في أحد أيام عام 1937..
استقبلنا حسن البنا على محطة السكة الحديد بالإسكندرية قبيل المغرب، حيث كان على موعد ليلقي كلمة في مناسبة ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد نبي الله دانيال، وكنا في هذا الوقت قلة من الشباب، فلما دخلنا المسجد وقف جمهور المصلين في دهشة وغرابة، ذلك أنهم لم يعتادوا أن يروا شباباً يدخل المساجد، فهم جميعاً من المعمرين الذين تجاوزت أعمارهم الستين عاماً.
وأذكر أن فضيلة المرشد تكلم في هذا اليوم، فقال:
(إن مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بنزول القرآن الكريم، فلولا هذا الكتاب ما عرف المسلمون شخصية الرسول العظيم، لهذا كان لزاماً علينا أن نتعرف على هذا الكتاب الكريم)..
وقال: (إن مثل كتاب الله كمثل ساعة، بعض الناس يتركونها، وبعضهم يلعبون بها ولا يعرفون قيمتها، وبعضهم يستفيدون بأجر إصلاحها، وآخرون هم الذين يستعملونها في الغرض الذي صنعت من أجله.. وهكذا كتاب الله تعالى، بعض الناس يعلقونه على الأبواب، وبعضهم يضعه تحت وسادته عند النوم وهؤلاء كالأطفال، وآخرون يقرأونه في الحفلات أو على المقابر، وهؤلاء هم الذي يتقاضون أجراً عليه، وقليل من الناس يتعامل مع القرآن فيشرحه ويعلمه ويلتزم بتعاليمه، وهؤلاء هم الذين يضبطون به حياتهم ويجاهدون به في سبيل إقامة الدولة المسلمة.. فنحن نعمل جاهدين، لكي يصبح القرآن دستورنا..
لا دستور لنا إلا القرآن.. فلم ينزل القرآن من علياء السماء على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون تميمة يحتجب بها، أو أوراداً تقرأ على المقابر وفي المآتم، أو ليكتب في السطور ويحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقاً ويهمل أخلاقاً، أو ليحفظ كلاماً ويهجر أحكاماً.. وإنما نزل ليهدي البشرية إلى السعادة والخير {قد جاءكم من الله نورñ وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 15-16].
أليس من العيب أيها المسلمون أن ترضوا بأحكام الإفرنج ولا ترضوا بحكم الله، مع أن الله تعالى قد وصم كل أمة لا تحكم بأحكام كتابه بالفسق فقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]، بل جعل الفسق هينا فوصمها بالظلم {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45].
إن مثلكم أيها المسلمون عندما تركتم كتاب الله وراءكم، كمثل الرجل الذي بيده المصباح، فيأبى إلا أن يطفئه، ويلتمس غيره عند العميان..
وإن مثل موقف المسلمين اليوم من كتاب الله، كمثل جماعة أحاط بهم ظلام من كل جانب، فساروا على غير هدى يخبطون خبط عشواء مع أن في أيديهم مفتاح كهرباء لو وصلت إليه أصابعهم، يستطيعون بحركة بسيطة أن يضيئوا مصباحاً قوياً زاهراً.. هذا مثل المسلمين اليوم من كتاب الله..
وإن العالم الآن، قد غشيته موجة مادية، فجعلته كسفينة حار ربانها وأتت عليها العواصف من كل جانب، فالإنسانية قلقة معذبة، قد اكتوت بنيران المطامع والأغراض، فهي في حاجة إلى عذب من هدى القرآن يغسل عنها أوضار الشقاء ويأخذ بها إلى السعادة.
وإن علماء القانون عندما تركوا القرآن، واتجهوا إلى غيره، مثلهم كمثل الرجل الذي تكسدت خزائنه بالأموال، ثم يتجه إلى المرابين يقترض منهم بأفحش الفوائد الربوية، ولا يفعل ذلك عاقل أبداً.
ويحي على ساسة القانون ويحهم على جهود أضاعوها وما وجدوا
وبين أيديهم القرآن يوردهم أسمى المناهج والأحكام لو وردوا
أيها المسلمون:
ليس من العجب أن هؤلاء الغربيين، الذين لم يفتح الله بصائرهم على نور القرآن الكريم يسيرون على غير هدى، لأن الله يقول: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} [النور: 40]، ولكن العجب في هؤلاء المسلمين، الذين لا يخلو جيب من جيوبهم ولا بيت من بيوتهم من نسخة من كتاب الله تعالى.. هؤلاء المسلمون، استطاع الغربيون أن يبعدوهم عن نور قرآنهم وهدى نبيهم تارة بالشهوات وطورا بالقوة والعلم {يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم: 07]، حتى أصبح المسلمون كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه.. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله. قال: فمن غيرهم؟!".
هذا مع أن الله تعالى حذر المسلمين من ذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} [آل عمران: 149-150].. عجباً، عجباً!!
إن دعا الغرب للفوضى استجيب له وتنزووا إن دعا القرآن والرشد
يا لهف نفسي على القرآن قد غدا يودي بأحكامه أبناؤه العقد
العالم العربي اليوم في محن تشقيه فوضى عليها الغرب يعتمد
هذا هو القرآن الكريم الذي اتخذناه نحن الإخوان المسلمون قانونا لنا ودستوراً نستمد منه نوراً ونستلهم رشداً، فهو المنقذ حين تتري الخطوب والمحن، وهوالمخرج من ربقة الذل وضلال الفتن، وهو الصالح لكل جيل في أي عهد أو زمن.
- لا يأس:
وبعد انتهاء الحفل خرجنا مع حسن البنا وركبنا (حنطورا)، وأخذنا نجوب حفلات مولد الرسول الكريم المنتشرة في المدينة كالعادة في مثل هذه الأيام من كل عام. وكنا نستأذن أولا م القائمين على الحفل ليشارك الأستاذ البنا بكلمة في الذكرى العطرة. وكثيراً ما كان الصخب يسود هذه الأحفال، ذلك أن عامة الشعب في مثل هذه الأحفال لا يعطي للذكرى جلالها ولا للمتحدث الجو المناسب، ولكن لم يكن حال الناس وما اعتادوا عليه من فوضى يوهن من عزائمنا أو يسبب لنا يأساً أو تراجعاً.