[ نشر هذا المقال بعد حركة 15 مايو التى قام بها فى مصر الرئيس السادات ]
أثلجت صدرى الكلمات التى قالها رئيس الدولة عشية نجت مصر من المؤامرة الأخيرة !
لقد أكد أن الحريات ستوطد، وأن الحقوق ستصان، وأن القانون سيسود، ولن تغل يد عن عمل شريف، ولن يكمم فم عن كلمة حق، ولن يؤذن لصغير أن يتطاول، ولا لمنحرف أن يجور !!
لقد استقبلنا هذه المعانى والأنفاس تكاد تختنق لما عراها من ضيق، فكانت نسائم منعشة تتسلل خلال جو رهيب مقنط، وكان بوارق رجاء توحى بالخير .
وأحس القابعون وراء جدران السجن الكبير أن العصابة التى تسومهم سوء العذاب بدأت تذوب وتتلاشى.
إن إذلال الشعوب جريمة هائلة، وهو فى تلك المرحلة النكدة من تاريخ المسلمين عمل يفيد العدو ويضر الصديق .
بل هو عمل يتم لحساب إسرائيل نفسها .. فإن الأجيال التى تنشأ فى ظل الاستبداد الأعمى تشب عديمة الكرامة قليلة الغناء، ضعيفة الأخذ والرد .
ِ ومع اختفاء الإيمان المكين والخلق الوثيق والشرف الرفيع .
ِ ومع شيوع النفاق والتملق والدناءة .
ِ ومع هوان أصحاب الكفايات وتبجح الفارغين المتصدرين .
.. مع هذا كله لا تتكون جبهة صلبة، وصفوف أبية باسلة !
وذلك أمل إسرائيل حين تقاتل العرب، لأنها ستمتد فى فراغ وتشتبك مع قلوب منخورة وأفئدة هواء !
والواقع أن قيام إسرائيل ونماءها لا يعود إلى بطولة مزعومة لليهود قدر ما يعود إلى عمى بعض الحكام العرب، المرضى بجنون السلطة وإهانة الشعوب .
ولو أنصف اليهود لأقاموا لهؤلاء الحكام تماثيل ترمز إلى ما قدموا لإسرائيل من عون ضخم ونصر رخيص!
من أجل ذلك أحسست راحة عميقة لكلمات السيد محمد أنور السادات، وهو يهدر بضرورة احترام الشعب وكسر كل قيد يوضع على مشيئته .
إن هذه السياسة البصيرة هى الخطوة الأولى لقتال حقيقى مع المعتدين يقمع غرورهم ويقلم أظفارهم !
إن جماهير العرب عطشى إلى الحرية والكرامة، ولقد بذلت جهود هائلة لمنعها من الحق والجد وتعويدها عبادة اللذة إلى جانب عبادة الفرد، ولكن جوهر الأمة تأبى على هذه الجهود السفيهة، وإن كانت طوائف كثيرة قد جرفتها هذه المحن النفسية فهى تحيا فى فراغ ومجون مدمرين، لا تبقى معهما رسالة ولا ينخذل عدو ..
ومن ثم كان العبء على المصلحين ثقيلاً، ولكن ما بد منه لحماية حاضرنا ومستقبلنا .
ولقد تبعت الصراع بين الحكام المستبدين والرجال الأحرار منذ نصف قرن، ودخلت فى تلك المعمعة لأذوق بعض مرها وضرها .
وكنت أردد بإعجاب صيحات الرجال الكبار وهم يهدمون الوثنية السياسية ويلطمون قادتها ولو كانوا فى أعلى المواضع .
من ذلك صيحة الأستاذ الكبير “ عباس محمود العقاد “ عندما قال معرضاً بالملك فؤاد: إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدى عليه !!
وقد قدم الكاتب الإسلامى الكبير إلى المحاكمة ليعاقب تسعة شهور فى سجن مصر العمومى ثم خرج الرجل من السجن فكان أول ما صنع أن زار قبر سعد زغلول ليؤكد بقاءه على العهد وتأييده لقضايا الحرية وخصامه لأعداء الشعب !
ومن قصيدته التى ألقاها على قبره نذكر هذه الأبيات الشامخة:
خرجت له أسعى وفى كل خطوة دعاء يؤدى أو ولاء يؤكد
لأول من فك الخطى من قيودها أوائل خطوى يوم لا يتقيد
وأعظم بها حرية زيد قدرها لدن فقدت أو قيل فى السجن تفقد
عرفت لها الحبين فى النفس والحمى وكان لها حب وإن جل مفرد
وكنت جنين السجن تسعة أشهر فها أنذا فى ساحة الخلد أولد
ففى كل يوم يولد المرء ذى الحجى وفى كل يوم ذو الجهالة يلحد
وما أفقدت لى ظلمة السجن عزمة فما كل ليل حين يغشاك مرقد
وما غيبتنى ظلمة السجن عن سنى من الرأى يتلو فرقداً منه فرقد
عداتى وصحبى لا اختلاف عليهما سيعهدنى كل كما كان يعهد
والعقاد بهذا الموقف الشريف ينتظم مع سلسلة الأبطال الذين يذودون عن الإنسانية بطش الجبابرة وجنون العظمة عند نفر من الملتاثين المتحكمين .
ولا أزال أكرر ما ذكرت فى بعض كتبى من أن الحريات المقررة هى الجو الوحيد لميلاد الدين ونمائه وازدهاره !
وإن أنبياء الله لم يضاروا بها أو يهانوا إلا فى غيبة هذه الحريات، وإذا كان الكفر قديماً لم ينشأ ويستقر إلا فى مهاد الذل والاستبداد فهو إلى يوم الناس هذا لا يبقى إلا حيث تموت الكلمة الحرة وتلطم الوجوه الشريفة وتتحكم عصابات من الأغبياء أو من أصحاب المآرب والأهواء ..
.. نعم ما يستقر الإلحاد إلا حيث تتحول البلاد إلى سجون كبيرة، والحكام إلى سجانين دهاة .
من أجل ذلك ما هادنا ِ ولن نهادن إلى آخر الدهر ِ أوضاعاً تصطبغ بهذا العوج ويستشرى فيها ذلك الفساد .
ومرة أخرى أردد قول العقاد:
هو الحق ما دام قلبى معى وما دام فى اليد هذا القلم !
إن البيئات التى تستمتع بمقادير كبيرة من الحرية هى التى تنضج فيه الملكات، وتنمو المواهب العظيمة، وهى السناد الإنسانى الممتد لكل رسالة جليلة وحضارة نافعة .
ولأمر ما اختار الله محمداً من العرب !
إن ذلك يرجع إلى طبيعته الذاتية، وطبيعة الجنس الذى ينميه على السواء !!
فإن العرب أيام البعثة كانوا أسعد الأمم بخطوط الحرية المتاحة لهم، بينما كان الروم والفرس جماهير من العبيد الذين تعودوا الانحناء للحكام والسجود للملوك وضياع الشخصية فى ظل سلطات عمياء وأوامر ليس عليها اعتراض.
أما العرب فكانوا على عكس ذلك، حتى لكأن كل فرد منهم ملك وإن لم يكن على رأسه تاج !
ونشأ عن ذلك الاعتداد الخطير بالنفس أن كفار القبيلة كانوا يموتون دفاعاً عن مؤمنيها، وكانت حرية الكلمة متداولة فى المجتمع تداول الخبز والماء ..
ووسط هذا الجو شقت رسالة الإسلام طريقها صعداً لم تثنها المعوقات الطبيعية التى لا بد منها ..
ومن الفطر القوية لأولئك العرب الأحرار كانت الانطلاقة التى عصفت بالحكومات المستبدة وبدلت الأرض غير الأرض والناس غير الناس .
ذلك أنه يستحيل أن يتكون فى ظل الاستبداد جيل محترم، أو معدن صلب، أو خلق مكافح .
وتأمل كلمة عنترة لأبيه شداد لما طلب منه الدفاع عن القبيلة، قال: إن العبد لا يحسن الكر والفر، ولكنه يحسن الحلب والصر ! فأجاب الوالد: كر وأنت حر !
وقاتل “ عنترة “ وتحت لواء الحرية أدى واجبه، ولو بقى عبداً ما اهتم بهلاك أمة من الناس فقد بينهم كرامته ومكانته ..
ومن مقابح الاستبداد أسلوبه الشائن فى إهانة الكفايات وترجيح الصغار وتكبيرهم تبعاً لمبدئه العتيد:
أهل الثقة أولى من أهل الكفاية .
ومن هم أهل الثقة ؟ أصحاب القدرة على الملق والكذب .. اللاهثون تحت أقدام السادة تلبية لإشارة أو التقاطاً لغنيمة .
هذا الصنف الخسيس من الناس هو الذى يؤثر بالمناصب ويظفر بالترقيات، وتضفى عليه النعوت، ويمكن له فى الأرض ..
أما أهل الرأى والخبرة والعزم والشرف فإن فضائلهم تحسب عليهم لا لهم، وتنسج لهم الأكفان بدل أن ترفع لهم الرايات ..
والويل لأمة يقودها التافهون، ويخزى فيها القادرون ..
وقد كنت أقرأ فى الصحف ِ دون دهشة ِ كيف أن المسئول عن “ الثقافة والفكر فى الاتحاد الاشتراكى “ رجل أمى يصيح كلما سأله المحقق: اعذرنى فإنى جاهل ..
إن هذه طبيعة الأوضاع التى تعيش على الظلام وتكره النور .
ما أكثر العلماء فى بلادنا لو أريد توسيد الأمر أهله، ولكن العلماء ليسوا موضع ثقة لصغار المتصدرين لأن العالم يستنكر المتناقضات ويكره الدنية، ويقول بغضب:
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما
أما وقد أزال الله الغمة، وعلت كلمة الأمة فلنعد بالأمور إلى أوضاعها السليمة، ولنوفر الحريات التى طال إليها الشوق واشتد الحنين .
لقد كان الاستبداد قديماً أقل ضرراً من الاستبداد الذى نظمته الدولة الحديثة فى هذه الأعصار، فإن الدولة فى العصر الحديث تدخلت فى أدق شئون الفرد وبسطت نفوذها على كل شىء .
ومن هنا كان الدمار الأدبى والمعنوى الذى يصحب الاستبداد بعيد الآماد خبيث العواقب .
ومن أحسن ما قيل فى تشييع ظالم مستبد:
لتبك على “ الفضل بن مروان “ نفسه فليس له باك من الناس يعرف
لقد صحب الدنيا منوعاً لخيرها وفارقها وهو الظلوم المعنف
إلى النار فليذهب ومن كان مثله على أى شىء فاتنا منه نأسف ؟
اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان .