بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد عُرفَ من النظر في كلام السلف وكتبهم التي دونوا فيها علومهم وآراءهم: أنها تتسöمُ بسمة الإيجاز والجزالة في القول والبيان، ويشيع فيها طابع الاكتفاء بالإلماع عن التصريح، وبالرمز عن التلويح، في استحسان ما يستحسنونه، أو كراهة ما يكرهونه، أو ذمّö ما يذمونه، أو شرح ما يشرحونه ويفسّöرونه، فكان كلامهم أغزر وأقل، وعلمُهم أدقّ وأجل، وكانت بصارتهم بمعاني الكتاب والسنة أعمق وأوفى، وإدراكاتُهم لمقاصد الشريعة أشملَ وأصفى. وذلك لصفاء نفوسهم، واستنارة قلوبهم، وغزارة علوهم، ودقة فهومهم، ووفرة تقواهم، بسبب ما كانوا عليه من بالغ التمسك بالكتاب والسنة وامتثال الأوامر واحتناب النواهي، فقد أُوتوا من ذلك كله ما لم يؤته الخلف والمتأخرون. ومع تمادي الزمن، وإظلام النفوس والقلوب، وضعف التمسك والعمل، وتناقص العلم وفتور الجدّö في تحصيله: صار كثير من الخالفين يعسُرُ عليهم فهمُ جمل كثيرة من كلام السالفين، لاختلاف الأساليب، وتنوع المصطلحات، وكلالة الأذهان، وفتور الهمم، وخفة التقوى.
ولهذا اتسعت وكبُرت وطالت كتب المتأخرين، وكثر واستفاض وتكرر كلامهم فيها، على عكس الحال في كتب المتقدمين وكلامهم. فصار بعضُ الواضح الجلي من كلام السلف شبه خفي عند بعض الخلف، لاكتنازه وجزالته الشديدة حيناً، ولسمو بلاغته ودقة تعبيره حيناً آخر، ولانفصاله عن قرائن توضحه كانت معه عند صدوره حيناً ثالثاً، ولغير ذلك، وصارت بعض عبارات السلف لا تفهم على وجهها السديد، لبعد الشقة والتباين بين السالف والخالف، إذ اعتاد الخالف رخاوة الأسلوب والتعبير، والإسهاب والإطناب في الكلام، وتكرار القول وبسطه، وإعادة شرحه وبيانه. وفي الصفحات التالية من هذه الرسالة: "منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلُّمö ما يقع وما لم يقع"، ذكرت نماذج شرحتُ فيها هذا الذي ألمعتُ إليه هنا.
وأصلُ هذه الرسالة مقالةñ كتبتها بطلب من (مجلة كلية أصول الدين) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، نشرتها في العدد الأول منها، الصادر في سنة 1398. ثم أضفتُ إليها إضافات كثيرة واسعة، حتى غدت في هذه الصفحات الطوال. وأرجو من الله تعالى أن يمنحني الإخلاص والسداد في القول والعمل، والتوفيق والإمداد في خدمة الكتاب والسنة وعلوم السلف، وهو الكريم الوهاب، الغفور التواب، والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلّم تسليماً كثيراً.
وكتبه
في مكة المكرمة 21 من رجب سنة 1411 عبد الفتاح أبو غدة