· احتفالات بمناسبة مرور عشرين عاما
احتفل الإخوان المسلمون في جميع الشعب والمناطق بالقطر المصري احتفالات تكشف عن روعة دعوتهم بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيس أول شعبة في الإسماعيلية في شهر ذي القعدة سنة 1347 هِ الموافق لشهر مارس سنة 1928م، حيث بلغ عدد شعب الإخوان حتى اليوم ألفاين (2000) في مصر وخمسين (50) في السودان والبلاد العربية والإسلامية، وبلغ عدد الإخوان العاملين نصف مليون وبعد صدور القانون رقم 49 لعام 1945م أنشئت طبقاً لنصوصه أقسام البر والخدمة الاجتماعية "للإخوان المسلمون".
وبهذه المناسبة عقد الإخوان في مدينة الإسماعيلية مهد الدعوة ومركزها الأول مؤتمرا إسلامياً كبيراً حضره آلاف من رجال الإخوان من جميع الشعب ، كما حضره مندوبون من الإخوان في البلاد العربية والإسلامية، وشارك أيضاً بعض الزعماء الذين يعملون في حقل الدعوة الإسلامية في العالم.
واستعرض فضيلة المرشد وصحبه الكرام وجميع المدعوين أكبر عرض للجوالة والكشافة، إذ تجاوز عددهم العشرة آلاف بملابسهم الكشفية وموسيقاهملا وأناشيدهم الإسلامية الحماسية تتقدمه الموتوسكيلات والسيارات وأعلام المناطق، وعلى رأس هذا العرض الكبير حرس شرف حول الأخ حامل المصحف الشريف، واستمر هذا المؤتمر ثلاثة أيام متتالية شهدت فيها الإسماعيلية أبهى أيامها، حيث ارتفعت اللافتات والأعلام ترحب برجال الدعوة الإسلامية وضيوف الإخوان، وهبت المدينة ترحب بالوافدين ففتح أهلها بيوتهم ومدارسهم وجميع المساجد لتكون دوراً للضيافة.
وصدر عدد خاص من جريدة "الإخوان المسلمون" اليومية بمناسبة مرور عشرين عاما في يوم 4 ذي القعدة 1368 هِ الموافق 5 سبتمبر 1948م يصف المؤتمر وينشر صور عرض الجوالة والخطباء في الحفل وأفراح أهالي مدينة الإسماعيلية بهذه المناسبة الطيبة. هذا إلى جانب الاستطلاعات الصحفية التي تكشف رأي الشعب المصري بمختلف فئاته وطبقاته في جماعة "الإخوان المسلمون" والدور الاجتماعي والوطني الذي قامت به نحو هذا الشعب، كما احتوى هذا العدد الخاص على مقالات تسجل تاريخ حركة الإخوان منذ ولادتها في الإسماعيلية حتى أصبحت أوسع الحركات الشعبية تغلغلا في مختلف أنحاء القطر المصري وأسرع الحركات انتقالا إلى العالمين العربي والإسلامي، كما ضم العدد بعض الإحصاءات التي توضح بعض جهود الإخوان وكيف ترجموا الأقوال والنظريات إلى أعمال وواقع حي ملموس يشهد بأحقية المنهج الإسلامي وكيف يصنع الأعاجيب إذا كانت له السيادة في مختلف حياة المسلمين السياسية والتربوية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. وصدر هذا العدد الخاص بعدة لغات كالإنجليزية والفرنسية والأردية حيث أرسلت منه كميات إلى العالم العربي والإسلامي، ويعتبر هذا العدد من أهم مصادر معرفة تاريخ الدعوة إلى جانب كونه سجلا حافلا بأهم المواقف والأحداث..
وأقيم بهذه المناسبة مؤتمر صحفي بالمركز العام في القاهرة أعقبه حفل للإخوان بالمركز العام أيضاً. وقد قامت مجلة "الإخوان المسلمون" الأسبوعية بوصف هذا الحفل بقوله: (وهكذا الإخوان دائما في أحفالهم تتجلى فيها الحماسة والقوة، وتكون كمؤتمرات إسلامية يجتمع فيها المندوبون من كل مكان ومن جميع الأوطان. ها هو اليوم المشهود.. تجتمع الجموع، وتحتشد الألوف لتشترك في العام العشريني لدعوتنا المباركة. فما وافت الساعة السابعة حتى غصت دار المركز العام بمجموعات من الشخصيات الكبيرة العربية والإسلامية والشرقية من الذين سعوا إلى هذا المكان المبارك والبقعة التي تهوي إليها الأفئدة، وتتجمع القلوب ليشاركوا الإخوان في حفلهم الكريم، ولينظروا إلى نصر الله وفتحه الذي نرجو ألا يمر زمن طويل حتى يكون الله قد مكن لدعوته في الأرض وقربها من النصر التام)..
وفي مكان آخر تصف المجلة حفل الإسماعيلية بقولها: لقد صار معروفا أن أحفال الإخوان شعبية تلبيها جموع الشعب بالآلاف من كل الطبقات، فلا غني ولا فقير، ولا تمييز بين أحد، إلا ما يقتضيه واجب رعاية النظام المأخوذ من روح أمره صلى الله عليه وسلم في قوله: (أنزلوا الناس منازلهم). وبهذه الروح تنظم حفلات الإخوان، وهي روح المساواة الإسلامية، والأخوة العادلة، فهي نموذج حفلات الإخوان، وهي روح المساواة الإسلامية، والأخوة العادلة، فهي نموذج جديد في حياة الناس الاجتماعية يدل على تغلغل روح هذه الدعوة وتأثيرها في حياة الناس وعاداتهم المختلفة، فلأول مرة يرى الناس في أحفال الإخوان هذه المعاني، ويرون آلافاً من المدعوين يحضرون بمحض إرادتهم واختيارهم، ولا تسعهم كل الكراسي الموجودة في المدينة أو الحي الذي يقام فيه الحفل فيفترشون الأرض في سرور وغبطة وراحة نفس.. هذا هو الشأن في حفلات الإخوان جميعاً ومؤتمراتهم وكذلك كان حفل الإسماعيلية...
· غزة تحتفل..
وانتهز الإخوان في شعبة غزة بفلسطين الحبيبة هذه الفرصة، فدعوا إلى عقد مؤتمر بدارهم وكانت فرصة التقى فيها جمع كبير من أبناء مدينة غزة، وتحدث في هذا اللقاء فضيلة الشيخ عمر صوان قاضي قضاة غزة، فأثنى على الإخوان ومنهجهم في التكوين والتربية، وأشار فضيلته إلى خطوات الإخوان المدروسة في تحقيق أهدافهم، ونوه بشخصية الأستاذ البنا الذي يقود الجماعة على أساس من كتاب الله وسنة رسوله، ثم تحدث عن تاريخ دعوة الإخوان مستنداً في حديثه إلى كتب الإخوان ورسائلهم.. وفي نهاية الحفل أبرق إخوان غزة إلى الأستاذ مهنئين بهذه المناسبة الكريمة..
· بيان فضيلة المرشد
في المؤتمر الصحفي بالمركز العام
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد بدار المركز العام بمناسبة مرور عشرين عاماً على قيام أول تشكيلة للإخوان ألقى الأستاذ المرشد بياناً جاء فيه:
(.. أكثر الناس لا يعرفون إلا أن الإخوان يريدون إقامة الحدود الإسلامية، وهذا في الحقيقة تصور قاصر، فإن الإخوان يريدون إحياء النظام الإسلامي الاجتماعي الكامل وهو كل لا يقبل التجزئة ووحدة متكاملة بكل مظاهره من حيث المثل العليا الاجتماعية أولا، ثم من حيث أوضاعه العملية التي تحل كل مشاكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، على أن قضية الحدود الإسلامية نفسها لم يفهمها الأكثرون على وضعها الإسلامي الصحيح ولو فهموا لعرفوا أنها أعدل وأرحم وأحكم تشريع لمكافحة الجريمة مكافحة ناجحة تفوق أحدث النظريات القانونية والنفسية والاجتماعية للتشريع الحديث، مما لا يدع محلا لاتخاذ الحدود وأحكامها سبباً لاتهام الحركة الإسلامية التقدمية بالرجعية..
وليست حركة "الإخوان المسلمون" حركة طائفية موجهة ضد عقيدة من العقائد أو دين من الأديان أو طائفة من الطوائف إذ أن الشعور الذي يهيمن على نفوس القائمين بها أن القواعد الأساسية للرسالات جميعاً قد أصبحت مهددة الآن بالإلحادية والإباحية وعلى الرجال المؤمنين بهذه الأديان أن يتكاتفوا ويوجهوا جهودهم لانقاذ الإنسانية من هذين الخطرين الزاحفين..
ولا يكره الإخوان المسلمون الأجانب النزلاء في البلاد االعربية والإسلامية ولا يضمرون لهم سوءاً، حتى اليهود المواطنون لم يكن بيننا وبينهم إلا العلاقات الطيبة، أما اشتراكهم الفعلي في مساعدة العصابات الصهيونية بفلسطين بكل صنوف المساعدة، فلم يكن بد من أن يشعروا بأن هذا المسلك المعوج الخاطئ قد أفقدهم العطف.
ولقد لونت الأفهام القاصرة والدعايات المغرضة دعوة الإخوان – الإسلامية النقية – بثلاثة ألوان خاطئة، ابتدأت باللون الديني القاصر إذ أن الإخوان متمسكون في دعوتهم وتصرفاتهم بآداب الإسلام وتوجيهاته.. ثم تلا ذلك اللون السياسي الخاطئ بمناسبة اشتراك الإخوان في الجهاد الوطني المقدسة وبلائهم في ذلك البلاء الحسن الذي سبقوا به الأحزاب السياسية المحترفة، والذي هو في الحقيقة سر هذا الوعي الوطني الجديد والعامل الأكبر في قوة الرأي العام المصري مما جعل بعض الناس يظن أن "الإخوان المسلمون" قد انصرفوا من الدين إلى السياسة ولم يفرقوا بين العمل الوطني والاحتراف السياسي وما دروا أن هذا الجهاد الوطني من صميم الإسلام.. واللون الحقيقي للدعوة بعيد عن هذا التصور كله فهو اللهون الإسلامي النقي الخالص {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} [البقرة: 138]، وهم لذلك متدينون ووطنيون ومجاهدون لأن هذا كله من لب الإسلام وصميمه.
ولسنا نعتقد أن في مصر حزبية وخططاً بالمعنى السياسي الدقيق وكل ما هنالك خلافات شخصية بين نفر من الأعيان الذين يتداولون كراسي الحكم، خلافات تدور حول مسالك الأشخاص ومصالح الأتباع، ولقد كنا حريصين على أن تكون صلتنا بالجميع طيبة حتى نستطيع أن نصل بالدعوة وأهدافها السامية إلى قلوبهم فيجتمعون عليها أو ينصرف إليها منهم من يجمع الله به الكلمة ويقرب مراحل الطريق، ولكن قصور النظرة الشخصية والحزبية ومطامع الأذناب والوسطاء ودس الإنجليز والأجراء حال دون استقرار هذا الجو الهادئ الذي تمحص فيه الحقائق وتحدد فيه الوسائل والغايات.
ونحن نشعر أمام هذا الوضع بكثير من الأسف على ما يضيع في هذا العداء الوهمي من جهد ومال في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوئام والاتحاد، ألم يكف لإقناعنا بعدما نحن فيه من مصائب وويلات بأنه لا نجاح إلا بالوحدة والاتفاق.. ونحن لا نعتبر أنفسنا حزباً سياسياً، بل نحن حركة إسلامية شاملة، مهمتنا توجيه الشعب توجيهاً سليماً وتهيئته تهيئة صالحة)..
· كلمة أخيرة
لفضيلة المرشد في المناسبة
أيها الإخوة الفضلاء...
كلمة أخيرة بهذه المناسبة، مناسبة مضى عشرين عاماً على دعوة "الإخوان المسلمون".. إن من الخير أن أصارحكم بأنكم قد وصلتم بدعوتكم إلى هذه المرحلة من النجاح والظهور ووصلت حالة العالم إلى ما وصلت إليه من التغير والتطور، وتفصيل ذلك أنكم قد أصبحتم تواجهون الدنيا جميعاً بدعوتكم، وأقول وأنا شديد الأسف أنكم الآن القوة الوحيدة الصامدة أمام الخطرين الداهمين اللذين يهددان العالم الإسلامي، والعربي أولاً ويهددان البشرية كلها بعد ذلك، وهما خطر الإلحاد وخطر الاستعباد، فإن هذه المادية الطاغية الجارفة التي استولت على تفكير وتصرفات الدول الكبرى فجعلتها لا تزن الأمور إلا بميزان المنافع والمصالح الشخصية الاستعمارية، ولا تقيم وزنا لما عدا ذلك من المثل العليا وقواعد الخير والإنصاف والسمو ودفعت بها بعد ذلك إلى الرغبة والتحايل على أن تبقى قيود العبودية وأغلالها في أعناق وأيدي وأرجل الشعوب الناشئة التي لا ترضى أبداً بغير الحرية والتقدم، هذه المادية التي تقودها اليهودية العالمية وتمولها الدول الاستعمارية لا علاج لها إلى في دعوتكم، ولا قوة تصمد أمامها الآن مع الأسف إلا جماعتكم..
ولذا أبشركم وأنذركم بأنكم منذ الساعة ستتعرضون لأشد الامتحانات وأقسى الاختبارات ولكنكم إن صبرتم فستكون الغلبة ولا شك.. فاستعدوا للامتحان واصبروا وصابروا، ولن يكون إلا إحدى الحسنيين: السعادة بالنصر، أو الشهادة في سبيل الحق وكلاهما خير ولله الحمد، وكل عشرين سنة وأنتم بخير.
.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.