المؤتمر الدوري الخامس
بعد مرور عشر سنوات على قيام جماعة الإخوان المسلمون، دعا الإخوان إلى المؤتمر الدوري الخامس الذي عقدوه بسراي آل لطف الله بالجزيرة 1357 هِ، وكنت يؤمئذ لا أزال طالباً بمدرسة محمد علي الصناعية بالإسكندرية، ولم يسعدني حظي بحضور هذا المؤتمر التاريخي حيث كانت الامتحانات على الأبواب.. ولكنني بلهفة وشوق ترقبت عودة من حضره من إخوان الإسكندرية لأسمع منهم أخبار هذا المؤتمر، فأعوض بهذا شيئاً مما فاتني..
وحين عادوا، التقينا بهم وتحدثوا إلينا عن مشاهداتهم والنشوة التي كانوا يشعرون بها من روعة هذا المؤتمر الجامع.
لقد كان المؤتمر ممثلاً لجميع الإخوان في مختلف أقاليم القطر المصري، فلم تتخلف شعبة واحدة عن إيفاد من يمثلها في هذا المؤتمر الجامع.. وبعد أن قامت فرق الجوالة باستعراض قوي في القاهرة هز النفوس وأحيا معاني الجهاد بشعاراتها القوية، تولت الإشراف بدقة على نظام المؤتمر..
وأشد ما أثر في نفوس الإخوان هو "الخطاب الجامع" الذي ألقاه فضيلة المرشد العام في المؤتمر، هذا الخطاب الذي يعتبر تطوراً جديداً، بل بعثاً جديداً لمفهوم دعوة الإخوان وكشفاً واضحاً صريحاً لمنهجهم ورسالتهم في العالم أجمع.
ومن الأساليب الإعلامية المبتكرة للإخوان في هذا المؤتمر – في ذلك الحين – هو قيامهم بإعداد خطاب فضيلة المرشد مطبوعاً قبل انعقاد المؤتمر على صفحات مجلة "النذير" التي كانت تنطق باسمهم، وقيامهم بتوزيعه على الحضور في المؤتمر بعد انتهاء الأستاذ من إلقائه.
وقد لفت نظري في دعوة الأستاذ المرشد إلى المؤتمر، أنه دعا (علي باشا إسلام) وهو شخصية كبيرة ومن المحبين للإخوان في مدينة بني سويف ليقوم بافتتاح هذا المؤتمر، فقد كانت الصحافة والرأي العام لا يهتمان إلا بالمؤتمرات التي يحضرها الأعيان والوجهاء، فكان لا بد أن يستعان بأحد هؤلاء الوجهاء المشهود لهم بالسمعة الطيبة وحسن الخلق ومحبة الناس له.. وهنا أدركت أن هذا من التدابير التي اتخذها فضيلة المرشد للدعاية لهذا المؤتمر الكبير، ومن ذلك اختياره سراي آل لطف الله بالجزيرة، وهي دار لها شهرتها لتكون مكانا للمؤتمر.
وبالفعل صدرت جريدة "الأهرام" في اليوم التالي وهي تنشر على إحدى صفحاتها أخبار هذا المؤتمر وصورة فوتوغرافية لعلي إسلام باشا وهو يفتتح المؤتمر ويخطب فيه وبهذا استطاع الرأي العام أن يتعرف على كل شيء يتعلق بأهداف جماعة الإخوان، ورحم الله إمامنا الشهيد الذي كان يعطي لكل موقف ما يناسبه من الرجال ويعرف لكل موقف ما يلائمه ليصل به إلى ما يحقق الدعوة في صبر وحلم وأناة.
وقد أصدر الإخوان رسالة "المؤتمر الخامس"، وهي خلاصة الخطاب الجامع الذي ألقاه الإمام الشهيد في هذا المؤتمر، إذا اطلعت عليها يا أخي يتضح لك أن هذا الخطاب كان حديثاً من القلب للأستاذ القائد إلى مندوبي شعب الجماعة في مختلف مناطق القطر، يقدم لهم فيه تقريراً عن جهاد عشرة أعوام، هي عمر الجماعة يومئذ.
اجتماع رؤساء المناطق والشعب ومراكز الجهاد
دعا المركز العام للإخوان المسلمون رؤساء المناطق والشعب ومراكز الجهاد في جميع أنحاء المملكة المصرية إلى الاجتماع في اليوم الثاني من عيد الفطر 2 من شوال 1364 هِ الموافق 8 من سبتمبر 1945 م للنظر في موقف الإخوان من الحقوق الوطنية في هذه الآونة.
وقد لبى الدعوة ألفان وخمسمائة عضو يمثلون فروع الهيئة ودام الاجتماع برئاسة فضيلة المرشد العام حوالي أربع ساعات، وتناول المجتمعون فيه بالبحث موقف الجماعة من الحقوق الوطنية، كما تناولوا موضوع القانون رقم 49 لسنة 1945 الذي أصدرته وزارة الشئون الاجتماعية الخاص بالجمعيات، وبعد مناقشات أصدروا القرارات الآتية:
يقرر المجتمعون باعتبارهم الجمعية العمومية للإخوان المسلمون التي تمثل مناطقهم وشعبهم في المملكة المصرية ما يأتي:
· أولاً: فيما يتعلق بموقف الإخوان المسلمون بمناسبة صدور القانون رقم 49 لسنة 1945 الخاص بتنظيم الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية:
إن جماعة الإخوان المسلمون هيئة إسلامية جامعة تعمل لتحقيق المقاصد والأغراض التي جاء بها الإسلام ومنها:
1- الغرض العلمي: وهو شرح دعوة القرآن الكريم شرحاً دقيقاً، وعرضها عرضاً يوافق روح العصر ويرد عنها الأباطيل والشبهات.
2- الغرض العملي: وهو جمع كلمة الأمة المصرية، والأمم الإسلامية عامة على هذه المبادئ حتى يتكون رأي إسلامي عام يعمل على نصرتها وتحقيقها:
3- الغرض الاقتصادي: وهو يرمي إلى تنمية الثروة القومية من زراعية وصناعية وتجارية، ويعمل على تحريرها وحمايتها.
4- الغرض الاجتماعي: وهو يحقق رفع مستوى المعيشة وكفالة التوازن الاجتماعي بين الأفراد والطبقات وضمان تكافؤ الفرص للجميع بمكافحة المرض والفقر والجهل والرذيلة وتشجيع أعمال البر.
5- الغرض الوطني القومي: وهو تحرير وادي النيل، والمساهمة في العمل على استقلال البلاد العربية والشعوب الإسلامية من كل سلطان أجنبي، واستنقاذ الأقليات الإسلامية في كل مكان ومساعدتها على الوصول إلى حقها وتأييد الوحدة العربية والسير إلى الجامعة الإسلامية.
6- الغرض العالمي: وهو المشاركة في بناء السلم العالمي على قواعد من الأخوة الإنسانية والعدالة الدولية، وتجلية مبادئ الإسلام العالمية التي تحقق هذه القواعد ليقوم النظام العالمي على أساس جديد من تآزر المادة والروح.
ووافق المجتمعون على التعديل المعروض للقانون العام وفقاً لهذه الأغراض.
· ثانياً: فيما يتعلق بموقف الهيئة من الحقوق الوطنية، فقد قرر المجتمعون ما يأتي:
1- من حق مصر أن تنال حقوقها الوطنية ومن واجب بريطانيا والأمم المتحدة أن تعترف لها بذلك، وفي مقدمة هذه الحقوق:
أ- جلاء القوات الأجنبية جميعاً عن أرض وادي النيل فوراً.
ب- حل مسألة السودان حلاً سريعاً على أساس أن مصر والسودان وطن واحد للسوداني ما للمصري من حقوق وعليه ما عليه من واجبات.
ت- قناة السويس أرض مصرية تقوم مصر وحدها بحراستها وحمايتها وتنظيم شئونها.
ث- رفع جميع القيود الاقتصادية والتجارية والمالية والنقدية التي قبلتها مصر مساهمة منها في المجهود الحربي. واستيفاء ديون الأرصدة الاسترلينية والديون الأخرى التي لمصر على انجلترا.
2- مطالبة الأمم المتحدة – تطبيقاً لميثاق الأطلنطي الذي أعلنته – أن تعترف بحق الوطن العربي والإسلامي في الحرية والاستقلال، واستنكار كل تصريح أو رأي يرمي إلى انتقاص حقوق هذه الأمم وتشجيع الاستعمار الظالم على التدخل في شئونها.
3- يرى المجتمعون أن من واجب الهيئات والأحزاب والجماعات أن تنتهز هذه الفرصة التي إن فاتت فلا تعوض، للعمل مجتمعين أو منفردين على هذه الأهداف بوسائل يتفق عليها. وعلى المركز العام للإخوان المسلمون أن يؤلف لجنة تذكرهم بواجبهم وتدعوهم إلى القيام به إبراء للذمة وإعذاراً إلى الله والناس.
4- على المركز العام للإخوان المسلمون أن يقوم بواجبه كاملاً في هذه الساعات الفاصلة بأن يعمل بكل الوسائل لتحقيق هذه الغايات ومن ذلك:
أ- إذاعة البيانات والنشرات.
ب- عقد المؤتمرات في عواصم المحافظات والمديريات والمدن الهامة.
ت- الدعوة لعقد مؤتمر عربي إسلامي في إحدى عواصم الأقطار العربية لتنسيق خطة العمل المشترك بين الشعوب العربية والإسلامية والبدء في ذلك منذ الآن بإرسال مندوبين من المركز العام للإخوان المسلمون للتفاهم على ذلك مع الهيئات الوطنية والإسلامية المختلفة في هذه البلاد.
ث- إرسال الوفود والبعثات إلى عواصم الدول الكبرى لبث الدعوة وتنوير الشعوب والحكومات في القضية الوطنية والإسلامية.
5- إن مصر والأمم العربية والإسلامية، وهي ترى من واجبها أن تساهم في الأمن العالمي وفي بناء الحضارة الجديدة على أساس العدالة والمساواة، لم تعد غافلة ولا لاهية عما يدور حولها من أحداث جسام واتفاقات ومؤتمرات تتناول مصالحها الجوهرية وحقوقها الطبيعية. وإن من حق أية دولة أن تمثل في أي اجتماع يتصل بهذه الحقوق والمصالح، فإذا لم تدرك الأمم الكبرى هذه الحقائق فإن المجتمعين – وهم الحريصون على استقرار الطمأنينة والسلام – يدركون أن الشعب المصري والشعوب العربية والإسلامية ستضطر اضطراراً إلى الوقوف من الدول المعتدية في الخارج والحكومات غير الوطنية التي تصادفها في الداخل موقفاً لا يعين على التعاون العالمي المنشود الذي هو أمنية الجميع.
6- بما أن العالم الآن تتقاذفه عدة تيارات فكرية ونفسانية، وبما أن الشعور العالمي قد تهيأ للرجوع إلى الهدوء الروحي، وبما أن كلمة الدول الكبرى قد اجتمعت على أن من حق كل أمة أن تضع نظامها الداخلي كما تريد، وبما أن الفكرة الإسلامية قد ظفرت بالتقدير الكامل في مؤتمر لاهاي 1938، وفي مؤتمر واشنطون 1942، وبما أنها في حقيقتها أكمل نظام اجتماعي للمسلم وغير المسلم عرفته الإنسانية، وبما أن الدستور المصري ينص في المادة 149 على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية" فإن من واجب الحكومة المصرية كائنة ما كانت أن تعمل على تحقيق ذلك عملياً وأن يكون من مظاهر ذلك:
أ- أن تعلن أنها حكومة إسلامية تلتزم أحكام الإسلام وتدعو إليه وتمثل فكرته دولياً.
ب- أن تحترم فرائضه وتقاليده رسمياً وتلزم بها موظفيها وعمالها المسلمين.
ت- أن تحرم المنكرات التي يحرمها الإسلام من الخمر وما يتصل بها والزنا وما يمهد له والربا وكل ما يمحق المال من قمار وكسب حرام.
ث- أن يستند التعليم على التربية الإسلامية ويحقق في نفوس المتعلمين فضائل الإسلام العليا ويثقفهم في أحكامه.
ج- أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأول للقانون.
ح- أن تصدر الحكومة عن هذا التوجيه الإسلامي في كل تصرفاتها العامة والخاصة.
7- يرفع المركز العام هذه القرارات إلى الجهات الرسمية وإلى ممثلي الدول العربية والإسلامية والأجنبية وتنشر في الصحف ويصدر بها عدد خاص من مجلة الإخوان المسلمون.
المؤتمر الشعبي الأول بالقاهرة
بعد أن عاد محمود فهمي النقراشي باشا بعد إلقاء خطابه بالجمعية العمومية للأمم المتحدة، قام الإخوان المسلمون بعمل مؤتمرات شعبية لتأييد المطالب الوطنية بجلاء القواب البريطانية عن أرض مصر. فقادوا المظاهرات وأعلنوا عن يوم الجلاء ويوم الحريق، فكانوا يجمعون كل الكتب والمجلات الإنجليزية ويحرقونها في الميادين العامة في عواصم المحافظات، كما قاموا بتوزيع آلاف من شارات الجلاء، وأنزلوا كل اللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية من المحال التجارية.
وكان المؤتمر الأول بمدينة القاهرة في أحد أيام عيد الأضحى المبارك، حيث اجتمع له أكثر من نصف مليون مواطن لم تتسع لهم دار الإخوان المسلمون، ففرشت الشوارع المحيطة بميدان الحلمية الجديدة بالحصير، وخطب في هذا المؤتمر الأستاذ السكري والأستاذ لويس فانوس عضو مجلس الشيوخ. وحين دعى الأستاذ المرشد لإلقاء كلمته قام من وسط الجماهير حيث كان يجلس معهم على الحصير.
وتحدث – رحمه الله – في هذا المؤتمر، فكان مما قال:
إننا نحن المصريين نطالب بجلاء القوات البريطانية عن الوطن العربي والإسلامي، وفي نفس الوقت لا نزال نتعامل معهم ونجاملهم، وليس هذا الأسلوب بمخرجهم من بلادنا. إننا في حاجة إلى شعور من البغض ينبع من قلوبنا، ومن فقه عقيدتنا.. إنه لا يمكن خروج الأعداء بالمعنى السياسي وحده ولا المصلحة وحدها، ولكن لا بد من عامل العقيدة أولاً، فلا بد من أن يدفعنا إلى ذلك شعور من البغض، وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟! ولهذا فأنا أقول لكم إذا سلم عليكم إنجليزي فاغسلوا أيديكم سبع مرات بالماء إحداهن بالتراب.
ثم قال: يجب أن يعلم كل مصري أن مصر تدين بريطانيا العظمى بحوالي 500 مليون جنيه استرليني، وعلى هذا يكون نصيب كل فرد عشرين جنيهاً، فيجب على كل مصري أن يطالب بحقه في هذا الدين.
ثم قال: ليعلم كل مصري أن بريطانيا قد خرجت من الحرب العالمية الثانية فقيرة ومدينة لجميع الدول وأصبح مثلها الآن في نظر الشعوب "كخيال المآتة" الذي يضعه المزارعون في وسط المزارع ليرهبوا به العصافير والطيور، أو مثل رجل غني أصابه الفقر وباع كل ما يملكه سوى بدلة "ريدنجوت" أبقى عليها وحدها ليلبسها في الحفلات الكبرى ليظن الناس حين يخرج بها أنه لا يزال بجاهه وغناه.
وختم الأستاذ المرشد – رحمه الله – خطابه فقال:
إننا يجب أن نرضع أطفالنا كراهية وبغض الإنجليز، وسنجعل من قنوتنا في الصلاة "اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين.. تقبل دعاءنا وأجب نداءنا وأنلنا حقنا ورد إلينا حريتنا. اللهم إن هؤلاء الظالمين قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم فرق جمعهم وفل حدهم وشتت شملهم واجعل بأسهم بينهم شديداً واهزمهم وانصرنا عليهم".
.. ثم قال في قوة وحماس: سوف نعلم أولادنا الحرية والوطنية كما نعلمهم السورة من القرآن.. {إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم}. كما نعلمهم اخرجوا من بلادنا مصر والسودان وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق وسائر بلاد المسلمين.
وضج المؤتمر بالهتافات التي دوت في كل الأرجاء، واختتم في ساعة متأخرة من الليل وبات آلاف الإخوان في القاهرة والأقاليم في الأرض الفضاء المعدة لبناء دار الطباعة والنشر الإسلامية المقابلة لمسجد قيسون بشارع محمد علي.
وفي أرض دار الطباعة والنشر أمام مسجد قيسون بشارع محمد علي وقف الأستاذ المرشد على منصته وظل الإخوان يسلمون عليه أفراداً إلى قبيل الفجر.. ولازلت أذكر وأنا أقف في الصف الطويل كي أسلم على فضيلته، قول أحد الإخوة وهو يسلم عليه: "هل تذكرني يا فضيلة المرشد؟" فنظر إليه ثم قال له: "نعم أذكرك، ألست فلانا الذي ألقى قصيدة في حفل طنطا مطلعها كذا". وكنت قبل أن يرد عليه الأستاذ في غاية الإشفاق في هذا الموقف الحرج، كما كنت غير مستسيغ لمثل هذا السؤال، فالأستاذ المرشد كثيراً ما يسلم على كل أخ باسمه، وأحيانا يستوقفه ليسأله عن بعض شأنه، والحديث يطول في الإحاطة بحدة ذاكرة الأستاذ المرشد التي ميزه الله بها.
ومن أجمل ما كان بعد انتهاء المؤتمر، هو تجول فضيلة المرشد بين الإخوان ولقاؤه بهم جماعات حتى أدركه الفجر فأدى صلاة الفجر بالإخوان في جامع قيسون ثم بدأت الوفود تنصرف.
المؤتمر الشعبي الثاني بالإسكندرية
وبعد انتهاء المؤتمر الشعبي الأول بالقاهرة دعا الإخوان المسلمون بالإسكندرية إلى عقد مؤتمر شعبي، وقاموا بالدعاية اللازمة، حتى احتشد أكثر من خمسة آلاف مواطن داخل المكان وهو المعد للحفل في نهاية شارع محرم بك (سينما لوتس الصيفي) كما حرص الإخوان في هذا المؤتمر على توفير كل وسائل الأمن والمحافظة على النظام. وسارت جوالة الإخوان بالإسكندرية لاستقبال فضيلة المرشد وصحبه حين حضورهم بالقطار في المحطة، وعندما وصل القطار تعالت الهتافات "بشراك يا مصر"، كما ردد الإخوان هتافهم "الله أكبر ولله الحمد" مدويا في كل الأرجاء، ونزل من القطار الوفد المرافق للأستاذ المرشد ليقول لنا: إن الأستاذ سيلتقي بكم في شعبة محرم بك.. وشعر الإخوان بشيء من الضيق، ولكن لم يسعهم إلا الانصراف بنفس النظام إلى الشعبة في مظاهرة إسلامية رائعة، والشرطة تراقب دون أي تدخل.
وبعد أن انصرف الإخوان من محطة السكة الحديد خرج الأستاذ المرشد من المحطة ذاتها في هدوء وركب عربة "حنطور" وسار في الطريق إلى شعبة محرم بك، ولم نلتفت لهذا الموقف إلا بعد أن وصلنا، حيث فهمنا من ذلك أن الأستاذ المرشد لم يرغب في هذه الصورة من الاستقبالات التي درجت عليها الطرق الصوفية والأحزاب السياسية التي تحيط الشيخ أو الزعيم بهالة من القداسة.
وفي المساء تحدث فضيلته في المؤتمر الذي كان من حضوره الأستاذ فؤاد سراج الدين سكرتير حزب الوفد وآخرون.. وكان من كلامه – رحمه الله – "إن الإسلام نظام شامل كامل، فإذا كان بعض المسلمين يجهلون شمول الإسلام، فإننا نعذرهم، إذا صح أن الجهل عذر".
ولازلت أذكر هذا المثل الدقيق، الذي صور به حقيقة الإسلام وحال الناس في نظرتهم إليه أجزاء وتفاريق، فكان يقول: إنني أمثل الإسلام كهرم كبير له أربعة أركان، إذا وقف أحد أمامه لا يرى إلا وجهاً واحداً وركناً واحداً، فيقول: إن الإسلام عبادة، ويقول الثاني الذي يقف أمام ركن آخر: إن الإسلام تصوف، ويقول الثالث الذي يقف أمام ركن آخر: إن الإسلام معاملة، ويقول الرابع الذي لا يرى إلا ما يقف أمامه: إن الإسلام سياسة، وكل منهم يتعصب لرؤيته الخاصة.. وهكذا تتعدد آراؤهم وتصوراتهم بحسب ما رأوا من أركان الإسلام، والحقيقة أن الإسلام هو كل هذا الذي رأوه مجتمعين، ولكنهم لن يدركوه كاملاً ولن يحيطوا به كله إلا إذا وقفوا على قمة الهرم، وساعتئذ تنكشف لهم حقيقة الإسلام المتكاملة مرة واحدة.
وبعد أن انتهى المؤتمر الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات متصلة ازدحم الناس ليسلموا على فضيلته، فأقبل عليهم بانشراح وبعد أن انتهى خرج إلى الباب فوجد الأستاذ فؤاد سراج الدين ينتظره بسيارته، فلما دعاه ليركب معه شكره واعتذر له حيث إن شعبة محرم بك على مقربة من المكان.
ولما وصل فضيلته إلى شعبة محرم بك وقف الإخوان من حوله يسلمون عليه، وقد لاحظت أن بعض الإخوة يعودون مرة أخرى للسلام، فطلبت من الإخوان أن ينصرفوا حتى يعطوا فضيلة المرشد فرصة للراحة، فانصرف الإخوان.
وحين ذهبنا إلى منزل المهندس محمد القراقصي للمبيت عنده طلبني الأستاذ وسألني في عتاب: لماذا أمرت الإخوان في شعبة محرم بك بالانصراف؟ فقلت: لأنني أشفقت على فضيلتكم من التعب والإرهاق، فقال: ومن قال إنني متعب. قلت: السفر طويل والمؤتمر استمر أكثر من ثلاث ساعات، ثم إن بعض الإخوة يسلمون عليك أكثر من مرة. فقال: وهل هذا تعب؟! قلت: نعم. قال: كنت أظن أنك قد فهمت، ولكن يبدو أنك لم تفهم، إن سعادتي لا تقدر حين أضع يدي في أيدي إخواني..إنها روح وحياة وسعادة تمسح التعب وتزيل الألم والإرهاق. فأطرقت خجلاً وبدأت أفهم بل أتذوق.
وحين جاء موعد تناول طعام العشاء، جلسنا على المائدة وكان فضيلته يقوم بنفسه يتوزيع الطعام علينا، ويرغبنا في الأصناف الموجودة، ويتناول معنا الأحاديث التي تدخل علينا السرور، ذلك أنه كان يتلطف معنا بصورة ترفع عنا الحرج والتكلف وتشعرنا بالحب والأخوة الصادقة، حتى يشعر كل واحد منا بأنه أقرب الإخوان إلى قلبه.
وفي صباح اليوم التالي غادر الإسكندرية في أمان الله إلى دمنهور حيث دعى لصلاة الجمعة في مسجد الزرقا.
لقاء مع مراسل أجنبي
جاء إلى المركز العام للإخوان المسلمون بالقاهرة كالعادة مراسل إحدى الصحف الكبرى في أمريكا وطلب مقابلة الأستاذ المرشد.
وفي المقابلة سأل الأستاذ البنا عن فكرة الإخوان المسلمون وغايتهم، ولما كان الأستاذ لا يجيد غير اللغة العربية، فقد تولى شباب الإخوان الترجمة، ولكن الأستاذ لاحظ أن انطباعات وجه المراسل تدل على أنه لا يفهم جيداً ما يقال له.. فقال الأستاذ المرشد للإخوة الذين يقومون بالترجمة:
قولوا له: هل قرأت شيئاً عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟.
قال المراسل: نعم قرأت.
قال الأستاذ: هل عرفت تاريخ الإسلام وكيف كان يحكم ثلث العالم بالعدل.
قال المراسل: قرأت ذلك وتعجبت.
قال الأستاذ: قولوا له، إن دعوة الإخوان المسلمون هي نفس الدعوة ونفس الغاية، ولكن بدون نبي ورسول، لأن الإسلام خاتم الأديان والنبي محمد خاتم الأنبياء.
فتبسم المراسل، ودعاه الأستاذ البنا لفنجان من الشاي وودعه حتى الباب.
المؤتمر الأول لطلاب الإخوان المسلمون
في شهر فبراير عام 1938 م أقام قسم الطلاب بالإخوان المسلمون مؤتمراً عاماً، واختاروا مقر المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين بالقاهرة مكاناً انعقد فيه هذا المؤتمر الحافل.
واتخذ الطلاب الترتيبات الكفيلة بأن يكون مؤتمرهم في مستوى جلال الدعوة التي ينتسبون إليها وأن يأتي بالثمار المرجوة منه بتوفيق الله. فأعلنوا عنه في الصحف والجرائد اليومية، وطبعوا بطاقات للدعوة إليه، ووجهوا الدعوة إلى الصحفيين والمصورين ورؤساء الجمعيات الإسلامية وأساتذة الجامعة والمهتمين بالقضايا الإسلامية للحضور.
وقد احتشدت قاعة جمعية الشبان العامة للمحاضرات بالآلاف من الطلاب والأساتذة. وكانت سكرتارية المؤتمر للأستاذ حامد شريت الذي افتتح المؤتمر بكلمة طيبة حول الدعوة، وتكلم الشيخ محمد نايل مندوب كلية اللغة العربية، كما ألقى الأستاذ محمد الجنيدي جمعه كلمة الإخوان بالأزهر ودار العلوم في موضوع "الإسلام والوطنية"، وألقى الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد كلمة طلبة الإخوان بالجامعة والمدارس الثانوية والفنية.. وبعد ذلك نهض الإمام الشهيد فألقى خطابه الجامع حول موضوع "الإسلام والسياسة" حيث وفقه الله في توضيح معنى السياسة واعتبر السياسة جزءاً لا يتجزأ من الإسلام، وأعلن موقف الإسلام من الحزبية السياسية فقال: (لقد لقد آن الأوان أن ترتفع الأصوات بالقضاء على نظام الحزبية في مصر وأن يستبدل به نظام تجتمع به الكلمة وتتوحد به جهود الأمة حول منهاج قومي إسلامي صالح..)، وفي شمول الإسلام قال: (أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة: إن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدون به وأن الإسلام: عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شئون أمته ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.. وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون وله كانوا يجاهدون وعلى قواعده كانوا يتعاملون وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شئون الحياة الدنيا العملية قبل شئون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله.
ومضى فضيلته يقول: بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل ولمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً بعيد النظر في شئون أمته مهتماً بها غيوراً عليها، وأستطيع كذلك أن أقول إن هذا التحديد والتجريد أمر لا يقره الإسلام وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشئون أمتها السياسية وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام..).
واسترسل فضيلته يبين كيف ينظم الإسلام أمر الحكومة ووظائفها، وكيف عرض الإسلام للقوانين الدستورية والمدنية الجنائية بفروعها المختلفة، وكيف قرر الإسلام سلطة الأمة، وكيف أرسى قواعد السياسة الخارجية والعلاقة بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم وتوجيه الدول كلها إلى السلام العالمي وهو ما يسمونه (القانون الدولي)، وكيف كفل الإسلام حقوق غير المسلمين ما دامت لا تضر بهم سواء كانت حقوقاً دولية أم كانت حقوقاً وطنية للأقليات غير المسلمة.. كما تكلم رحمه الله في سعة التشريع الإسلامي وكيف أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معنى رجعي أبداً بل هي على أدق قواعد التشريع الصالح، وأكدت ذلك مؤتمرات التشريع الدولية.
وانتهى هذا المؤتمر ونجح نجاحاً عظيماً في عرض مبادئ الدعوة، وقد نشرت جريدة "الأهرام" صفحة كاملة حول هذا المؤتمر وعرضت بعض الصور الفوتوغرافية لما كان يحويه من مستمعين وخصت كلمات الخطباء والمتحدثين.
وقد كانت جماعة الإخوان المسلمون قبل هذا المؤتمر تقبل المنتسبين إلى الأحزاب السياسية أعضاء بها، ولكن بعد هذا المؤتمر اشتطرت تجرد المشترك من أي حزب باعتبار أن الإسلام لا يقبل الشركة وقد تضمنت أركان البيعة العشرة ذلك.