جاءت إلى رشيد مجموعة من طلاب الجامعة الإسلامية بالجامعة، وأعددنا لهم رحلة نيلية بالاتوبيس النهري إلى مسجد (أبو مندور) وهو مكان سياحي رائع يقصده الزوار من كل مكان، وقبل أن يغادر الاتوبيس النهري الشاطئ، جاء بعض الطلاب ومعهم بعض الفتيات، وطلبوا أن يصحبوهم في الرحلة، ولكن شباب الجماعة الإسلامية رفضوا بإصرار، بحجة أن معهم فتيات متبرجات.. وعبثاً حاولوا إقناعهم بالذهاب معهم ولكن دون جدوى، فانتقلوا باتوبيس آخر وذهبوا إلى (أبو مندور) وتقابلوا هناك بعد أن لمزوا شباب الجماعة الإسلامية بالرجعية والأنانية والتعصب، وشاركهم في هذا الشعور عامة الناس الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه!!
ولما ذهب الإخوة إلى مسجد (أبو مندور) حان وقت الصلاة وأذن المؤذن وترقب المصلون أن يلبي هذا الشباب الملتحي نداء الله ويدخلوا للصلاة، ولكن أحداً منهم لم يأت إلى المسجد... والسبب طبعاً أن مسجد أبو مندور به (قبر) وهم يحرمون الصلاة في المساجد التي بها قبور، والناس بالطبع لا يوجد عندهم هذا الفقه ولم تسبق إلى أذهانهم مثل هذه الأحكام الفقهية بل ربما صح في حسهم من تمام بركة الصلاة أن تكون في مسجد به قبر ولي من أولياء الله الصالحين!! وكان لعدم مشاركتهم الناس في الصلاة أسوأ الأثر، ومجالاً للمناقشة والجدل. ولو كان هذا الشباب غير ملتح ما نقص عملهم هذا من شأنهم شيئاً، فإن كثيراً من الشباب يؤم هذا المكان وليس في ذهنه أن يصلي، كما ليس في ذهن الناس أن يستكروا ذلك عليهم!! وعاد الشباب من رحلتهم وجلست معهم في نادي مدينة رشيد جلسة بسيطة هادئة، وطرحت عليهم هذه القضايا بمنطق الحكمة التي عناها الله تعالى في قوله {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}. قلت إن الذين أنعم الله عليهم بالإيمان بهذا الإسلام يجب أن يفهموا، أن هذا الدين ليس وقفاً وحكراً عليهم، فبهذا يقفلون الباب وينطوون على أنفسهم كأن الإسلام جاء لهم وحدهم!!
إن هذا الإسلام دعوة للناس جميعاً والذين يدخلون هذا الدين يعتبرون أنفسهم من أول يوم دعاة.. بالفهم والسلوك والقدوة {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وصدق الله العظيم في وصف خير الدعاة بقوله {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} والداعية بالنسبة للمجتمع الجاهلي طبيب ومدرس ومرب. وغاية الداعية أن يجمع للإسلام أنصاراً وأجناداً حتى تتكون القاعدة الإسلامية الكبرى. فلا بد إذن أن نفقه قول الله تعالى {إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} فما بالكم بالذين جاءوا إليكم سعياً.. وليس فيهم تجبر أو طغيان أنها فرصة نادرة كان من اليقظة والفطنة استغلالها.
تصوروا لو أنكم قبلتم مشاركتهم في الرحلة.. ثم سمعوا منكم هذه الأناشيد الإسلامية المؤثرة وهذه الدعوات المأثورة الطاهرة وشاهدوا منكم هذه المعاملة الأخوية الباهرة وهذا الحب والتكافل فيما بينكم.. مع التلطف معهم بل وإكرامهم وحسن استقبالهم والتعرف عليهم وتوديعهم. إن هذا التصرف الحكيم لو تم لكان له أعظم الأثر في نفوسهم.. بل سوف يحملون لكم هذا الصنيع ويتحدثون به إلى غيرهم ولربما فتح الله على أحدهم فيكون معكم وهو ربح لو تعلمون عظيم! وإنهم رغم هذا الذي حدث منكم فقد ذهبوا إلى مسجد (أبو مندور) كما أرادوا، ولكنهم في هذه الحالة ناقمون عليكم وعلى دعوتكم، وبهذا التصرف منكم أصبحتم دعاة ضد الدعوة من حيث لا تشعرون!! وذكرت لهم قصة قد حدثت لي منذ أيام، إذ ذهبت إلى مصيف رشيد لزيارة بعض الإخوة، وفي طريق عودتي، رأيت رجلاً ومعه فتاة ينتظران على الطريق، فأوقفت السيارة إلى جوارهما ودعوتهما للركوب فاستجابا وعند محطة الوصول شكراني بامتنان وسرور وتعرفت بالرجل وتعرف بي – وكان لهذا التصرف أثره الطيب في نفسيهما وعاد على الدعوة بالكلمة الطيبة وهذه هي رسالة الداعية.