقع حجة عليهم لا لهم، فإنه لم يضمن لها الرواح ملأى البطن، إلا بعد غدوها وسعيها، لا مع بقائها في أوكارها.

|السابق| [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في فقه الأقليات المسلمة 

النية والإخلاص 

التوكل 

الإيمان والحياة 

الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca