مقدمة
أيام من العمر... لا تنسى
نشأت مع باكورة الدعوة، في سن مبكرة، فغذيت من رحيقها، وتدرجت في خطواتها ومنهاجها.. وعشت مع إمام الدعوة ومرشدها على القرب فترات قليلة من الزمن، ولكنها عميقة الأثر، فلقد كنت حريصاً على تركيز انتباهي، مشدوداً إليه.. عشت معه على البعد في مشغلة نفسية بالدعوة والداعية، فتمكنت من أقطار نفسي وتغلغلت جذورها في وجداني ومشاعري.
ذلك أن حسن البنا في أخلاقه وتصرفاته وسلوكه كان دعوة.. ينجذب إليه الناس على اختلاف ثقافاتهم ونزعاتهم، فقد آمن – رضي الله عنه – بالإسلام دعوة وبالإنسان مادتها، فاستنهض أحاسيسه كلها، لتعمل في ميدان العقل والنفس والشعور.. فانبثقت في الناس ينابيع للخير كثيرة كانت مجهولة، وتفجرت طاقات للشباب كانت مبددة مقهورة، وأشعلها يقظة في الوجدان والمشاعر، وصحوة في القلب والوعي والشعور، فأدرك الإنسان بعد الغفلة والنسيان أنه شيء غير هذا البنيان، وأنه مذخور بكل ما تنشده الإنسانية من حق وخير وعدل، وأن الحياة إنما تقاس بعظمة المبدأ وشرف الغاية والنهاية فانطلق يسمو بنفسه والناس يبني ولا يهدم.. يجمع ولا يفرق.. يحب، بالحب الذي تتناجى به القلوب، وتتساقط به الذنوب.. الحب الذي جمع بين المهاجرين والأنصار على أعظم ما سجله التاريخ من آيات المجد والفخار.. الحب الذي ألف بين قلوب الأمة، فذابت به الطبقية والعنصرية، وتلاشت معه الأحقاد.. الحب الذي قيل عنه: "إذا عطس حسن البنا في القاهرة يقول له الأخ في أسوان: "يرحمك الله"، حب في الله، فلا إله إلا الله ولا زعيم إلا محمد رسول الله ولا دستور إلا القرآن".
تلك العقيدة: هي جامعة القلوب ومؤلفة الأرواح، ومنقذة البشرية من الضلال، لا فضل فيها لأحد، ولا نسب فيها لإنسان إلا نسب هذه العقيدة: {بل الله يمنُّ عليكم أن هداكم للإيمان} [الحجرات: 17].
عاش حسن البنا في قلوبنا، كأخ وأب.. يعود مريضنا، ويسأل عن غائبنا، ويعاون في حل مشاكلنا.. يؤلف بين قلوبنا برحلات تربط القريب بالبعيد، ويباعد بيننا وبين الخصومة، حتى لا تعوق سبيلنا إلى القلوب: {فإذا الذي بينك وبينه عداوةñ كأنه وليّñ حميم} [فصلت: 34].
استحوذت شخصية حسن البنا على نفوسنا وقلوبنا، لما وهبه الله من قدرة على الملاحظة المنتجة، التي لا تفلت من يده فيستغلها وينميها ويستفيد بها، فالدقائق من حياته لا تمضي بغير حركة وعمل، وأحاسيسه وعواطفه مستمرة في الإنتاج.. حتى كانت محصلة حياته المباركة، التي لم تتجاوز الثلاثة والأربعين من السنين فوق التصور والخيال.
لم يخرج حسن البنا على العالم بنظرية من اجتهاده، ولم يحاول أن يجرب لأمته على ضوء ما في العالم من نظم ومبادئ براقة.. فقد آمن إيمانا عميقاً لا شك فيه بالإسلام دعوة وحركة ونظاماً، وأنه التجربة الأخيرة في هذه الحياة الدنيا، والقول الفصل في محكمة التاريخ..
لهذا، فلن تجد في طريق الدعوة الطويل – بعد خمسين عاماً – تغييراً أو تبديلاً في المبادئ والأهداف والمناهج برغم الزلازل والبراكين التي تتعرض لها الدعوة في كل زمان ومكان، وهذا لأنها تستمد وجودها واستمرارها من نبع الإيمان الذي لا ينضب وعظمة وشمول الإسلام الذي لا يتغير.
· هذا الكتاب.. وطبعته الثانية
ولا يعتبر هذا الكتاب ترجمة لشخصية الإمام الشهيد حسن البنا بالمعنى الفني الذي تعارف عليه كُتاب التراجم، يستقصى جوانب تكوين هذه الشخصية النفسية والجهادية وآثارها العظيمة في الحياة الإسلامية المعاصرة.. إنما هو مجرد رؤية لبعض مواقف هذا الرائد العظيم، عشتها وتذوقتها وتفاعلت معها، فكان لها آثارها العميقة على مجرى حياتي، حيث انخرطت بها في قافلة الهداية والإنقاذ.. قافلة الإخوان المسلمون على طريق الإسلام الصحيح الذي سرت به بين الناس محققاً سر وجودي، ولله الفضل والمنة..
لهذا وجدت أن من حق جيل الحركة الإسلامية الجديد أن أضع بين يديه ما رأيت وما وعيت من مواقف مرشد الحركة ومؤسسها، فالحركة الإسلامية وأجيالها أولى بأن تتلمس سبل الدعوة والتربية بالموقف لتبرز من خلاله أفكارها ومبادئها وترابطها بواقع الناس وقضاياهم ومشكلاتهم في مختلف جوانب الحياة، كما أن جيل الحركة الإسلامية الجديد سيظل عاجزاً عن الإحساس بحقيقة انتمائه واربتاطه بجماعته إلا بعد تفاعله بمواقف مرشدهم الأول ومن كان معه واستيعابهم لها، وستظل أيضاً حركة هذا الجيل يعوزها النضج ما لم تستلهم تجارب الدعوة في أطوارها السابقة.
ولما كان موضوع هذا الكتاب في شأنه كالكائن الحي يولد صغيراً ثم يأخذ في النمو حتى يستوي على سوقه، فسيرى الأخ نمواً وزيادة في مكونات هذه الطبعة وما تحتويه من مواقف، كما سيرى اختلافاً في ترتيب المواقف عنه في الطبعة الأولى اقتضاه التسلسل التاريخي للأحداث.
والله أكبر ولله الحمد...
عباس السيسي
رشيد في رمضان سنة 1401 هِ
يوليو سنة 1981 م.
هذا الكتاب في طبعته الثالثة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فهذا كتابنا "حسن البنا.. مواقف في الدعوة والتربية" نقدمه للإخوة القراء في طبعته الثالثة، وسيرون تطوراً واكتمالاً في موضوعاته ومنهج عرضه.. وسبحان من له الكمال وحده..
ولا أملك إزاء ما أحدثت من تطوير وزيادة وتنقيح في هذه الطبعة إلا أن أعيد على الأسماع كلام العماد الأصفهاني رحمه الله:
(إني رأيت أنه لا يكتب إنسانñ كتاباً في يومه، إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيدَ هذا لكان يُستحسن، ولو قُدم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العöبَر.. وهو دليل على استيلاء النقص على كافة البشر).
فاللهم علمنا ما ينفعنا.. وانفعنا بما علمتنا.. ونجنا من كل سوء.. واحفظنا من كل شر.. وهب لنا من لدنك رحمة، وهب لنا من لدنك وليا، وهب لنا من لدنك نصيراً.. واجعل عملنا هذا لنا لا علينا.
عباس السيسي
رشيد في ربيع ثان 1408 هِ
ديسمبر 1987 م