ركزت أجهزة الاستخبارات وأجهزة الإعلام الغربية على مصر متهمة إياها بأنها التي أفرخت الإرهاب وصدرته إلى غيرها من الدول، وأنها لم تتعاون بالقدر الكافي مع الحملة الدولية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب, ورغم الممارسات التي تقوم بها السلطات المصرية إلا أن الدوائرالأمريكية ترى أن هذه الإجراءات غير كافية للقضاء على ما يسمى بالإرهاب، وترى بدلا من ذلك ضرورة استئصال الفكر الديني ذاته، باعتباره مغذَيا للتطرف حسب زعمهم, وتقدم بدلا من ذلك رؤية جديدة للإسلام الذي ينبغي على المسلمين سواء في مصر أو غيرها الالتزام به وهو إسلام مسالم, يلبي المطالب الأمريكية, وينبذ تماما أفكار المقاومة ورد العدوان.
الإسلام المعدَل
وقد دعا رئيس الوزراء البريطاني في بداية شهر سبتمبر 2001م الزعماء والمسؤولين بالدول الإسلامية لأن يعملوا جاهدين على أن يهيمن الإسلام المسالم بحيث يخضع له جميع المسلمين في شتى أنحاء العالم.
نفس الفكرة عبَر عنها وزير الخارجية الأمريكي كولين باول في شهر نوفمبر 2001 في خطاب ألقاه بجامعة لويسفيل بولاية كنتاكي، حيث أشار إلى تبلور رؤية أمريكية للمجتمعات الإسلامية تقوم على أساس من قيم معينة تمس التكوين الثقافي والسياسي والعقيدي لتلك المجتمعات. هذا الإسلام هو ما وصفه الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي بِ(الإسلام المعدل) الذي يجنب أمريكا والغرب احتمالات التعرض لأي هجوم مستقبلي كما حدث في واشنطن ونيويورك.
وحسب ما يرى الباحث السياسي الدكتور حامد عبد الماجد أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة القاهرة فإن فكرة الإسلام المعدل ستكون هي الفكرة المحورية التي ستوجه عملية التأثير على العمل الإسلامي خلال المرحلة المقبلة, وهذا الإسلام المعدل هو الإسلام الذي يتماشى مع ما يمثله الغرب والولايات المتحدة من قيم وهيمنة ونفوذ, وعلى أساس هذه الفكرة سيقاس أي نشاط أو عمل إسلامي ليتم فرز من يصبح داخل هذا الإطار ومن يكون خارجه حتى يوضع في قوائم الإرهاب, ويقول: إن ملامح السياسة الأمريكية على مستوى المؤسسات تجاه العمل الإسلامي لم تتبلور بشكل كامل بعد, باستثناء الفكرة المحورية وهي فكرة الإسلام المعدل. لكن تنزيل هذه الفكرة على الواقع لا يزال في مرحلة التشكيل. وقد ظهرت بعض الوسائل خاصة في حقل محاصرة التعليم الديني لكن المواجهة الكاملة لم تبدأ بعد.
ويرى د. حامد عبد الماجد أن عملية المواجهة ستتضمن نوعا من تقسيم العمل بين الداخل والخارج حيث تتولى نظم حاكمة عربية أو إسلامية جزءا, في حين تحتفظ الولايات المتحدة والغرب بجزء آخر, والتدخل الذي سيتم بمعرفة تلك النظم الحاكمة محليا معروف وقد جرب بعضه من قبل في بعض الأقطار وتستخدم فيه عدة أدوات منها:
1- الأداة التشريعية وذلك بسن قوانين جديدة تخدم هذه الفكرة مثل قانون غسل الأموال لتجميد بعض الأرصدة المستهدفة لمجرد الاشتباه, وقانون المسطرة الجنائي (في المغرب) والذي يقنن لأول مرة عملية التنصت والتقاط المكالمات الهاتفية وتسجيلها، واتفاقيات لتبادل تسليم المجرمين.. إلخ, وعموما فإن البرلمانات –التي جاء أغلب أعضائها بالتزوير- جاهزة لتمرير أي تشريع.
2- الأداة الأمنية في الحصار والقمع.
3- الأداة الإعلامية وتستخدم في محاصرة العمل الإسلامي إعلاميا وتشويهه.
4- محاصرة التعليم الديني في المدارس والمعاهد والإعلام والمساجد, وما هو متوقع بالنسبة للأزهر في مصر يجد تطبيقا عمليا في دول أخرى مثل اليمن التي قررت حكومتها إلغاء المعاهد العلمية الدينية ودمجها في التعليم المدني بحجة توحيد العملية التعليمية (يوجد حوالي أربعمائة معهد من هذا النوع في اليمن), ونفس الشيء تقوم به باكستان حاليا –بالنسبة للمدارس الدينية- بتمويل أمريكي يبلغ مائة مليون دولار لإطلاق برنامج رقابة على تلك المدارس التي يقدر عددها بسبعة آلاف مدرسة تضم حوالي مليون طالب, وسيكون من أهداف ذلك البرنامج الذي تشرف عليه وزارتا الداخلية والشؤون الدينية الرقابة على منشورات المدارس ودور النشر التابعة لها, ويتضمن البرنامج تشكيل خلية خاصة من أجهزة الاستخبارات الباكستانية تدرب أشخاصا للتسلل إلى تلك المدارس ورصد كل ما يجري داخلها, كما يوجه جزء من التمويل الذي قدمته الولايات المتحدة لإدخال مواد دراسية جديدة في المدارس التي كانت تقتصر على تدريس العلوم الشرعية. والأمر ذاته حدث في تركيا قبل عدة سنوات.
الأمر لن يقتصر على التعليم الديني، بل يتجاوزه إلى التعليم المدني، وإلى وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية التي سيطلب منها إلغاء كل المواد التي يزعمون أنها تحض على كراهية الغرب بسبب ممارساته المجحفة مع الشعوب العربية والإسلامية، كما حدث في أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد نهاية السبعينات بين مصر والكيان الصهيوني حين ضغط الرئيس الأمريكي حينذاك جيمي كارتر ورئيس الوزراء الصهيوني مناحم بيجن على الحكومة المصرية لتعديل مناهج التعليم وإلغاء كل ما يحتوي على شبهة العداء لليهود, كما لن يقتصر الأمر على التعليم بشقيه الديني والمدني بل يتجاوزه إلى المساجد عبر ما يلقى فيها من خطب ودروس دينية بحيث تتجنب هذه الخطب والدروس ما يوصف بأنه إثارة للكراهية وعدم قبول الآخر, وأن تشيع بدورها ما يوصف بثقافة السلام, هذا من ناحية ومن ناحية أخرى – وكما هو مخطط لتقليص حجم المعاهد الأزهرية- فإن هناك توقعات بتقليص حجم المساجد. ويعتقد البعض أن قرارات مجلس الوزراء المصري التي صدرت أوائل ديسمبر 2001 ووضعت شروطا عشرة لبناء المساجد أهمها عدم بناء هذه المساجد أسفل العمارات السكنية –وهو الشكل الشائع في مصر- يعتقد البعض أن هذه الشروط هدفها الحد من بناء المساجد التي زاد عددها بحيث أصبح من الصعب على وزارة الأوقاف الإشراف والإنفاق عليها وتعيين أئمة لها، كما أصبح من الصعب على الأجهزة الأمنية مراقبة ما يدور في كثير منها.