بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها سنة 1945، تناولت وكالات الأنباء عن جون كيمش، وهو مراسل يهودي لوكالة رويتر قوله: إن جماعة فاشيستية في مصر هي جماعة "الإخوان المسلمون" قد انتهزوا فرصة الحرب فقاموا بتدريب جنودهم والاستيلاء على بعض الأسلحة من الجيش البريطاني أثناء معارك الصحراء سنة 1941، ليشنوا بها حرباً على الإنجليز.
وجاء هذا النبأ في الفترة التي حمل فيها الإخوان لواء الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني حيث برز شبابهم الجامعي الذي قاد حملات التوعية بالحقوق الوطنية وإثارة المشاعر ضد المستعمر الغاصب محاولاً دفع الحكومة إلى اتخاذ موقف إيجابي يحقق آمال الأمة في الحرية والاستقلال ووحدة وادي النيل "مصر والسودان".
والتقى فضيلة المرشد العام برئيس الحكومة يهيب به أن يعمل بغير تردد وأن يسارع بهذا العمل متى وجد الطريق أمامه ممهدة، وإلا فعليه أن يستنفر الأمة للجهاد ويتقدمها هو في هذه المعركة المصيرية، وليكن على ثقة بأنها جميعاً من ورائه.
وللأسف انحصرت جهود الحكومة في المذكرة المصرية والرد البريطاني عليها، الأمر الذي أثار المشاعر وألهب الأفكار، فخرج الطلاب ليعلنوا احتجاجهم على هذا الموقف المتخاذل، وهم في الطريق إلى قصر عابدين دبرت لهم الحكومة ما يعرف بحادث كوبري عباس.
.. في ظل هذه الظروف أصدر جون كيمش تصريحه وطالعه الإخوان وأدركوا ما يرمي إليه من بلبلة الأفكار، فضلا عن التحريض السافر عليهم والتشكيك في نواياهم بالنسبة للحكومة والقصر.
وكان من طبيعة الإمام البنا أن ينظر إلى الأمور من زوايا تختلف عن نظر كثير من الإخوان، فهو دائما يستفيد من الأحداث حتى لو كانت ضد الجماعة، فيحولها في هدوء وحكمة إلى اتجاه يخدم مصلحة الجماعة.. لهذا أسرع فضيلته فدعا رجال الصحافة ووكالات الأنباء العالمية والمحلية إلى مؤتمر صحفي على مائدة شاي بدار المركز العام "للإخوان المسلمون" بالقاهرة، وكان أكثر هؤلاء الصحفيين والمراسلين لم يشاهدوا الإخوان ومرشدهم من قبل.
وحين سري نبأ هذا المؤتمر الصحفي احتشد عدد كبير من الإخوان، ليستقبلوا ضيوفهم أكرم استقبال، فوقف الأستاذ المرشد يتحدث إلى الضيوف باللغة العربية التي يترجمها أحد الإخوة إلى اللغة الأجنبية.. وقف فضيلته يتحدث بنفس الروح والمشاعر التي يتحدث بها إلى عامة الإخوان، شارحاً للحضور دعوة "الإخوان المسلمون" وغايتهم ووسائلهم بلغة بسيطة أفهمتهم أهداف الجماعة.
وكان مما قاله: إن جماعة الإخوان.. جماعة إسلامية تعني بشئون وطنها الإسلامي كله اجتماعياً وسياسياً لأن العدالة والحرية من صميم الدعوة الإسلامية، ولا يتم إسلام المسلم ولا يحقق شريعته إلا بالحرية.
ثم أشار إلى تصريحات جون كيمش فقال: كنا نحب للكاتب أن يتحرى الحقيقة فلا يلجئنا للرد عليه، ولكننا نشكره على كل حال إذ هيأ لنا هذا اللقاء الطيب والتحدث إليكم، فالواقع الذي يؤيده الدليل أن الإخوان لا يوجد عندهم جيش بالمصطلح المعروف، ولكن هناك ما يسمى فرق الكشافة وهي منظمة معترف بها دولياً ومعروف أن مؤسسها هو "بادن باول" وفرق الكشافة الإخوانية مسجلة قانوناً في جمعية الكشافة الأهلية بالقاهرة، وتمارس نشاطها طبقاً للوائح والقوانين، فهي إذن رسمي معترف به من الدولة، ومثل هذه الفرق لا يطلق عليها جيش كما ادعى جون كيمش في رسالته، أما أنه يستعدي علينا الإنجليز وعملاءهم مدعياً أننا نغتصب منهم الأسلحة كي نطردهم بها من بلادنا، فالمعروف أن الإنجليز وأسلحتهم غير مرغوب فيهما على أرضنا، أما وقد وضعت الحرب أوزارها فإنه يتعين أن يخرجوا من بلادنا ويتركوا أسلحتهم لنا، ولهم ثمنها من مبلغ الأربعمائة مليون جنيه الذي هو دين لشعبنا على بريطانيا، فإذا لم تفعل بريطانيا ذلك فلتعلم أننا قطعنا العهد مع ربنا على الانتصار لديننا وبلادنا ولتعلمن نبأه بعد حين..
وتناول الإمام البنا بعد ذلك التطورات التي نشأت منذ دخول الإنجليز مصر حتى بلغ هذا الشعب وعيه وقوة عزمه على إجلائهم بما لا يحتمل أي تسويف.
وختم كلمته للضيوف بتقديم الشكر إليهم، ثم دعاهم لزيارة المركز العام وبخاصة المكتبة الإسلامية بالدار وودعهم الإخوان بمظاهر الاحترام والمودة.
وهكذا يستطيع حسن البنا في الوقت المناسب بحاسته المؤمنة أن يعلن عن فكرته ومبادئه الإسلامية بالحكمة ويرد الكيد إلى نحور أصحابه.
ونشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر في 03/10/1945 خلاصة هذا الحديث، فقالت:
(.. وقال أي "الإمام البنا"، إن الدعوة تحض على معرفة الله، والأديان جميعاً تدعو إلى هذه المعرفة، وتحض على السمو بالنفس لأنها من روح الله، وتحض على حب الناس، وتدعو إلى عمل الخير وإلى الإنسانية الشاملة، وإن هذه المبادئ ليس هدفها السياسة، بل إنه يعلن أن الدعوة لا يمكن أن تكون سياسية بالمعنى الذي اصطلح عليه السياسيون.
غير أنه لما كانت هذه الأغراض النبيلة التي يعملون لتحقيقها لا يمكن أن تترعرع إلا في ظل الحرية والعزة والكرامة، فإنهم يلطبون لمصر والبلاد العربية والإسلامية الحرية والاستقلال، إنهم يشتركون في هذا القدر وحده مع السياسيين.
بقي ما قيل من أن فيها تعصباً دينيا، فوضع الأستاذ البنا بأن الإسلام ينهى عن هذا التعصب، وأنه دين إنساني يدعو إلى المحبة والإخاء واستدل بآيات من القرآن فيها تمجيد لموسى وعيسى، وفيها تنويه بأن الله اصطفى مريم عليها السلام وطهرها واصطفاها على نساء العالمين.
وأن في القرآن دعوة إلى المعاملة الحسنة بين المسلمين وأهل الكتاب، وأن طعام كل منهم حل للآخرين، وأن نساء أهل الكتاب يحل للمؤمنين الزواج بهن خلافاً للمشركات. وقال: إن القرآن أتى في هذا بما لم تأت به التوراة والإنجيل.
وتناول ما قيل عن الإخوان من أنهم يدعون إلى الأخذ بالتشريع الإسلامي، فقال: إنهم يزعجون الآخرين بهذه الدعاية إذ يصورون هذه الشريعة على أنها قطع يد السارق ورجم الزاني فقط، في حين أن المقصود هو الانتفاع بما فيها من كنوز غالية من الأحكام والتطبيقات التي أورثناها إياها فطاحل رجال الفقه الإسلامي.
وعرض لرأي الإخوان في الأجانب، فقال: إنه لا ينكر أن مصر استفادت من الغرب في العلوم والنظم، ولكن لا يمكن الصبر على أن تظل أوروبا تستنزف خيرات هذا البلد وأبناؤه الملايين في أشد الحاجة إليه، وأن كل ما يريده هو أن يكون لنا من هذه الخيرات نصيبنا الكامل.
وعرض لما قاله مراسل "رويتر" من أن هيئة الإخوان ثورية مسلحة، فسخر من هذا الادعاء قائلاً: إن ملايين الجنود ألقت أسلحتها فهل يعقل أن تكون للأسلحة فائدة بعد هذا؟ وأكد أن الإخوان أهل حجة وإقناع وأن السلاح إذا تدخل أفسد سبيل الإقناع.
وقال: إنه يتحدث باسم نصف مليون من الإخوان تنبض قلوبهم بما تنبض به قلوب سبعين مليوناً من العرب وثلاثمائة مليون من المسلمين.
وقال: إن هذه الشبهات إن دلت على شيء فإنها تدل على تجاهل حقيقة مبادئ هذه الجماعة وأهدافها، وإننا قد أعلنا مراراً أن الإخوان هيئة إسلامية جامعة، تعمل في وضح النهار على تحقيق المبادئ الإسلامية التي تتركز على الشورى الحقة، وتكفل سعادة المجتمع وتحفظ حقوق الوطن، وهي لا تعمل في الظلام، وذلك سر ما وصلت إليه من قوة وانتشار، أما ما يقال من أن الإخوان يحرزون أسلحة وجدوها في الصحراء فهي فرية مضحكة لا تجد لها محلاً إلا في خيال صاحبها وحده).