الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

حسن البنا ورجال الفكر والثقافة

رسالة إلى الدكتور طه حسين - الإمام البنا يكشف خداع المذاهب المادية في الإصلاح

·  رسالة إلى الدكتور طه حسين

كان أتباع الدكتور طه حسين من طلاب كلية الآداب في الجامعة المصرية قد أرادوا تكريمه فأقاموا له حفلاً، أعلن فيه سعادة الدكتور بأنه نصير الإسلام، وقال: إنني أتمنى أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه كما أدافع عنه، وأن ينشره ويحببه للناس كما أنشره أنا وكما أحبب مبادئه للناس.

فكتب له فضيلة المرشد قائلا:

إذا صح ذلك يا دكتور فقد اتفقنا كل الاتفاق، واعتبرنا أيها الداعية المسلم من جندك منذ الساعة، فإنا للإسلام نعيش، وله نحيا وفي سبيل الدعوة إليه نموت شهداء.

صدقني يا دكتور طه من غير أن أقسم لك وإن شئت فأنا أقسم على هذا، أنني لأتمنى من كل قلبي مخلصاً أن أرى ذلك اليوم الذي تدعو فيه أنت للإسلام وتنشره بين الناس وتحبب تعاليمه إليهم.

فإنك رجل جريء، لك قلم ولك لسان ولك تلامذة معجبون وأصدقاء مخلصون، وفيك دأب ونشاط وإنتاج خصيب، وما نحسدك على هذا ولكنا نتمنى أن يكون ذلك في ميزان الإسلام لا عليه وفي كفة الخصومة له وتوهين أمره بطريق غير مباشر، فهل يجيء حقاً ذلك اليوم؟! أسألك يا دكتور مخلصاً لا متحدياً لأتعنت.

إن لك تلامذة قد اختصصت بهم واختصوا بك، فأيهم ظهر أثر دعوتك فيه، فكان لسانا إسلاميا، أو قلما إسلاميا، أو صفحة من صفحات الفكرة الإسلامية، أو مظهراً من مظاهر التمسك بالإسلام؟!

وإنك قد ساهمت في خدمة كثير من القضايا الاجتماعية، وحضرت كثيراً من الأحفال والمؤتمرات في داخل القطر وخارجه، ففي أي من هذه جميعاً نطقت باسم الإسلام أو دعوت إلى تعاليمه؟!

وأنت يا دكتور أستاذ في الجامعة المصرية منذ أنشئت، فأنشدك الحق: هل تذكر أنك عرضت في دروسك ومحاضراتك لطلبتك ما يلفت أنظارهم إلى جلال هذا الدين وروعته ومتانة تشريعه! هذا والمادة التي اختصصت بتدريسها ألصق مواد الدراسة بالإسلام وكتاب الإسلام؟!

ولا أحرجك فأقول، وأنشدك الحق يا دكتور: أفتحيا أنت في حياتك اليومية على نمط إسلامي وتطبع أسرتك كرب بيت بهذا الطابع، ودع البيت وما فيه، أفتقوم أنت في حياتك الشخصية بواجبات الرجل المسلم، فضلا عن الداعية الذي يتمنى أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه مثلك؟!

ولا أحرجك بهذا السؤال الأخير، ولا أطالبك بجوابه، فأنتم معشر العصريين تفرقون بين الحياة الشخصية والحياة العامة، كأن واجبات الفضيلة وتعاليم الإسلام لا تتناولهما جميعاً، وكأن الحياة العامة للفرد ليست مرتبطة بحياته الخاصة كل الارتباط؟!

وبعد يا دكتور طه: فهل من الدعوة للإسلام أن تعرض للنظر في القرآن بالأسلوب الذي اخترته لنفسك من قبل – ولعلك عدلت عنه من بعد وهو ما أسر له – حتى مع تسليم الدعوى بأن البحث علمي بحت!!

وهل من الدعوة للإسلام أن تقف وقفتك المعروفة في شأن الكتابين الإنجليزيين، وما كان عليك ولا على الجامعة ولا من حرية الفكر من بأس أن تستجيب لأبناء مؤمنين من تلاميذك رأوا في هذا الكلام طعنا في مقدساتهم، فلجأوا إليك بالطريق القانوني في هدوء وأدب، أو ما كان أولى بالداعية إلى الإسلام أن يشجع هذه الغيرة ويسر لها ويعطف كل العطف على القائمين بها؟!

وهل من الدعوة إلى الإسلام أن تنادي في صراحة لا تعدلها صراحة: أنه لا سبيل لنا إلى الرقي إلا إذا قلدنا وسلكنا مسلك الأوروبيين، لنكون لهم شركاء في حضارتهم خيرها وشرها، حلوها ومرها، نافعها وضارها، ما يحب منها وما يكره، وما يمدح منها وما يعاب، ومن زعم لك غير ذلك فهو خادع أو مخدوع!!

ولعلك تقول كما تقول: إنما أريد الدعوة إلى العلم وإلى القوة وإلى الخلق وإلى النظام، وهذا حسن جميل، ولكن أفترى أن الإسلام لم يسلك المسلمين السبيل إليه قبل أن تخرج أوروبا من ظلمات جهلها بمئات السنين؟ فلم تدعونا إلى العلم والقوة والخلق والنظام باسم أوروبا الناشئة المتخبطة، ولا تدعونا إلى ذلك باسم الإسلام الثابت الدعائم الراسخ الأركان؟!

وهل من الدعوة إلى الإسلام أن تخلط يا دكتور بين الفتيان والفتيات هذا الخلط في كلية الآداب، فتحذو حذوها غيرها من الكليات، وتبوء أنت بإثم ذلك كله؟!

وتزين للفتيات في صراحة هذا الاختلاط، وتحثهن عليه، وتدعوهن إليه! ولا تقل إن هذا من عمل غيرك.. وما تحمس لهذا ودعا إليه وحمل لواءه واستخدم نفوذه في تحقيقه أحد كما فعلت ذلك أنت!!

ولعلك تعتبر هذا من مآثرك ومفاخرك، ولكني أخالفك يا دكتور، وأصارحك بأن هذا الاختلاط ليس من الإسلام، وقد رأينا وسنرى ما سيكون له من آثار!!

هذه صحيفتك يا دكتور طه في الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه، فهل لا تزال بعد هذا الحساب اليسير غير العسير الذي لا مناقشة فيه ولا قسوة ولا عدوان، مصراً على أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه كما تدافع عنه، ومن ينشره ويحبب تعاليمه إلى الناس كما تفعل؟!

على أننا على استعداد لأن ننسى الماضي جميعه، ونأخذ في جديد مثمر منتج على الأساس الذي وضعته أنت وارتضيناه نحن: أن تثبت في نفوسنا مكانة الإسلام، وأن تدافع عنه، وأن تنشر تعاليمه، وأن تحببه للناس. وعلى أن يكون هذا الإسلام هو كتاب الله كما تفسره اللغة العربية الواضحة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة كما فهمها السلف الصالحون رضوان الله عليهم.

فهل يضع الدكتور طه يده في يدنا على هذا الأساس، ثم نعاهد الله جميعاً على أن نكون أمناء له مخلصين له مجاهدين في سبيله؟!

وكلمة أخيرة يا دكتور: لقد قلت – وهو قول حق -: إن حياتنا موقوته، وكل ما فيها موقوت، وإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يسترد المنحة التي منحها لنا وهي الحياة في أي لحظة، وهو قادر على أن يسترد ما يمنحنا أثناء الحياة.

ما أجمل هذا الإيمان!! أذكرك هذه الكلمات، وأذكرك أنك الآن رجل قد جاوزت سن الآمال الخلّب وصرت إلى الآخرة أقرب، وأسأل الله أن يطيل حياتك خادماً مخلصاً للإسلام، وإن هذا الشعب شعب كريم طيب القلب سرعان ما تنسيه الحسنة الواحدة كثيراً من السيئات.

وإن الله تبارك وتعالى واسع المغفرة عظيم الفضل عفو كريم، فلا عليك يا دكتور إلا أن تختم المطاف بتوبة صادقة نصوح، وأن تتجرد للإسلام ولخدمة الإسلام ولنشر الإسلام ولتحبب تعاليمه بحق إلى الناس، فتفوز بخير الدنيا وسعادة الآخرة. ذلك ما نرجوه منك ولك، وقلوب الناس بيد الله يصرفها كيف يشاء، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام.

والسلام عليكم ورحمة الله.

ذلك هو موقف حسن البنا في مواجهة أهل الفكر: حكمة عالية، وسماحة خلق، مع بيان كل شيء حتى لا ينخدع الناس في كلام مزيف براق[1].

·  كتاب "مستقبل الثقافة في مصر"

من وجهة النظر الإسلامية

حضر حسن البنا جلسة البرلمان الخاصة بمناقشة الاستجواب الخاص بالدكتور طه حسين مراقب الثقافة العامة في وزارة المعارف..

وخارج البرلمان ناقش فضيلته الموقف من وجهة النظر الإسلامية:

(تردد في القاعة ما ذهب إليه الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة[2] تصريحا أو تلميحاً من أن الدين شيء والسياسة شيء آخر.

ومن أن الدين شيء والقومية شيء غيره.

ومن أن الدين شيء والعلم شيء سواه.

وأن وحدة الدين واللغة لا تصلحان أساساً لتكوين الدول.

وإن هذا التفريق بين الدين وبين السياسة والقومية والعلم أصل من أصول الحياة الحديثة التي نقلناها عن أوروبا.

فأما أن هذا التفريق والفصل أصل من أصول الحياة الحديثة في أوروبا فأمر لا نخالف الدكتور فيه، ولا ندعي غيره، تستطيع أن تقول أن أوروبا استفادت من هذا التفريق والفصل أجزل الفوائد، ولعلها ما كانت تستطيع النهوض بغير هذا. وأما أننا نقلنا بعض هذه الأفكار من أوروبا وتأثرنا بها إلى حد كبير أو صغير وجرت عليها سياستنا العلمية في كثير من مظاهر حياتنا، فأمر لا نخالف فيه كذلك، وسببه واضح بين: هو أننا أسلمنا قيادنا أو أسلمتنا الحوادث بعبارة أدق إلى ساسة أوربيين ومعلمين أوروبيين ومشرعين أوروبيين. فصاغونا كما يريدون وكما يعلمون، واصطبغت سياستنا العلمية في معظم شئوننا بهذه الصبغة الأوروبية.

فنحن لا نخالف الدكتور طه ولا غيره في أن حياتنا العلمية في كثير من مظاهرها العامة والخاصة قد انحرفت إلى معنى أوروبي بفعل الحوادث المتعاقبة طوال هذه السنين الطويلة.

وهذا الانحراف نفسه الذي يتخذه الدكتور ومن نحا نحوه حجة على وجوب رضانا بأوروبا والاندفاع في تقليدها فيما بقي لنا من مظاهر الحياة، هو نفسه الذي يدفعنا نحن إلى تحذير الأمة من التقليد، وإلى وجوب رجوعها إلى تعاليم الإسلام وعرض هذه الحضارة الأوروبية عليها، فما وافقها قبلناه وما خالفها رفضناه، ونحن لم نجن بعد من هذا التقليد الخاطئ إلا الصاب والعلقم واضطراب الحياة في كل ناحية من نواحيها.

ولكن الذي نخالف فيه الدكتور طه وغيره ممن يؤمن بفكرته هذه، ادعاء أن هذا التفريق بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية وبين الدين والعلم نافع لنا، متفق مع تعاليم ديننا.

هذه دعوة ينقضها الدليل النظري والدليل التاريخي، وتتنافى تماما مع مصلحتنا ومع مقومات نهضتنا.

والذي يريد أن يجرد الإسلام من معناه السياسي ومن معناه القومي ومن معناه الثقافي يريد بمعنى آخر ألا يكون هناك شيء اسمه "الإسلام" تؤمن به هذه الأمة، وهوعند نفسه وعند الناس يخدع هذه الأمة ويخاتلها، ويعدل بها عن الإسلام الحق إلى إسلام من عند نفسه، لا يمت إلى الإسلام الصحيح بسبب إنما هو في الحقيقة مسيحية سماها هو الإسلام.

إن أوروبا حينما فصلت بين الدين والسياسة وبين الدين والقومية وبين الدين والعلم، كانت مدفوعة إلى ذلك بعوامل قهرية ضرورية.

فالدين الذي كان يسودها وتؤمن به شعوبها خال تماماً من التشريعات العملية والمعاني السياسية، وهو وصايا روحية محدودة في الكتب المقدسة، وطقوس كهنوتية بين جدران الهياكل والمعابد.. والرجال الذين كانوا يمثلون هذا الدين كانوا شجاً في حلق الدولة والعلماء بما لهم من سلطان مطلق أكسبتهم إياه هذه التعاليم.

وتاريخ أوروبا القديم والوسيط سلسلة نزاع بين الأمراء والباباوات من جهة وبين العلماء والكنيسة من جهة أخرى، بل تعدى الأمر في هذا النضال إلى الشعوب نفسها، فكان النضال كثيراً ما يكون بين الشعب بأسره وبين الكنيسة.

هذه الأمور الثلاثة: طبيعة الدين الأوروبي، وهيمنة رجاله على الدولة والعلم، والنضال الطويل بين نواحي الجهات الأوروبية المختلفة، كل ذلك دعا أوروبا إلأى أن تفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم، فهل هذه المعاني تنطبق على الإسلام؟

أحب أن يفكر السادة الباحثون في الجواب عن السؤال بإنصاف، وهم سيقولون بعد ذلك بملء الفم: لا ثم لا.

إن طبيعة الإسلام ليست طبيعة روحية بحتة، فهو دين روحي وعملي معاً، وهو لم يحصر نفسه في حدود المساجد والمعابد، ولم يحفل بالطقوس والمظاهر، وإن الدين الذي يقول لبنيه: (ابنوا مساجدكم حما) أي غير مزينة ولا مزخرفة ولا مبالغ في بنائها ورفعها (وابنوا مدائنكم مشرفة) أي محصنة مسورة، مجهزة بأدوات الدفاع وما إليها، إن الدين الذي يجعل هذا من شعاره لعظيم العناية بشئون الدنيا ومصالح الناس، كما يعني تماما بصلاح الروح والآخرة.

وشعار الإسلام: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} [القصص: 77].

الدولة والعلم من أعظم أركان الإسلام وأثبت قواعده وشعائره، فأين هذا من بعد الدين الأوروبي عن مظاهر الحياة العامة، وإن رجال الإسلام في كل عصر من عصوره إلى الآن لم يدَّعوا لأنفسهم سلطة أكبر مما يؤهلهم لها علمهم بهذا الدين وصلتهم به، ولم ينازعوا الأمر أهله بعضا من الأيام، ولم يعرف عنهم إلا إنكار المنكر حين يشيع وتشجيع المعروف حين يظهر والوقوف عند حدود الله.

وإذا كان شعار الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد} [الكهف: 110]، {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله} [الأعراف: 188]، {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً} [الجن: 22] فأين هذا من سلطان الإكليروس في أوروبا وما ادعوه لأنفسهم من سلطان على قلوب الناس وإيمان الناس وحياة الناس الدنيوية والأخروية!!

وتبعاً لهذا كان تاريخ الإسلام مع الدولة ومع العلم صفحات مجيدة من التعاون والتآزر والسلام، فكيف يقال بعد ذلك إن هذا الأصل الذي سارت عليه أوروبا في فصل سياستها وعلومها وقومياتها عن الدين يجب أن يطبق عندنا، ويجب أن نتلقاه على أصل صالح لنا.

نريد أن نتفق على أصل صالح للنهوض، ونريد أن نحدد الهدف معاً، حتى لا نختلف ولا نضل، ونريد أن نتبع الهدى الواضح والنور اللائح حتى لا نفشل ونقاسي من الآلام، ولا ينفعنا في ذلك إلا العود إلى هدى الإسلام.

إن كنتم آمنتم بهذه الأصول في حياة أوروبا على أنها حقائق لا تقبل النقض، فاعلموا أنها لا تتفق مع الإسلام، وأنكم بذلك تصطدمون بإسلامكم، فكونوا شجعانا وكونوا صرحاء في إعلان الخروج على الإسلام حتى لا تخدعوا أنفسكم وتخدعوا الناس، وإن كنتم آمنتم بالإسلام على أنه حق ثابت فنحن نرضى أن نتحاكم جميعا إليه، وحينئذ سنلتقي ونتفق وستعلمون أن الدولة وأن العلم من أركان الإسلام.

·  والتغير في الجامعة

كانت ظاهرة تحول الجامعة وكلية الآداب بالذات إلى الإسلام من العلامات الخطيرة والبعيدة المدى في تاريخ هذه الكليات، وأثر الدكتور طه حسين وأتباعه في تحريرها من كل مظاهر الدين وجرأتهم على كتاب الله وعلى الفكر الإسلامي لا يجهله أحد.

ولذلك فسرعان ما برز طابع الإسلام وأخذ يهاجم كل انحراف يراه، وكان ذلك واضحاً في معارضة كتاب "برناردشو" الذي يصور أتباع النبي بأنهم حمقى وبلهاء، وهنا كانت صيحة الشباب المسلم غضبا لاستقلال الجامعة وحريتها، ودعوتهم إلى تحرير كلية الآداب من الاستعمار الفكري والعلم الحرام، وتنكيس هذا العلم الذي ارتفع منذ عهد "دنلوب".

واقتحم طلبة كلية الآداب مكتب عميد كلية الآداب وأغلظوا له القول وأهانوه حين صمم على بقاء الكتاب وعلى أنهم لا حق لهم في المعارضة، وذهب طلبة الأزهر إلى شيخ الأزهر يحتجون، واضطر طه حسين إلى أن يهرب وأن يقدم استقالته. وكانت هذه الظاهرة بعيدة المدى عام 1939 بعد أن جال طه حسين وصال منذ عام 1936 في الشعر الجاهلي واتهام عصر الإسلام الزاهر بأنه عصر فسق ومجون.

وكتب الأستاذ البنا رحمه الله معلقاً على الأحداث:

(هناك ملاحظة عامة هي جهل طلبتنا بالدين وبعدهم عن روح التمسك بالدين، وخلو المدارس من هذه الناحية وخلو الجامعة هي الأخرى منها.

وعلمنا وعلم الناس أن كتبا تتحامل على الإسلام تدرس على أنها كتب مسلمة، يتلقاها أبناؤنا على أنها مقررات رسمية قدمها لهم أساتذتهم ليعلموا ما فيها ويؤمنوا بها، لا على أنها كتب فيها ما يتنافى مع عقائدنا، ونحن ندرسه لنرده ولنعلم ما يقول عنا غيرنا من الناس.

فهل يستطيع قائل أن يقول إن مدرس الأدب الإنجليزي حين يدرس للطلبة المحادثات الإنجليزية أو المسرحية "جان دارك" أوقفهم على ما فيها مما يتنافى مع عقائدهم الإسلامية؟! ومع ذلك فهل إباحة التفكير وحريتها تبيح لكل أحد أن يتعاطى مالا يدرك ومالا شأن له به!!)..1هِ.

وكان الأستاذ البنا يتابع التغيرات في الجامعة، ويراسل عمداء الكليات ويبين لهم الطريق، من ذلك ما كتبه للأستاذ أحمد أمين[3] عندما تولى عمادة كلية الآداب:

(أما وقد أسندت إليك عمادة كلية الآداب وهو اختيار وافق أهله إن شاء الله، وكلية الآداب – يا سيدي العميد – أحاطت بها ظروف صبغتها ولو في عرف الناس بصبغة بعيدة عن روح الثقافة الإسلامية، رغم الصلة الوثيقة بين كثير مما يدرس فيها من المواد وبين أدب الإسلام.

وكلية الآداب تمتاز بين الكليات بأكبر عدد من الفتيات، مما يجعل الاختلاط بينهن وبين الفتيان أمراً له خطره وأثره. وأنت يا سيدي رجل نشأت في بيت مسلم، وتلقيت عن أب كريم من صالحي المسلمين، درست تعاليم الإسلام دراسة وفية عميقة، وقضيت شطراً من حياتك في القضاء الشرعي الإسلامي، فأنت بهذا أمين على الفكرة الإسلامية، مرجو لمناصرتها والعمل لها وخدمتها أينما كنت ولا عذر لك في التقصير.

فليس غريباً بعد هذا أن ننتظر لكلية الآداب في عهد عمادتك اتجاها جديداً إلى عناية كاملة بالثقافة الإسلامية العالية، وإلى استمساك تام بروح التقدير والاحترام للأدب العربي الإسلامي يعم هؤلاء، وإلى الحد من الاختلاط بين الفتيان والفتيات والعمل على التخلص منه اتقاء لشره ودفعا لأخطاره، سدد الله في الخير خطاك وأجراه على يديك).

·  الإمام البنا يكشف خداع المذاهب المادية في الإصلاح

رزق الله تعالى الإمام البنا الاطلاع الواسع على المذاهب والنظريات والأيديولوجيات الجديدة أولا بأول والقدرة على عرضها في ضوء الإسلام، وبيان ما فيها من أوجه الخلاف والالتقاء مع الإسلام، إيماناً بأن الإسلام أصلح منها وأعمق وأكثر استيعابا للنفس الإنسانية واستهدافا لبناء المجتمع الصحيح.

ولقد عرض لمختلف مذاهب الديمقراطية والماركسية وكشف عن زيفها جميعا، وأفاد بأنها لن تستطيع الحياة والاستمرار في محيط البلاد الإسلامية العميقة الصلة بالدين والأخلاق والقيم، وأن الإسلام قد شكل لها وجودها الحقيقي، فهي بدونه لم تكن شيئاً، وهو يذهب إلى أبعد من ذلك فيكشف عن زيف الذين حاولوا أن يكتبوا عن الإسلام وزعماء الإسلام من خلال مذاهب الغرب في تلك المحاولة التي أرادت تقديم البديل وإسقاط الأصل[4] حين قال لهم في وضوح: أيها الكاتبون عن الإسلام ورسوله وتاريخه: هل أنتم مؤمنون بالإسلام حقيقة نظام مجتمع ومنهج حياة؟

ويقول: إن هناك بعض المخادعين ممن يحاول أن يجمع بين الفكرة المادية وبين الإسلام، متذرعاً بهذا الجانب من جوانب الإصلاح الاجتماعي في تعاليمه، وأن ينفذ بهذا الجمع إلى تحطيم هذا البناء الإسلامي الشامخ في نفوس المؤمنين به، لتحل محله هذه المادية القاصرة العاجزة الكليلة، ويجب أن لا تجوز هذه الخدعة على المتيقظين ذوي الغيرة، ويجب أن تحدد المقاصد والأهداف والاتجاهات طبقا لتحديد الوسائل والغايات، وأن يتميز الحق من الباطل أمام أنظار الناس: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة} [الأنفال: 42].

إن الإسلام قد وضع من قواعد الإصلاح الاجتماعي في شريعته ما يكفل للجميع مطالب الحياة المادية والعيش في طمأنينة وراحة واستقرار، فأسلموا لله وجوهكم أولاً، وأقيموا مجتمعكم على قواعد الإسلام تتحقق لكم مطالب الحياة المادية ثانياً، واحذروا أن يخدعكم من ذلك الأوهام الزائلة والدعايات الباطلة.



[1]  عن كتاب "حسن البنا.. الداعية الإمام والمجدد الشهيد" للأستاذ أنور الجندي ص 314-317 نشر دار القلم – بيروت (1978).

[2]  ألف طه حسين هذا الكتاب بعد توقيع معاهدة سنة 1936، وهو من أخطر كتب هذه الفترة، وتكمن خطورته في دعوته إلى تناول الحضارة الغربية بكل ما فيها من خير وشر، كما حاول أن ينزع عن مصر انتماءها الإسلامي إذ هي في نظره تنتمي إلى حضارة شعوب البحر الأبيض المتوسط الأوروبية. ويحور الحقائق التاريخية فيذكر إنفصال السياسة عن الدين في الحكم الإسلامي فيقول في ص 17 (فالمسلمون إذن قد فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة. وهو أن السياسة شيء والدين شيء آخر، وأن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على أي شيء آخر) ويتساءل في ص 21 (وجاء الإسلام وانتشر في أقطار الأرض وتلقته مصر لقاء حسنا، وأسرعت إليه إسراعاً شديداً، فاتخذته لها دينا. واتخذت لغته العربية لها لغة. فهل أخرجنا ذلك عن عقليتها الأولى وجعلها ذلك شرقية بالمعنى الذي يفهم من هذه الكلمة الآن؟).

ويهدد بأنه لن ترده قوة عن أخذ الحضارة الغربية فيقول في ص 35 (وليس في الأرض قوة تستطيع أن تردنا عن أن نستمتع بالحياة على النحو الذي يستمتع بها عليه الأوروبيون).

ثم يغلق كل النوافذ الحضارية، ويعتبر الحضارة الغربية – وحدها – مقياسا للرقي فيقول في ص 31: [ونستطيع أن نقول: إن مقياس رقي الأفراد والجماعات في الحياة المادية مهما تختلف الطبقات عندنا، إنما هو حظنا من الأخذ بأسباب الحياة المادية الأوروبية، وإذا عبنا أنفسنا بشيء من هذه الناحية نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوروبيين من نظم الحكم وأشكال الحياة الأساسية] ويزين للمصريين أن يصيروا جزءا من أوروبا باتفاق العقلين المصري والأوروبي في ص 35 [وعلى أننا لا نجد في ذلك من المشقة والجهد ما كنا نجده لو أن العقل المصري مخالف في جوهره وطبيعته للعقل الأوروبي].

ويهزأ طه حسين من الدعوة إلى الإسلام في القرن العشرين ويسوي بين تراث الإسلام والتراث الفرعوني أو اليوناني أو الروماني فيقول ص 36 [وإني لأتخيل داعيا يدعو المصريين إلى أن يعودوا إلى حياتهم القديمة التي ورثوها عن آبائهم في عصر الفراعنة أو في عصر اليونان والرومان أو في عصرها الإسلامي. أتخيل هذا الداعي وأسأل نفسي: أتراه يجد من يسمع له ويسرع إلى إجابته أو يبطئ في هذه الإجابه ولكنه يجيب على كل حال؟ فلا أرى إلا جوابا واحدا يتمثل أمامي بل يصدر من أعماق نفسي: وهو أن هذا الداعي إن وجد لن يلقى من المصريين إلا من يسخر منه ويهزأ به].

[3]  باحث عقلاني، اتجه أولاً إلى الفلسفة، ثم عني بدراسة تاريخ الحياة العقلية في الإسلام، فأصدر أهم كتبه "فجر الإسلام" و "ضحى الإسلام" ثلاثة أجزاء "ظهر الإسلام" أربعة أجزاء. له آراء شاذة في التاريخ الإسلامي والتشريع وتبنى آراء المستشرقين في الطعن في السنة.

[4]  مثل من كتب عن "ديمقراطية الإسلام" ليقدم الديمقراطية ويسقط نظام الشورى. ومن كتب عن "اشتراكية الإسلام" فاستغل في تقديم النظام الاشتراكي وإسقاط النظام الإسلامي.. ومثل هؤلاء الذين كتبوا عن "أبو ذر الاشتراكي الزاهد"، و "اشتراكية أبو بكر" و "اشتراكية عمر" لخدمة الأنظمة الاشتراكية واليسارية.

|السابق| [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error