تحت هذا العنوان تكلم الأستاذ البنا في المؤتمر الخامس، فقال:
يتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمون أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟.. وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟..
ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني انتهز هذه الفرصة فأكشف اللئام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء. فليسمع من يشاء.
· أما القوة:
فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه ويناجي به ربَّه "اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجر والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال" ألا ترى في هذه الأدعية أن قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف.. ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف المال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قوياً في كل شيء شعاره القوة في كل شيء؟ فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة.
ولكن الإخوان المسلمون أعمق فكراً وأبعد نظراً من أن يستهويهم سطحية الأعمال والفكر فلا يغوصوا إلى أعماقها ولا يزنوا نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة: قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك: قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما: قوة الساعد والسلاح. ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فيكون مصيرها الفناء والهلاك.
هذه نظرة، ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام – والقوة شعاره – باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدد لذلك حدوداً واشترط شروطاً ووجه القوة توجيها محدوداً؟
ونظرة ثالثة – هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء بالكيّ؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟ أو من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟
هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوب استخدام القوة قبل أن يقدموا عليه..
· والثورة.. أعنف مظاهر القوة، فنظر الإخوان المسلمون إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر جرّب حظه في الثورات فلم يجن من ورائها إلا ما تعلمون.
وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا، وينتظرون بعد ذلك ثم يُقدكون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.
وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمون ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح. وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيراً من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال.