| الكتاب: | الإيمان والحياة |
| المؤلف: | يوسف القرضاوي |
| التصنيف: | أسرة |
الباب الثاني : أثر الإيمان في حياة الفرد
الفصل الأول- الإيمان وكرامة الإنسان
(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء:70)
الإنسان في نظر الماديين
ما الإنسان؟
إنه في نظر الماديين قبضة من تراب هذه الأرض. من الأرض نشأ، وعلى الأرض يمشي، ومن الأرض يأكل والى الأرض يعود!!
هو كتلة من اللحم والدم والعظام والأعصاب والأجهزة والغدد والخلايا وما العقل والتفكير إلا مادة يفرزها المخ، كما تفرز الكبد الصفراء، أو كما تفرز الكلية البول! هو كائن ليس له أهمية ولا امتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة على هذه الأرض، بل هو من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره إنه «تطور» بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان!!.
والأرض التي يحيا عليها الإنسان، إن هي إلا كوكب صغير ضمن المجموعة الشمسية، التي هي مجموعة من مجاميع ضخمة كبيرة كثيرة يضمها عالم الأفلاك، تعد بمئات الملايين.
هكذا أنبأنا الفلك الحديث، وعرفنا من "كوبرنيكس" أن الإنسان شيء ضئيل في الكون الكبير ..هذا من حيث المكان.
أما من حيث الزمان، فقد جاء «دارون» وجاء الجيولوجيون فأثبتوا لنا أن الإنسان شيء تافه أيضاً من حيث الزمان، فإن عمر الأرض يمتد إلى مئات الملايين من السنين، فما قيمة أي مائة أو حتى مئات من الأعوام يعيشها الإنسان؟
تلك هي قيمة الإنسان بالنسبة إلى المكان وإلى الزمان في نظر الماديين.
إنهم لا يميزونه بما يسميه غيرهم «الروح اًلإلهي» أو «النفس الناطقة» إنه ليس إلا هذا الهيكل المادي وهذا الجسم الحيواني.
وما قيمة هذا الجسم، وهذا الهيكل الذي هو الإنسان؟.
"إن أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية:
إذا جئنا بإنسان زنته مائة وأربعون رطلاً (140) وغلغلنا النظر في تكوينه وجدنا بدنه يحتوى على المواد الآتية:
قدر من الدهن يكفي لصنع (7) قطع من الصابون.
قدر من الكربون يكفي لصنع (7) أقلام رصاص.
قدر من الفوسفور يكفي لصنع رؤوس (120) عود ثقاب.
قدر من ملح المغنيسيوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات.
قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه.
قدر من الجير يكفي لتبييض بيت للدجاج.
قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات!
وهذه المواد تشترى من الأسواق بمبلغ من المال يساوي خمسين أو ستين قرشاً مصرياً!!.
وتلك هي قيمة الإنسان المادية (من كتاب "نظرات في القرآن" للأستاذ محمد الغزالي).
لا روح هنالك ولا نفحة من السماء يختص بها هذا الكائن الفذ!!
يقول أحد ملاحدة العرب المعاصرين:
"هل نحن فكرة أكثر من كون الحشرات فكرة؟! نحن لا نساوي أكثر من أنفسنا، وكذلك الحشرات. ونحن لا نريد إلا أن نحقق أنفسنا، وكذلك أيضاً الحشرات؟!.
والفرق بيننا وبين الحشرات هو فرق التفوق فقط. وفرق التفوق بيننا وبين أرقى حيوان. لا يفوق كثيراً فرق التفوق بين أدنى حشرة وأرقى حيوان!
ماذا نفقد أو يفقد الكون أو تفقد الشمس والقمر بفقدنا أنفسنا؟!
وليس ما ذهب إليه دارون وفرويد وأمثالهما من الماديين بأفضل من هذه النظرة إلى الإنسان. إنه عندهم أخو الحشرات، وصنو القرود! إنهم لا يبصرون فيه إلا القشرة والغلاف، ولا يعرفون فيه إلا الطين والحمأ المسنون! فهو مخلوق من طبيعته الانجذاب إلى أسفل، وليس الرقي إلى أعلى. من طبيعته الهبوط إلى الأرض، وليس الارتفاع إلى السماء. هو -بعبارة موجزة- "حيوان متطور" ترقى من طور إلى طور حتى بلغ ما هو عليه. فالحيوانية في الإنسان قشرته ولبه، ولحمته وسداه!
فأي إيحاء للنفس الإنسانية أسوأ من هذا الإيحاء أثراً؟ أن يرى الإنسان نفسه مخلوقاً هابطاً .. حيواناً .. طيناً وحمأ! إنه لا يستغرب من نفسه الانحدار والتلوث والإسفاف ولا يستنكف من القذارة والأوحال أن يتمرغ فيها، ويتلطخ بها، بل المستغرب منه أن يتعفف ويتطهر، وأن يحيا نظيفاً مستعلياً على الشهوات، والمطامع المادية باذلاً النفس والمال في سبيل الحق، ابتغاء رضوان الله.
الإنسان في نظر المؤمنين
أما الإنسان في نظر المؤمنين فهو مخلوق كريم على الله، خلقه ربه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، ومحور النشاط في الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكل ما في الكون له ولخدمته. أما هو فجعله تعالى لنفسه.
يقول الله تعالى في بعض الآثار الإلهية: "ابن آدم، خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له،ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب. ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتني فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
حقاً إن الإنسان شيء ضئيل بالنسبة لسعة الكون من حيث حجمه وحياة جسمه، ولكنه من حيث روحه وكيانه المعنوي شيء كبير، وهل الإنسان في الحقيقة إلا ذلك الروح وذلك الكيان المعنوي؟
ولله در القائل:
|
دواؤك فيك وما تبصر |
وداؤك منك وما تشعِر!! |
|
وتزعم أنك جرم صغير |
وفيك انطوى العالم الأكبر! |
وحقاً أن الإنسان من حيث عمره القصير على الأرض ذرة في صحراء الأزمنة الجيولوجية البعيدة الضاربة في أغوار القدم -إن صح ما قالوا- ولكن المؤمنين: يوقنون أن الموت ليس نهاية الإنسان، إنه محطة انتقال إلى الأبد الذي لا نهاية له، إلى دار الخلود .. إلى حيث يقال للمؤمنين: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (الزمر: 73).
وإذا كانت هذه كرامة الإنسان هذا نظر الدين عامة، فله في الإسلام خاصة مكان أي مكان. تحدث القرآن عن الإنسان في عشرات بل مئات من آياته، وحسبنا أن أول فوج من آيات الوحي الإلهي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وكانت خمس آيات لم تغفل شأن الإنسان وعلاقته بربه - علاقة الخلق والتكريم. وعلاقة الهداية والتعليم، واختارت الآيات لفظ "الرب" لما يشعر به من التربية والرعاية والترقية في مدارج الكمال، هذه الآيات الأولى هذا القرآن هي قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق: 1 - 5)
مكانة الإنسان من الله
وفي آيات كثيرة من سور شتى، بين القرآن قرب الإنسان من الله، وقرب الله من الإنسان، ذلك القرب القريب الذي حطم أسطورة الوسطاء والسماسرة المرتزقين بالأديان، الذين جعلوا من أنفسهم «حجاباً» على "أبواب" رحمة الله الواسعة، والله يعلم إنهم كاذبون. قال الله في القرآن: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان) (البقرة: 186) (ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة: 115) (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (سورة ق: 16) (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا) (المجادلة: 7).
ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديثه عن ربه: "أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني: إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وان تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وان أتاني يمشي أتيته هرولة" (رواه البخاري).
هذه مكانة الإنسان عند الله.
مكانة الإنسان في الملأ الأعلى
أما مكانته هناك في الملأ الأعلى -عند العوالم الروحية العلوية- فهي مكانة اشرأبت إليها أعناق الملائكة المقربين، وتطاولت إليها نفوسهم فما أوتوها. فإن الذي اختار الله له هذه المكانة -خلافة الله في الأرض- هو الإنسان: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون * وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم * قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) (البقرة: 30 - 33).
وقد أراد الله أن يكرم هذا النوع ويحتفي به، ويظهر مكانه في تلك العوالم الروحية، فأمر الملائكة أن تؤدي التحية لهذا الكائن الجديد، وتستقبله بانحناءة إجلال وإكبار: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس..) (سورة ص: 71 - 74).
لقد تمرد إبليس على أمر ربه بالتحية لهذا الإنسان، ودفعه الحسد والغرور أن أبى واستكبر وكان من الكافرين، واتخذ من الإنسان موقف التحدي والعداء، فماذا كانت عاقبة هذا العدو المبين؟ كانت كما ذكر القرآن قال: (فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (سورة ص: 77، 78).
وتلك هي مكانة الإنسان في العوالم الروحية.
مكانة الإنسان في هذا العالم المادي
أما مركز الإنسان في هذا الكون المادي العريض فهو مركز السيد المتصرف الذي سخر كل ما في هذا العالم لنفعه ولإصلاح أمره، وكأن كل شيء في هذا الكون قد "نُسöج" من أجله و"فُصّöل" على "قَدّöه" تفصيلاً، (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 32 - 34) (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء:70) (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية: 12، 13).
(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان: 20).
وتلك هي مكانة الإنسان في هذا الكون وصلته بما فيه.
وما الذي بوأ الإنسان هذه المكانة السامقة وفي الكون أجرام أضخم منه وأكبر؟
إنه سر القبس الذي هو فيه من نور الله، والنفخة التي فيه من روح الله.
تلك النفخة التي جعلته مستعداً للخلافة في الأرض، مستعداً لحمل الأمانة الكبرى. أمانة التكليف والمسئولية، تلك التي صورها القرآن تصويراً أدبياً رائعاً حين قال: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) (الأحزاب: 72).
هذا الاستعداد في الإنسان هو الذي جعل مصيره بيده - بعد أن يسر الله له سبل الهداية وأزاح عنه كل الأعذار: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (القيامة: 4) (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف: 29) (قد أفلح من زكَّاها * وقد خاب من دسَّاها) (الشمس: 9، 10) (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها) (الإسراء: 7).
لقد سما الإسلام بالإنسان فاعترف به كله، روحه وجسده، عقله وقلبه، إرادته ووجدانه، غرائزه الهابطة وأشواقه الصاعدة .. لم يضع في عنقه غلاً، ولا في رجله قيداً، ولم يحرم عليه طيباً، ولم يغلق في وجهه باب خير، من لم يدعه للمتاجرين بالدين يتلاعبون به، بل خاطبه خطاباً مباشراً (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) (الانفطار: 6 - 8). (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) (الانشقاق: 6).
علماء الإسلام يشيدون بمكانة الإنسان
هذه صورة سريعة، ولكنها واضحة التقاسيم لمكانة الإنسان كما رسمها القرآن، وقد أشاد بهذه المكانة الإنسانية كل أئمة الإسلام وعلمائه في مختلف البيئات والاختصاصات.
يقول الفقيه أبو بكر بن العربي: "ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله تعالى خلقه حياً عالماً، قادراً، متكلماً، سميعاً بصيراً، مدبراً، حكيماً".
وهذه هي صفات الرب جل وعلا..
ويشرح الإمام الغزالي في «إحيائه» أسباب محبة العبد لله تعالي، فيذكر منها المناسبة والمشابهة بين ذات الإنسان وذات الله عز وجل، وهي مناسبة باطنة "لا ترجع إلى المشابهة في الصور والأشكال، بل إلى معان باطنة، يجوز أن يذكر بعضها في الكتب، وبعضها لا يجوز أن يسطر". قال: "فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية، حتى قيل "تخلقوا بأخلاق الله" وذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الألوهية من العلم والبر والإحسان واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق، والنصيحة لهم، وإرشادهم إلى الحق، ومنعهم من الباطل، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة. فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى".
"وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي أختص بها الآدمي، فهي التي يومئ إليها قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي) (الإسراء:85) إذ بين إنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق. وأوضح من ذلك قوله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) (سورة ص: 72) ولذلك أسجد له ملائكته. ويشير إليه قوله تعالى: "إنا جعلناك خليفة في الأرض" (ص 26 والظاهر إنه يقصد آية البقرة: 30 (إني جاعل في الأرض خليفة) لما يبدو من تعقيبه على الآية) إذ لم يستحق آدم خلافة الله إلا بتلك المناسبة .. وإليه يرمز قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورته" (رواه مسلم) حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس، فشبهوا، وجسموا، وصوروا، تعالى الله رب العالمين عما يقول الجاهلون علواً كبيراً - وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى: "مرضت فلم تعدني! فقال: يا رب وكيف ذلك؟ قال: مرض عبدي فلان، فلم تعده، ولو عدته لوجدتني عنده".
وهذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال الله تعالى في الحديث القدس: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به.." (من كتاب "إحياء علوم الدين" ربع المنجيات هي 263) رواه البخاري.
ويقول الإمام ابن القيم: اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه، وخلقه لنفسه وخلق له كل شيء، وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره، وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته -الذين هم أقل قربة- استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته، وظعنه وإقامته .. وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه واليه.. فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات" (مدارج السالكين ج1 هي 210 مطبعة السنة المحمدية).
عزة الإيمان بعد عزة الإنسانية
هذه هي معاني الكرامة والعزة التي تغرسها العقيدة في قلب المؤمن باعتباره "إنساناً" ولكنه بوصفه "مؤمناً" يشعر بمعان أعمق، وعزة أشمخ، ويسمو به إيمانه إلى سماء عالية لا يسعى إليها على قدم ولا يطار على جناح؟
وهو بوصفه عضواً في أمة الإيمان - يشعر بكرامة أكبر وعزة أخرى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران: 110) (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) (البقرة: 143) (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج: 78).
يشعر المؤمن بالعزة التي سجلها الله في كتابه للمؤمنين مقرونة بالعزة لنفسه ولرسوله، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (المنافقون: 8).
ويشعر بأنه كتب له الكرامة والحرية التي بها يعلو ولا يعلى، ويسود ولا يساد: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) (النساء:141).
ويشعر أن في ولاية الله البر الكريم، ولاية المعونة والنصرة، والرعاية والهداية. (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) (محمد: 11).
(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (البقرة: 257).
ويشعر المؤمن إنه في معية الله الذي يكلؤه دوماً بعينه التي لا تنام، ويحرسه في كنفه الذي لا يرام، ويمده بنصره الذي لا يقهر: (وأن الله مع المؤمنين) (الأنفال: 19) (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (الروم: 47) (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقاً علينا ننجي المؤمنين) (يونس: 103).
ويشعر المؤمن إنه في حماية الله القوي القدير، يذود عنه، ويرد عن صدره سهام الكائدين والمعتدين: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور) (الحج: 38).
والقرآن يجعل المؤمنين مقياساً لصلاح الأعمال أو فسادها، فحكمهم عند الله معتبر، ورؤيتهم للأعمال مقرونة برؤية الله ورسوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة: 105).
وإذا كانت هذه الآية توحي بأن رضا المؤمنين من رضا الله، فإن مقتهم أيضاً من مقت الله سبحانه: (كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا) (غافر: 35).
إن هذه المعاني الكبيرة، والمشاعر الرفيعة، إذا سرت في كيان فرد، جعلت منه إنساناً عزيزاً كريماً، كبير النفس، كبير الآمال، إنساناً لا يحني رأسه لمخلوق، ولا يطأطىء رقبته لجبروت، أو طغيان أو مال أو جاه. إن شعاره هذه الكلمة: "سيد في الكون، عبد الله وحده".
لا عجب بعد هذا، إذا رأينا عبداً أسود كبلال بن رباح، حين يشرب قلبه الإيمان، يتيه على "السادة" المتكبرين فخراً، ويرفع رأسه عالياً، فقد صار بالإيمان أرفع عند الله ذكراً، وأسمى مقاماً، ينظر إلى أمية بن خلف وأبي جهل ابن هشام وغيرهما من زعماء قريش وصناديد مكة، نظرة البصير للأعمى، نظرة السائر في النور إلى المتخبط في الدجى: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)؟ (الأنعام: 122) (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم) (الملك: 22).
ولا غرو بعد ذلك إذا رأينا أعرابياً أمياً من البداة الجفاة، مثل ربعي ابن عامر حين باشرت قلبه عقيدة الإسلام، وأضاءت فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم قائد قواد الفرس، وهو في هيله وهيلمانه، وأبهته وسلطانه، غير مكترث له: ولا عابِئ به، وبما حوله من خدم وحشم، وما يتوهج بجواره من فضة وذهب، حتى إذا سأله رستم: من أنتم؟ أجابه هذا الأعرابي في عزة مؤمنة، وإيمان عزيز، إجابة خلدها التاريخ، وقال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ولا عجب أن نقرأ لشاعر مؤمن يناجي ربه في عبودية عزيزة بالله، متذللة إليه، غنية بالله، فقيرة إليه، قائلاً
|
وممِِا زادني شرفِاً وعِزاً |
وكدت بأخمصي أطأ الثريا |
|
دخولي تحت قولك «يا عبادي» |
وإن أرسلت أحمد لي نبياً! |
بين النظرة الإسلامية والنظرة المادية للإنسان
إن اعتقاد الإنسان بكرامته على الله، ومكانه في الملأ الأعلى، ومركزه القيادي في هذا الكون، يشعر بذاته، ويغالي بقيمة نفسه لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود، فيحيا عزيز النفس، عالي الرأس، أبياً للضيم، عصياً على الذل والهوان، بعيداً عن الشعور بالتفاهة والضياع والعدم والفراغ. وهذا الإحساس الذي يعيش به المؤمن ليس شيئاً هيناً ولا بضاعة مزجاة، إنه كسب كبير ومغنم ضخم للإنسان، كسب له في عالم الشعور والتصور وفي عالم الواقع والسلوك..
وما أعظم الفرق بين رجلين: يعيش أحدهما وهو يعتقد في نفسه إنه مجرد (حيوان) من فصيلة راقية ليس له قبل حياته جذور، وليس له بعد موته امتداد، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير أكثر من صلة القرود به. ويعيش الآخر يعتقد أنه خليفة الله في الأرض ونائبه في إقامة الحق وإفاضة الحب وإشاعة الجمال في هذا الكون! ويشعر بأن الكون كله في خدمته، والملائكة الكرام في حراسته، وأن رب الوجود في معيته، وأنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن وجوده لا ينتهي بالموت وداره لا تنتهي بالقبر، فإنما خلق للخلود وللابد الذي لا ينقطع ولا يزول.
إن هذا الشعور الأصيل الذي بلغ حد الاعتقاد واليقين بمنزلة الإنسان في الكون هو أحد النقاط الرئيسية التي تخالف فيها عقيدة الإسلام التفكير المادي الذي يسود حضارة الغرب اليوم في النظرة إلى الإنسان.
إن المغايرة بين النظرتين تتمثل في أمور جوهرية ثلاثة:
1. في منزلة الإنسان في هذا الكون.
2. وفي طبيعته التي فطر عليها.
3. وفي غايته ووظيفته في هذه الحياة.
منزلة الإنسان
فالعقيدة الإسلامية قد حددت منزلة الإنسان في هذا الكون منذ قال الله تعالى للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) (البقرة: 30) كما ذكرنا من قبل، فهو نوع منفرد من مخلوقات الله ليس بجماد ولا نبات ولا بحيوان، ولا بملاك ولا بشيطان، إنه مخلوق مكرم فريد مسؤول، لا يقوم وحده في هذا العالم كما زعم بعض الملحدين، بل يقوم بإرادة رب أوجده وقدره. إله خلقه في أحسن تقويم، وعلمه البيان ووهب له السمع والبصر والفؤاد، ليس الإنسان عبداً ولا مقهوراً لشيء في هذا الكون، إلا إنه عبد الله وحده.
هذا في عقيدة الإسلام، أما النظرة المادية فلم تنظر للإنسان على أنه مخلوق كريم أوجده خالق عظيم. كلا، بل هو نبات (شيطاني) برز من العدم إلى الوجود وحده، ويعيش وحده، ويموت وحده، وبموته تختم روايته كلها.
إنه باختصار حيوان قد يقال عنه "حيوان راق" أو "حيوان اجتماعي" أو "حيوان متطور" ولكنه على كل حال "حيوان" .. بيد أنه بواسطة العلم التجريبي استطاع أن «يقهر» الطبيعة ويسيطر على المادة، وبذلك العلم أصبح هذا الحيوان المتطور، ينظر إلى نفسه وكأنه إله يتصرف في الأرض كما يشاء. ويظن أنه قادر عليها.
إن هذه النظرة المادية للإنسان، أنتجت شعورين مختلفين:
أولهما: شعور الإنسان بالتفاهة والضياع ونظرته إلى نفسه نظرة حيوانية بحتة.
والثاني : شعور الغرور والكبر، ذلك الشعور الذي ينتهي بالإنسان إلى حد تأليه نفسه حين يسقط وجود الإله الحق من اعتباره. ويتصرف وكأنه إله لا يسئل عما يفعل، كما زعم جوليان هكسلي (في كتابه "الإنسان في العالم الحديث" ترجمة حسن خطاب هي 224) حين قال: "إن الإنسان في العالم الحديث أصبح هو الله المنشئ المريد"!!.
ولما بدأ الإنسان في هذا القرن يفيق من سكرة غروره بالتقدم العلمي والانقلاب الصناعي والازدهار المادي بدأ يحس بأزمة نفسه باعتباره إنساناً متميزاً، كما رأينا ذلك في كتابات النقاد منهم. مثل "أليكس كاريل" في كتابه "الإنسان.. ذلك المجهول"، وشبنجلر في كتابه: "تدهور الحضارة الغربية" و"توينبي" و"رينيه جينو" و"كولن ولسون" وغيرهم.
طبيعة الإنسان
أما طبيعة الإنسان فهي من أخطر المزالق التي تزل فيها الأقدام، وتضل فيها الأفهام، عند النظرة إلى الإنسان، نظراً للازدواج والتعقيد في طبيعته التي ركب عليها، فليس هو شهوة خالصة، ولا عقلاً خالصاً، وليس هو جسماً محضاً، ولا روحاً محضاً، إن تكوينه يشمل الجانبين معاً.
يقول البروفيسور "سيشوت" العالم الأمريكي والأستاذ بجامعة "ييل" في كتابه «حياة الروح»:
"مسألة حيرت ألباب العلماء منذ عصور موغلة في القدم، وهي طبيعة الإنسان المزدوجة الغريبة، فالجانب المادي منه -وهو جسده- يحيا وينمو ثم يموت، ولكن شيئاً لا تدركه الحواس يبدو إنه يحكم هذا الجسد، وفي مقدور هذا الشيء أن يشعر وأن يفكر. إنه ذلك الجانب الذي تتركز فيه خلاصة كيانه.
فالإنسان يبدو وكأنه كائنان: كائن مادي وكائن آخر يقابله غير مادي، ترى هل كل منهما حقيقي؟ أم أن أحدهما لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام"!
والضلال والانحراف في فهم الإنسان، وتصور حقيقته، إنما جاء نتيجة لإهمال أحد هذين العنصرين في كيانه، أو نتيجة للفصل بينهما، واعتبار كل منهما منفصلاً عن الآخر".
والإسلام قد عرف طبيعة الإنسان حق معرفتها، وقدرها حق قدرها، لأن الإسلام كلمة الله، والإنسان خلق الله، وخالق الشيء وصانعه لا يجهل طبيعته وكنهه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟ (الملك: 14).
وقد خلق الله هذا الإنسان جسماً كثيفاً، وروحاً شفافاً. جسماً يشده إلى الأرض، وروحاً يتطلع إلى السماء. جسماً له دوافعه وشهواته، وروحاً له آفاقه وتطلعاته. جسماً له مطالب أشبه بمطالب الحيوان، وروحاً له أشواق كأشواق الملائكة.
هذه الطبيعة المزدوجة ليست أمراً طارئاً على الإنسان، ولا ثانوياً فيه، بل هي فطرته التي فطره الله عليها، وأهله بها للخلافة في الأرض، منذ خلق آدم خلقاً جمع بين قبضة الطين ونفخة الروح: (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفح فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون) (السجدة: 6 - 9).
وجاءت عقيدة الإسلام، فلم تغفل الروح من أجل الطين، ولم تغفل الطين من أجل الروح. بل زاوجت بينهما في وحدة متسقة ملتئمة، وأعطت الروح حقه، والجسد حقه، في غير إفراط ولا تفريط.
وعرف التاريخ أدياناً ونحلاً تقوم فلسفتها على إغفال الجانب المادي الجسدي في الإنسان، والعمل على تعذيبه وإضعافه، لينمو الجانب الروحي فيه، ويصفو ويقوى كالبرهمية الهندية، في الرهبانية المسيحية.
وفي مقابل هذا الاتجاه جاء الاتجاه المادي الذي يجحد أن في الإنسان روحاً أو أن في الكون إلهاً، إذ لا يؤمن إلا بما هو مادي تدركه الحواس، وتحكمه التجربة.
وبهذا عاش الإنسان عند هؤلاء نصف إنسان، بل أدنى، عاش للجزء الحيواني فيه فحسب.
غاية الإنسان
وأما غاية الإنسان ومهمته في الحياة فقد بينتها عقيدة الإسلام أوضح البنيان، فالإنسان لم يخلق عبثاً، ولم يترك سدى، وإنما خلق لغاية وحكمة. لم يخلق لنفسه، ولم يخلق ليكون عبداً لعنصر من عناصر الكون، ولم يخلق ليتمتع كما تتمتع الأنعام، ولم يخلق ليعيش هذه السنين التي تقصر أو تطول، ثم يبلعه التراب ويأكله الدود ويطويه العدم.
إنه خلق ليعرف الله ويعبده، ويكون خليفة في أرضه، خلق ليحمل الأمانة الكبرى في هذه الحياة القصيرة: أمانة التكليف والمسئولية، فيصهره الابتلاء وتصقله التكاليف، وبذلك ينضج ويعد لحياة أخرى هي حياة الخلود والبقاء والأبد الذي لا ينقطع.
إنه لنبا عظيم حقاً أن يكون هذا الإنسان لم يخلق لنفسه، وإنما خلق لعبادة الله، ولم يخلق لهذه الدنيا الصغيرة الفانية، وإنما خلق للحياة الخالدة الباقية، خلق للابد!
يقولون : إن الأحمق يعيش ليأكل والعاقل يأكل ليعيش.
وهذا القول لا يحل العقدة، فإن العيش نفسه ليس غاية، فالسؤال لا يزال قائماً: ولماذا يعيش الإنسان؟
أما الماديون فقالوا: إنه يعيش لنفسه ومتاع دنياه.
وأما المؤمنون فقالوا: إنما يعيش لربه الأعلى، ولحياته الباقية الأخرى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق) (المؤمنون: 115، 116).
وما أعظم الفرق بين الذي يعيش لنفسه والذي يعيش لربه، بين من يعيش لدنياه المحدودة، ومن يعيش لوجود غير محدود بزمان ولا مكان!
إن النظرة المادية الملحدة لم تعرف للإنسان غاية، لأن الغاية تقتض قصداً والقصد يقتض قاصداً، وهي تنكر أن يكون الإنسان قد خلق قصداً، ولهذا فليس للإنسان في نظرها رسالة غير رسالة الكدح وراء العيش وابتغاء تحسينه.
وبعبارة أخرى: وراء زينة الحياة الدنيا ومتاعها. لأكثر من ذلك، فإذا فنى العمر القصير للإنسان، فقد انتهى كل شيء في وجوده، وما أصدق قول القرآن (قل متاع الدنيا قليل) (النساء: 77).
وهو ليس متاعاً قليلا فحسب؟ بل هو أيضاً متاع رخيص، متاع حقير،لأنه متاع حيواني محض، سخر بعض الأدباء من طلابه وعشاقه فقال: "من كانت غايته بطنه وفرجه فقيمته ما يخرج منهما".
وحسبنا قول القرآن الكريم: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم) (محمد: 12).
إن النظرة المادية للإنسان تجعله يدور حول نفسه فقط، أي حول هواه وشهواته، حول جسده ومتطلباته. حول الجزء الحيواني فيه. وبذلك ينمو ويتضخم الجانب الحيواني المادي في الإنسان على حساب الجوانب الأخرى التي تضمر وتنكس، أو تذبل وتموت.
ونمو الجانب المادي والحيواني في الإنسان بهذه السرعة والضخامة هو نمو خبيث، «نمو سرطاني» يفضي في النهاية إلى هلاك الإنسان كله.
إنه لابد للإنسان من هدف يتطلع إليه غير نفسه وهواها، وإلا فإنه سيظل يدور حولها كالحمار في الرحا، أو الثور في الساقية، يدور ويدور والمكان الذي انتهى إليه هو الذي بدأ منه.
أو كما قال أحد الكتاب الغربيين في وصف «الوجوديين» الذين تدور فلسفتهم حول تحقيق الإنسان وجوده وذاته فحسب "إن الوجودي مثله كمثل الكلب الذي يجري دائماً حول نفسه ليمسك بذنبه، فلا هو يدرك ذنبه، ولا هو يقف عن الجري، وهي لعبة يلعبها الكلاب، حينما يجدون الفراغ، فيلهون بما لا نتيجة له".
وهذا التشبيه يذكرنا بالمثل الذي ضربه القرآن لكل من انسلخ من آيات الله، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فأنسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض وأتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون * ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون) (الأعراف: 175 - 177).
الكتب الخاصة بنفس الكاتب
موسوعة الكتب الحركية
Book Select
Book Select
Book Select