الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: إلى الإسلام من جديد
المؤلف: أبو الحسن الندوي
التصنيف: سياسي
 

المحتويات

المد والجزر في تاريخ الاسلام

حال العرب قبل الاسلام

          كان العرب قبل الاسلام أمة كادت تكون منعزلة عن العالم، قد فصلتها عن العالم المتمدن المعمور البحار من ثلاث جوانب، وصحراء من جانب، وكانت من الانحطاط والانقسام والضعة والخمول بمكان لا تطمع فيه حينا من الدهر الى غزو البلاد، ولا تحلم بالانتصار على الدول المجاورة لها في المنام، ولا تحدّث به يوما من الأيام. هذا، ودولتا فارس والروم يومئذ سيدتا العالم، وزعيمتا الشرق والغرب، وقد أحاطت ممتلكاتهما بشبه جزيرة العرب، احاطة السوار بالمعصم، وإنما زهد الفرس والرومان في فتح هذه الجزيرة لوعورتها، وقلة خيراتها ومواردها، وما يكلفهم ذلك من رجال وأموال، هم في غنى عن انفاقها في هذه الصحراء المجدبة، وفي هذه الامة الفقيرة، وانما اكتفوا برقابتهم السياسية عليها، وباماراتهم التي أنشأوها على ثغور هذه الجزيرة الواسعة ولهواتها[1]. هكذا كانت هذه الامة التي ما كانت لتمثل دورا مدهشا في تاريخ العالم عن قريب، كانت أمة بدوية موهوبة – ولكن واهب ضائعة – لا يرفع الناس بأفرادها في العراق والشام ومصر رأسا، اذا مروا بهم تجارا أو ممتارين[2]، ولا يحسبون لهم حسابا، ولا يهمهم شأنهم الا ما يهم أهل المدن شأن الأعراب المستغربين في اللباس، والصورة واللسان، ولا يذكرونهم – اذا ذكروهم – الا بذلاقة لسانهم، وفصاحة منطقهم، وشجاعتهم، وجودة خيلهم، ووفائهم، الى غير ذلك مما قد تعرفه الامم المتمدنة عن الامم البدوية.

 

آراء رجال ذلك العصر في العرب

          واذا أردت أن تعرف منزلة العرب عند أهل العالم، قبل الاسلام، والنظرة التي كان ينظر اليهم بها جيرانهم في الشرق والشمال[3]، فاستعرض الآراء التي أبداها رجال ذلك العصر، من أهل البصر والمعرفة، ووافق عليها العرب أنفسهم وزادوا عليها. فمما حفظه لنا التاريخ من هذه الآراء، ما قاله امبراطور الدولة الفارسية لسفراء المسلمين. جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي بعدما ساق حديث رسل المسلمين في مجلس يزدجرد: قال: "فتكلم يزدجرد فقال: اني  لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا، ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فان كان عددكم كثر، فلا يغرنكم منا، وان كان الجهد[4] دعاكم، فرضنا لكم قوتا الى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم". فقال المغيرة بن شعبة: "أيها الملك، أنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس الا ما غزلنا من أوبار الابل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله الينا رجلا... الخ[5]". وجاء في هذا الكتاب أيضاً: ".... وقد بعث أمير الفرس، يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب اليه المغيرة بن شعبة، فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه، ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب، واستهانته بهم، وأنهم كانوا أطول الناس جوعا، وأبعد الناس دارا، وأقذر الناس قذرا وقال: ما يمنع هؤلاء الاساورة[6] حولي أن ينتظموكم[7] بالنشاب، ألا تنجسا من جيفكم، فان تذهبوا نخلّ عنكم، وان تأبوا نُزركم مصارعكم. قال فتشهدت وحمدت الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت حتى بعث الله رسوله... الخ[8]". وفي هذا الكتاب أيضا: "وذكر الوليد بن مسلم: أن ماهان طلب خالدا ليبرز اليه فيما بين الصفين، فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان: انا قد علمنا ان ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا الى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير، وكسوة وطعاما، وترجعون الى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها[9]". وهذا كله يدل على ما كان يساوي العرب عند الروم، وعلى ما كان لهم من قيمة ومنزلة عندهم.

 

تغير حال العرب بالاسلام

          ولكن سرعان ما تغيرت الاحوال، وانقلبت الحقائق، وبطلت التجارب السابقة، وتاه العقل، اذ خرج هؤلاء الاعراب من صحرائهم، يفتحون، ويقهرون، ويغلبون، ويخضعون. تدفق هذا السيل من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عاصمة العرب الاسلامية، لاحدى عشرة سنة للهجرة النبوية، واثنين وثلاثين وست مائة لميلاد المسيح، فغلب كل شيء اعترضه في الطريق، وطما[10] على السهل والجبل، ولم تكن جيوش فارس والروم ومصر وغيرها المعدودة بمئات الألوف، الشاكة السلاح[11]، الشديدة البطش، التي كانت الأرض تزلزل بها زلزالا، لم تكن هذه الجنود المجندة الا حشائش في هذا التيار الجارف، فلم تعق سيره، ولم تغير مجراه، حتى فاض في مروج الشام، وفلسطين، وسهول العراق وفارس، وربوع مصر والمغرب الأقصى، وأودية هملايا، سال هذا السيل القوي بالمدنيات العتيقة، والحكومات المنظمة القوية، والأمم العريقة في المجد والسلطان فأصبحت خبرا بعد عين {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [سبأ: 19]. خرج العرب من جزيرتهم فاحتكوا بالفرس والروم، وكان العرب يكرهون وجوههم[12] ويرهبون سطوتهم في ديارهم، ولكن هانوا عليهم في هذه المرة، فغزوهم في عقر دارهم، ونزلوا لساحتهم، فما لبثوا أن مزقوا جموعهم شر ممزق، وثلوا عروشهم[13] ووطأوا تيجان ملوكهم، وفتحوا كنوزهم، واقتسموا أموالهم وتراث ملوكهم، وسبوا ذراريهم، ومزقوا رداء فخرهم وعظمتهم، فلم يرقع أبدا، وكسروا شوكتهم، فلم تعد أبدا، وهلك كسرى فلا كسرى بعده، وهلك قيصر فلا قيصر بعده. {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها} [الأعراف: 137]. خرج هؤلاء العرب من جزيرتهم في ثياب صفيقة[14] مرقعة، ونعال وضيعة مخصوفة[15]، يتقلدون سيوفا بالية الأجفان[16]، رثة المحامل، على خيل بعضها عارية الظهور، متقطعة الغرز[17]، قد بلغ بهم البعد عن المدنية الى حد أنهم كانوا يحسبون الكافور ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين[18]. فما لبثوا أن ملكوا الدنيا، وامتلكوا ناصية أمم بعيدة الشأو في المدنية، انقلب رعاء الشاة والابل، رعاة لارقى طوائف البشر في العلم والمدنية والنظام، وصار هؤلاء أساتذتهم في العلوم والآداب، والأخلاق والتهذيب، وحقت كلمه الله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 05].

 

اللغز الذي أدهش المؤرخين

          هذه القوة القاهرة بعد ذلك الضعف المخزي، وهذا النشاط الغريب بعد ذلك الخمود العجيب، وهذا الانتباه السريع بعد ذلك السبات العميق، لغز من ألغاز التاريخ، وقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن هذا الحادث أغرب ما وقع في التاريخ الانساني، واليك بعض ما قال المؤرخون الاوربيون:

          قول الؤرخ جبون:

                   يقول المؤرخ "جبون":

"بقوة واحدة ونجاح واحد، زحف العرب على خلفاء أغسطس (في الروم) واصطخر (في فارس)، وأصبحت الدولتان المتنافستان، في ساعة واحدة فريسة لعدو، لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من أيام حكم عمر أخضع العرب لسطانه ستة وثلاثين ألفا من المدن والقلاع، خربوا أربعة آلاف كنيسة ومعبد للكفار، وأنشأوا أربعة عشر ألفا من المساجد لعبادة المسلمين، على رأس قرن من هجرة محمد صلى الله عليه وسلم من مكة، امتد سلطان خلفائه من الهند الى المحيط الاطلانطيكي، ورفرف علم الاسلام على أقطار مختلفة نائية كفارس وسورية ومصر وافريقيا وأسبانيا[19]".

          قول المؤرخ ستودارد

                   ويقول "ستودارد الأميركي" في كتابه حاضر العالم الاسلامي:

"كاد يكون نبأ نشوء الاسلام النبأ الأعجب الذي دون في تاريخ الانسان، ظهر الاسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان، وبلاد منحطة الشأن، فلم يمض على ظهوره عشرة عقود، حتى انتشر في نصف الأرض ممزقا ممالك عالية الذرى، مترامية الأطراف، وهادما أديانا قديمة كرت عليها الحقب والأجيال، ومغيرا ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانيا عالما حديثا متراص الأركان، هو عالم الاسلام. كلما زدنا استقصاء، باحثين في سر تقدم الاسلام وتعاليه زادنا ذلك العجب العجاب بهرا، فارتددنا عنه بأطراف حاسرة، عرفنا أن سائر الأديان العظمى إنما نشأت، ثم أنشأت تسير في سبيلها سيرا بطيئا ملاقية كل صعب، حتى كان أن قيض الله لكل دين منها ما أراده له من ملك ناصر، وسلطان قاهر انتحل ذلك الدين، ثم أخذ في تأييده والذب عنه، حتى رسخت أركانه ومنعت جوانبه، بطل النصرانية "قسطنطين" والبوذية "أسوكا" والمزدكية "قباء كسرو"، كل منهم ملك جبار، أيد دينه الذي انتحله بما استطاع من القوة والايد، إنما ليس الأمر كذلك في الاسلام، الاسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية، تجوب فيها شتى القبائل الرحالة التي لم تكن من قبل رفيعة المكانة والمنزلة في التاريخ، فلسرعان ما شرع يتدفق وينتشر وتتسع رقعته في الأرض مجتازا أفدح الخطوب وأصعب العقبات، دون أن يكون من الأمم الأخرى عون يذكر، ولا أزر مشدود، وعلى شدة هذه المكاره فقد نصر الاسلام نصرا مبينا عجيبا، إذ لم يكد يمضي على ظهوره أكثر من قرنين، حتى باتت راية الاسلام خفاقة من "البرانس" حتى "هملايا"، ومن صحاري أواسط آسيا حتى صحاري أواسط افريقية[20]".

          قول المؤرخ فيشر

                   ويقول مؤرخ عصري "هِ. 1. ل. فيشر" في كتابه تاريخ أوربا:

"لم يكن هنالك – في جزيرة العرب قبل الاسلام – أثر لحكومة عربية، أو جيش منتظم، أو لطموح سياسي عام، كان العرب شعراء خياليين، محاربين، وتجارا، لم يكونوا سياسيين، انهم لم يجدوا في دينهم قوة تثبتهم أو توحدهم، انهم كانوا على نظام منحط من الشرك، بعد مائة سنة حمل هؤلاء المتوحشون الخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، انهم فتحوا سورية ومصر، ودوخوا وقلبوا فارس، ملكوا تركستان الغربية، وجزءا من بنجاب، انهم انتزعوا افريقية من البيزنطيين والبربر، وأسبانيا من القوط، هددوا فرنسا في الغرب، والقسطنطينية في الشرق، مخرت أساطيلهم المصنوعة في الاسكندرية وموانئ سوريا، مياه البحر المتوسط، واكتسحت الجزائر اليونانية، وتحدت القوة البحرية للامبراطورية البيزنطية، لم يقاومهم الا الفرس وبربر جبال الاطلس، انهم شقوا طريقهم بسهولة حتى صعب في بداية القرن الثامن المسيحي ان يقف في وجههم واقف، ويعرقل سيرهم في الفتح والاستيلاء، لم يعد البحر المتوسط بحر الروم، بل أصبح حوضا عثمانيا لا سيطرة فيه لغير الترك، ووجدت الدول النصرانية من أقصى أوربا الى أقصاها منذرة مهددة بحضارة شرقية مبنية على دين شرقي[21]".

          ويقول مؤلف شيوعي:

"ان الانسان ليدهش اذا تأمل السرعة الغربية التي تغلب بها طوائف صغيرة من الرحالين، الذين خرجوا من صحراء العرب مشتعلين بحماسة دينية على أقوى دولتين في الزمن القديم، لم يمض خمسون سنة على بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم – حتى غرز اتباعه علم الفتح على حدود الهند في جانب، وعلى ساحل البحر الاطلانطيكي في جانب آخر، ان خلفاء دمشق الاولين حكموا على امبراطورية، لم تكن لتقطع في أقل من خمسة أشهر على أسرع جمل، وحتى نهاية القرن الأول للهجرة كان الخلفاء أقوى ملوك العالم. كل نبي جاء بمعجزات آية لما يقول، وبرهانا على صدقه، ولكن محمدا - صلى الله عليه وسلم – هو أعظم الأنبياء وأجلهم، اذ كان انتشار الاسلام أكبر آيات الأنبياء وأروعها اعجابا وخرقا للعادة، ان امبراطورية أغسطس الرومية بعدما وسعها بطلها "تراجان" نتيجة فتوح عظيمة في سبعة قرون، ولكنها لا تساوي المملكة العربية التي أسست في أقل من قرن، ان امبراطورية الاسكندر لم تكن في اتساعها الا كسرا من كسور مملكة الخلفاء الواسعة، ان الامبراطورية الفارسية قاومت الروم زهاء ألف سنة، ولكنها غلبت وسقطت أمام "سيف الله" في أقل من عشر سنوات[22]".

 

نظرة تحليلية في هذا اللغز

          والآن ننظر في هذا الحادث الغريب نظرا علميا تحليليا، ونبحث عن أسبابه الحقيقية، الجنود والدول في هذا العالم المادي تغلب الجنود والدول في الغالب لوفرة عددها أو بزيادة عدتها وعتادها، ولأنها أحسن في الشكة والسلاح، وفي التنظيمات العسكرية، وفائقة في النظام الحربي، فنتناول جميع هذه العلل المادية التي يرجع اليها الفضل في انتصار الجيوش، والدول عامة، ونبحث فيها علة علة:

          مسألة العدد

          أما العدد فمعلوم أنه كانت النسبة بعيدة بين المقاتلين في جميع المواقف الحاسمة والمعارك الفاصلة في كفاح الاسلام والنصرانية والمجوسية، وكان الروم والفرس أضعاف عدد المسلمين في أكثر الوقائع. هذه اليرموك كان الروم الذين نفروا لقتال المسلمين يبلغ عددهم مائة ألف وثمانين ألفا، وفي رواية مائتي ألف، وفي رواية أربعين ومائتي ألف. وأقل ما روي عن عددهم عشرون ومائة ألف، وأكثر ما ذكر عن المسلمين أنهم كانوا أربعة وعشرين ألفا. كذلك كانت النسبة بعيدة في وقعة القادسية، وهي أختها في العراق والنتيجة معلومة، "وما يوم حليمة بسر"[23]. وقد اعترف بقلة المسلمين ووفرة جنود الروم والفرس المؤرخون جميعا، ولم يعللوا الفتح الاسلامي الغريب في التاريخ بكثرة عدد مقاتلة المسلمين، جاء في الفصل الرابع للأستاذين "غودفروا دمونبين" و "بلانونوف":

"ان العرب الذين أفاضوا من الجزيرة لفتح الامصار لم يكونوا عصائب لا تحصى ولا تعد، تدفقت على الشرق المتمدن، فقد أحصى مؤرخوا العرب الجيش الأول للمسلمين في اليرموك بثلاثة آلاف، ثم أرسل اليهم الخليفة بنجدة أبلغتهم 7500 مقاتل، وأخيرا تتام عددهم 34 ألفا، وأما عدد الروم فقال العرب: انه كان مائة ألف، وقيل 130 ألفا وقيل 200 ألف مقاتل، ولم يزده مؤرخو بيزنطية على 40 ألفا وعلى كل حال كان العدد الأكبر لأعداء العرب، وهكذا في حروب فارس[24]". ومعلوم أن جزيرة العرب قليلة العمران بالنسبة الى مساحتها واتساع رقعتها، معظمها صحراء، ورمال وعثاء، وأرض قاحلة جرداء، أما البلاد التي زحف عليها المسلمون ورموا فيها بأنفسهم، فهي من أخصب بلاد الله مستبحرة العمران، مكتظة بالسكان، وكانت خليتها تعسل حينا بعد حين، وتقطع بعوثا اثر بعوث، وتتدفق سيول من الجيوش والمقاتلة، وتأتيهم الميرة من كل مكان لا تكاد تنتهي، وكان العرب الغرباء كنقطة مغمورة في بحار من الاعداء، نازحين عن بلادهم، منقطعين عن مركزهم، ولا يصلهم المدد الا بشق الأنفس وبعد شهور، ولا يجدون من الميرة الا ما يتغلبون عليه وينتزعون من أيدي أعدائهم انتزاعا فلو تطوعت جزيرة العرب كلها لقتال الروم والفرس، ونفر جميع أهاليها للجهاد في سبيل الله على أن ذلك من المستحيل – لما وقعوا من العالم النصراني والمجوسي – وهما أكثر من نصف الأرض المعمورة – بمكان، فكيف والذين تطوعوا للجهاد ما كانوا نصف عشر عمران الجزيرة؟!.

 

مسألة العتاد والسلاح

          أما العُدد والعتاد، فكان العرب أفقر فيها، وأقل منهم في العدد، فلم تكن هناك جنود مرتزقة، ولا جيوش منظمة تعبئها الحكومة وتسلحها من عندها، ثم تبعثها كاملة السلاح تامة الجهاز، إنما كان متطوعون، يجهزون أنفسهم وينفرون شوقا الى الجهاد في سبيل الله ورجاء ثوابه، ومنهم من لا يجد راحلة ويلتمس عند غيره فلا يجد، فيقعد متلهفا على ما يفوته من سعادة الجهاد في سبيل الله، وقد أنزل الله فيهم: {ولا على الذين اذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92]. وكان المسلمون تزدريهم أعين الروم والفرس لما خرجوا لقتالهم. وكانوا يسخرون من سلاحهم ونبالهم وثيابهم ويضحكون. قال أبو وائل – أحد الذين شهدوا القادسية - : كان الفرس يقولون للمسلمين: "لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا. قال: قلنا: ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا، ويقولون: دوك دوك، ويشبهونها بالمغازل[25]".

قال ابن كثير: "وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه الى كسرى يدعونه الى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون الى أشكالهم، وأرديتهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها، وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب، كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعُددها [26]".

ويقول "ماكس مايرهوف" في تأليفه "العالم الاسلامي": "يكاد يكون مستحيلا أن نفهم كيف أن أعرابا منتمين الى عشائر، ليست عندهم العدد والاعتدة اللازمة، يهزمون في مثل هذا الوقت القصير جيوش الرومان والفرس، الذين كانوا يفوقونهم مرارا في الأعداد والعتاد، وكانوا يقاتلونهم وهم كتائب منظمة[27]".

 

مسألة تفوق العرب في النظام الحربي

          ومما قيل في تعليل غلبة المسلمين، أن العرب كانوا فائقين في نظامهم الحربي على الروم والفرس في ذلك العصر، وكانت كتائبهم أحسن تنظيما وتدريبا، وأفضل نظاما عسكريا، وأكثر انقيادا لأمرائها وقوادها من العساكر الرومية والفارسية، وأن الفضل في انتصار العرب مع قلتهم وانكسار الروم والفرس رغم كثرتهم، يرجع الى مراس العرب للقتال وضراوتهم بالحروب، وولوعهم بالغزو والنهب، نشأتهم الجاهلية الأولى النشأة الحربية المحضة. هذا الكلام يشبه أن يكون وجيها وأكثر صوابا من التعليلات السابقة. ولكنك إذا انتقدته كباحث ومؤرخ وجدته مغالطة كبيرة يغالط بها الكتاب الأوربيون ويتعللون بها، وقد يفهمون وقد لا يفهمون. وقد ثبت في تواريخ القرون الوسطى أن الروم – وكذا الفرس – كانوا راقين في نظامهم الحربي في ذلك العصر، وقد بلغت الدولة البزنطية في بداية القرن السابع المسيحي زهوها، وأوج فتوحاتها الحربية، ففي ذلك العهد دحر الروم الفرس، وردّوهم على أعقابهم، وجاسوا خلال الديار، وعبر هرقل جبال الكرد ونهر دجلة غازيا منتصرا، وبعد حرب دامية في ساباط ومعركة فاصلة في نينوى، دخل دستجرد وتقدم الى المدائن، وغرز علم الفتح الرومي في قلب فارس، وذلك كله في سنة 625 م يعني قبل زحف المسلمين على الشام باثني عشرة سنة فقط. وقد أفادت هذه الحروب الطاحنة التي بدأت من سنة 603 الفريقين – الروم وفارس – من جهة الحرب والتدريب كثيرا، وقد استفاد الفريقان أساليب جديدة للقتال وحنكة وحسن بلاء في الحرب، وتعلم كل فريق من الآخر كما كان الشأن في الحروب الصليبية في القرون الوسطى. وقد اعترف "جبون" مؤرخ رومة الكبير بفضل الروم على العرب في الحروب ونظامها، فقد قال في كتابه (المجلد الخامس ص 478):

أنا ألاحظ هنا وسأكرره مرارا، أن هجوم العرب وقتالهم لم يكن مثل الرومان واليونان، الذين كانت لهم رجالة قوية مستحكمة، كانت القوة العسكرية للعرب مركبة من فرسان ورماة، وكانت الحرب التي قد تقاطعها مبارزات شخصية ومناوشات من القتال، قد تستمر وتطول بغير حادثة فاصلة الى عدة أيام. أما ما قيل من مراس العرب للقتال وتدربهم عليها: بفضل حروبهم القبلية التي كادت تكون مستمرة، وتمكنهم من الانتصار على الروم والفرس، فلم تكن هذه المناوشات والغزوات الطائفية بحيث يتمكن بها العرب من قهر الامبراطوريتين الكبيرتين الرومية والفارسية، وقد خضع العرب مع هذا كله للحبشة ولفارس في جنوب العرب، وانسحبوا أمام جيوش أبرهة في زحفه على مكة، وأن الله هو الذي تولى بيته وكفى قريشا القتال وجعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، ولماذا لم يجسر العرب على الخروج من جزيرتهم وغزو البلاد وفتحها في هذه القرون الطويلة التي قضوها في شبه جزيرتهم في خمود وخمول تام؟ لماذا لم يهاجموا الروم والفرس كما فعلوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بغير تراخ؟ ولماذا لبثوا الأحقاب والأجيال الطوال "معكومين على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم" كما يقول قتادة أحد التابعين الكبار[28]". أما ما قيل عن النظام فلا ننكر حسن نظام العرب في حروبهم وغزواتهم، وروح التعاون والتفادي، الساري في جنودهم والطاعة والانقياد لأمراء الجيوش وقوادها، والتفاني والاستماتة في سبيل الله، ولكن يعلم الخبير أن النظام ليس شيئا صناعيا ميكانيكيا، يحصل بمجرد تنظيمات عسكرية، وفنون حربية وقواعد رياضية، ولو صففت الحجارة تصفيفا بديعا، أو أقيمت العمد والسواري على نظام فني رياضي كامل لم تنفع شيئا، وقد قرأت في التاريخ أن الروم والفرس قد كانوا في بعض المواقف الجليلة يسلسلون أنفسهم، ويحفرون لهم في الأرض لئلا يندحروا أو ينسحبوا من ميدان القتال، ثم لا يغني عنهم هذا شيئا، فليس الشأن كله في النظام في الحرب، إنما الشأن الكبير والتأثير البليغ للروح والمبدأ والغاية التي يقاتل لأجلها الجنود، وتمكنها من النفوس، وهي منبع القوة الخارقة للعادة، ومبعث الشجاعة التي تبهر العقول وسبب الفتوح العظيمة التي يندهش لها المؤرخون والفلاسفة.

 

منبع القوة الحقيقي عند العرب المسلمين

          وعن هذا المنبع نبحث في نفوس العرب الأولين الذين خرجوا لفتح العالم، وفتحوا نصف الأرض في نصف قرن، منبع هذه القوة وسبب هذا الانقلاب العظيم الذي لا يوجد له مثيل في التاريخ، أن العرب أصبحوا بفضل تعليم محمد صلى الله عليه وسلم أصحاب دين ورسالة، فبُعثوا بعثا جديدا، وخُلقوا من جديد وانقلبوا في داخل أنفسهم فانقلبت لهم الدنيا غير ما كانت، وانقلبوا غير ما كانوا، نظروا الى العالم حولهم – وطالما رأوه في جاهليتهم بدهشة واستغراب – فاذا الفساد ضارب أطنابه، وإذا الظلم مادّ رُواقه، وإذا الظلام مخيم على العالم كله، وكل شيء في غير محله، فمقتوه وأبغضوه، ونظروا الى الأمم وطوائف البشر حول جزيرتهم – وطالما رأوها بتعظيم واجلال، وغبطة واكبار – فاذا أنعام ودواب في صورة البشر {يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد: 12]، وإذا صور ودمى قد كسيت ملابس الانسان، فاستهانوا بهم، وبما هم فيه من ترف ونعيم، وزخارف وزينة، وقرأوا قول الله تعالى: {زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131] – {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55]. وعلموا أن الله قد ابتعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات الى النور، ومن عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا الى سَعتها ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضا لم يطأوها، واستخلفهم في الأرض ومكنهم فيها، وقرأوا قول الله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون} [الأنبياء: 105] وقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا} [النور: 55]، وتعلقوا بقول نبيهم صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى[29] لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وان أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض[30]". وقوله: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله[31]". وعرفوا أن الله قد ضمن لهم النصر، ووعدهم بالفتح، فوثقوا بنصر الله ووعد رسوله، واستهانوا بالقلة والكثرة، واستخفوا بالمخاوف والأخطار، وذكروا قول الله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 160]، وقوله: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249].


[1]  لهواتها: أطرافها البعيدة.

[2]  الممتار: من يجلب الميرة وهي الطعام.

[3]  كان جيران العرب في الشرق الفرس وجيرانهم في الشمال الرومان.

[4]  المشقة والبلاء.

[5]  البداية والنهاية (ج 7 ص 41-42).

[6]  الاسوار عند الفرس: القائد، جمعه أساور وأساورة.

[7]  ينتظموكم: يشكوكم.

[8]  البداية والنهاية (ج 7 ص 109).

[9]  البداية والنهاية (ج 7 ص 10).

[10]  علا وغطى.

[11]  الشاكة السلاح: التامة السلاح أو الحادة السلاح.

[12]  قال الطبري: عندما أراد عمر فتح فارس تخوفوا من الفرس وعجبوا كيف يستطيعون أن يحاربوهم؟ وكان وجه فارس من أكره الوجوه اليهم، وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم وشوكتهم، وعزهم وقهرهم الأمم. (تاريخ الطبري ج 4 ص 61).

[13]  ثلوا عروشهم: هدموها.

[14]  صفيقة: كثيقة النسيج.

[15]  خصف النعل: خرزها وضم بعضها الى بعض.

[16]  الجفن: غمد السيف أي بيته.

[17]  الغرز: ركاب من جلد يضع الرجل رجله فيه ثم يمتطي دابته.

[18]  قال ابن كثير: كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور، فيجدون البيت ملآنا الى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئا كثيرا، فيحسبونه ملحا، وربما استعمله بعضهم في العجين، فوجدوه مرا حتى تبينوا أمره (البداية والنهاية ج 7 ص 67).

[19]  انحطاط رومة وسقوطها المجلد الخامس ص 474 – 475 طبع اكسفورد.

[20]  حاضر العالم الاسلامي ج. 1. تعريب الاستاذ عجاج نويهض مقدمة في نشوء الاسلام.

[21]  H. L. FISHER: “A. History of Europe” P. P. 137-138.

[22]  M. N. ROY: “Historical Role of Islam” P. P. 4,5,9,7

[23]  يوم حليمة: هو يوم من أشهر أيام العرب في الجاهلية، وهذا المثل يضرب في كل أمر متعالم مشهور.

[24]  حاضر العالم الاسلامي حواشي الأمير شكيب أرسلان (ج 1 ص 39).

[25]  البداية والنهاية (ج 7 ص 40).          

[26]  أيضا (ج 7 ص 41).

[27]  حاضر العالم الاسلامي حواشي الأمير شكيب أرسلان (ج 1 ص 39).

[28]  تفسير ابن جرير (ج 4 ص 33)، ومعكوفين: مشدودين.

[29]  زوى لي الأرض: جمعها وقبضها.

[30]  رواه الترمذي.

[31]  رواه الترمذي.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error