قول هرقل في هذا الأمر
وقد فطن بهذه الحقيقة بعض معاصري المسلمين وأعدائهم، وأهل النظر والتمييز في ذلك العصر من الروم والفرس، فمن ذلك ما روي ابن كثير أن هرقل لما انتهى اليه خبر زحف المسلمين قال لأهل الشام: "ويحكم أن هؤلاء أهل دين جديد وأنهم لا قبل لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، وبيقى لكم جبال الروم وان أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم". أما عقيدة المسلمين أنهم مبعوثون الى الأمم موكلون باخراج الناس الى عبادة الله وحده، وأن الله متولي نصرهم ضامن بظفرهم، فستلمحه وتلمسه في كل مكان يصدر من المسلمين من كلام وفعال، ومن ثقتهم وسكينة قلوبهم.
قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
ومن ذلك ما روي أن الأمراء في اليرموك لما كتبوا الى أبي بكر وعمر، يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، وما يقابلونه من خطر داهم وعدد لا قبل لهم به، كتب اليهم: أن اجتمعوا، وكونوا جندا واحدا، وألقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله، والله ناصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم من قلة، ولكن من تلقاء الذنوب، فاحترسوا منها.
قول علي رضي الله عنه
ولما استشار عمر أصحابه في مسيره الى العراق بوقعة نهاوند، قال له علي بن أبي طالب: "يا أمير المؤمنين ان هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله، والله منجز وعده وناصر جنده.
قول سعد وسلمان رضي الله عنهما
ولذلك كانوا يخاطرون بأنفسهم ويأتون بأعاجيب وأعمال خارقة للعادة، ثقة بنصر الله واعتمادا على موعوده، حتى انهم خاضوا بخيولهم في دجلة، وكانوا يتحدثون مطمئنين كأنهم سائرون على البر، وكان منظرا غريبا، وجعل الفرس يقولون: "ديوان آمدند، يعنون الجن والعفاريت – ويقولون: "ديوانه" "ديوانه" يعنون المجانين، وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، ان لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات فقال له سلمان: "ان الاسلام جديد، ذللت لهم – والله – البحور كما ذلل لهم البر. أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا، فخرجوا منه كما قال سلمان: لم يغرق منهم أحد ولم يفقدوا شيئا.
قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه
بعثت هذه العقيدة والنفسية طمأنينة في أنفسهم، وسكينة في قلوبهم، وشجاعة خارقة للعادة، واستهانة بالعدد والعُدد، وعدم عبادة للمادة، وعدم اتخاذ الاسباب أربابا، وعرفوا أنهم يقاتلون بقوة الدين، ويظفرون ويغلبون ببركة الاسلام، فكانوا شديدي الاحتفاظ، كثيري الاعتداد بها، يتمثل ذلك فيما قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، روى يونس بن اسحاق: أن المسلمين بلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة - والمسلمون لا يزيدون على ثلاثة آلاف – فلما بلغ ذلك المسلمين، أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فاما أن يمدنا بالرجال، واما أن يأمرنا فنمضي له، قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: "يا قوم والله ان التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فانما هي احدى الحسنيين، اما ظهور واما شهادة، قال: فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس.
قول أبي عبيدة رضي الله عنه
كانوا واثقين بما وعدهم به رسولهم – صلى الله عليه وسلم – عن الفتوح العظيمة، فإذا رأوا من ذلك شيئا قالوا: {هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم الا ايمانا وتسليما} [الأحزاب: 22]. جاء رجل الى أبي عبيدة يوم اليرموك، فقال: "اني قد تهيأت لأمري، فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم تقرئه عني السلام، وتقول: يا رسول الله. انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا".
قول خالد رضي الله عنه
وقد بلغوا في قلة الاهتمام بالعدد والاستخفاف بشأن العدو وكثرته، حتى كأنهم من حديد والعدو من طين وخزف، أو كأنهم مناجل والعلوج حقول ومزارع، قد اينعت وحان حصادها. قال المؤرخون: لما أقبل خالد من العراق، قال رجل من نصاري العرب لخالد بن الوليد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد:
ويلك أتخوفني بالروم؟ انما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر براء من توجّöيه وانهم اضعفوا في العدد، وكان فرسه قد حفي واشتكى في مجيئه من العراق.
ربعي بن عامر في مجلس يزدجرد
وقد ارتفع هؤلاء وعلت هممهم، وكبرت نفوسهم، وعظم الدين والحقيقة والاخلاق في نظرهم حتى صغرت الدنيا وزخارفها في عيونهم، وهان أهلها عليهم، فكانوا يرون الى أبهة الملوك وفخفخة السلاطين، وما فيه أغنياء هاتين المدنيتين ومترفوها من الاثاث والرياش، وزخارف الدنيا، كأنهم يرون الى لعب الصبيان، وكأنهم يرون الدمى والبنات المصنوعة من ورق أو قماش، ومواكبها وزينتها لا يهولهم شيء ولا يعظم في عينهم شيء. أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولا الى رستم – قائد الجيوش الفارسية وأميرهم – فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الامتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: اني لم آتكم وانما جئتكم حين دعوتموني، فان تركتموني هكذا والا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال:
الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الاديان الى عدل الاسلام، فأرسلنا بدينه الى خلقه لندعوهم اليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي الى موعود الله. قالوا وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم كم أحب اليكم يوما أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الاعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم، فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال:
هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل الى شيء من هذا، وتدع دينك الى هذا الكلب، اما ترى الى ثيابه؟ فقال: ويلكم لا تنظروا الى الثياب وانظروا الى الرأي والكلام والسيرة، ان العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب.
المغيرة بن شعبة يجلس على سرير رستم
دخل المغيرة بن شعبة على رستم وقعد معه على السرير فنخروا وصاحوا، فقال: ان هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم، فقال رستم: صدق.
أخلاق الصحابة وسيرتهم التي انتصروا بها
وكان من أكبر أنصار المسلمين أخلاقهم العالية وسيرتهم الملكية، فكانوا يمتازون بها ويعرفون بها أينما رحلوا ونزلوا، وكانت هذه الاخلاق طليعة جيوشهم، تسخر لهم القلوب والنفوس، وتشرح لهم الصدور قبل أن تعمل سيوفهم ورماحهم ونبالهم، والذين كانوا يشهدونها ويجربونها كانوا يشهدون أن هؤلاء سيغلبون ويملكون الدنيا، وأن الفرق بينهم وبين أقرانهم كالفرق بين البهائم والملائكة. روى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة بسنده عن أبي اسحاق، قال:
كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل – وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم - : ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن، قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب، ونظلم، ونأمر بالسخط، وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض، فقال: أنت صدقتني.
وسأل هرقل هذا رجلا كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال أخبرك كأنك تنظر إليهم:
هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم الا بثمن، ولا يدخلون الا بسلام، يقفون على من حاربوا حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين.
ووصف رجل من الروم المسلمين لرجل من أمراء الروم فقال:
جئتك من عند رجال دقاق، يركبون خيولا عتاقا، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثا، ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر، قال فالتفت الى أصحابه وقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به.
حببتهم هذه الاخلاق الى أعدائهم الذين كانوا يقاتلونهم حتى ان كان هؤلاء ليؤثرونهم على بني جلدتهم وأبناء ملتهم، ويتمنون لهم الظفر، ويدفعون عنهم العدو، ويتطوعون لمصالحهم. قال البلاذري في فتوح البلدان: حدثني أبو حفص الدمشقي، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين اقبالهم اليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص:
لولايتكم وعدلكم أحب الينا مما كنا فيه من الظلم والغشم: ولندفعن جنود هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود، فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص، الا أن ننغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود، وقالوا: ان ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا الى ما كنا عليه، والا فانا على أمرنا منا بقي للمسلمين عدد، فلما هزم الله الكفرة وأظهر المسلمين، فتحوا مُدنهم واخرجوا المقلسين، فلعبوا وأدوا الخراج.
ما جرى للمسلمين حين نسوا دينهم
هذا ولما طال على المسلمين الأمد، وقست قلوبهم، ونسوا وتناسوا ما لأجله بعثهم الله على كثرة من الناس، وتوافر من أمم الأرض، وهو قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110]. ونسوا ما لأجله خرجوا من جزيرتهم، يُخرجون الناس من عبادة العباد الى عبادة الله وحده، وصاروا يحكمون الناس حكم الناس على الناس، وصاروا يعيشون حياة لاهية حرة، حياة من لا يعرف نبيا ولا يؤمن برسالة ووحي، ولا يرجو حسابا، ولا يخشى معادا، وأشبهوا الأمم الجاهلية التي خرجوا يقاتلونها بالأمس، عادوا فقلدوها في مدنيتها واجتماعها، وسياستها وأخلاقها، ومناهج حياتها، وفي كثير مما مقتها الله لأجله وخذلها. وأصبحوا لا هم لهم ولا شغل، الا الأكل والشرب والتناسل، وأصبحوا كرعايا الناس ليس لهم فرقان ولا نور يمشون به بين الناس، وأشبهت ملوكهم وأمراؤهم، جبابرتها وفراعنتها وأغنياؤهم مترفيها وأكابر مجرميها، وكاد يسبق فجارهم فجارها، تحاسد وبغضاء ومنافسة في السلطان، وتكالب على حطام الدنيا، واخلاد الى الترف والنعيم، واعراض عن الآخرة، وسفك للدماء، وهتك للأعراض، وهضم للحقوق وغدر بالعهود والذمم، وتعد على حدود الله واعانة للظالم، وجنف في الحكومات والمظالم، وتبذير لأموال الله، وعموم الفواحش والمنكرات، وابتداع للجرائم، وابداع في الخيانة، مما يحتاج بسطه الى مجلدات، فهانوا اذا على الله مع أسمائهم الاسلامية، ورغم وجود الصالحين فيهم، وظهور بعض الشعائر الدينية، والواجبات الشرعية في بلادهم، وهانوا على الناس رغم مملكتهم الواسعة وجيوشهم الكثيفة، وخزائنهم العامرة، ورغم تقدمهم في الحضارة ومظاهرها الكثيرة، فقل إكرام الناس لهم وهيبتهم اياهم، وتجاسروا عليهم، قال: "رتبيل" ملك رُخج وسجستان، لرسل يزيد بن عبد الملك وقد جاؤوا اليه يطالبونه بالخراج: "ما فعل قوم كانوا يأتونا: خöماص البطون، سود الوجوه من الصلاة، نعالهم خوص؟" قالوا: انقرضوا، قال: "أولئك أوفى منكم عهدا وأشد بأسا، وان كنتم أحسن منهم وجوها"، ثم لم يعط أحدا من عمال بني أمية، ولا عمال أبي مسلم على سجستان من تلك الاتاوة شيئا.
فاذا كان هذا في القرن الثاني فما ظنك بقرون بعده حتى اذا بلغ السيل الزبى، وتضاعف كل ما ذكرنا، وأفسد المسلمون في الأرض بعد اصلاحها، وآسفوا الله بعث عليهم عبادا له أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، سلط عليهم المغول والتتار – أشقى الأمم وأخملها وأجهلها وأوحشها – فوضعوا فيهم السيف، وأجروا من دمائهم سيولا وأنهارا، وأقاموا من رؤوسهم صروحا وتلالا، وفعلوا بهم الافاعيل، وأحلوهم الخوف، فتمكن من قلوبهم الوهن والجبن، حتى أصبحوا لا يصدقون بهزيمة التتر، قال ابن الأثير: سمع عن بعض أكابرهم أنه قال: "من حدثك أن التتر انهزموا فلا تصدقه" قال: ووقع رعبهم في قلوب الناس، حتى كان أحدهم اذا لقي جماعة يقتلهم واحدا واحدا، وهم دهشون، ودخلت امرأة من التتر دارا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنونها رجلا، ودخل واحد منهم دربا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده اليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس، فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا، نعوذ بالله من الخذلان، وحكي أن أحدهم أخذ رجلا لم يجد ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على هذا الحجر ولا تبرح! فوضع رأسه، وبقي الى أن أتى التتري بسيف وقتله، قال ابن الاثير وأمثال ذلك كثيرة. واليك ما قال ابن الأثير قبل أن يسرد وقائع هذه النازلة:
"لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة، استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم اليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الاسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فياليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا... هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى، التي عقمت الايام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: ان أهل العالم منذ خلق الله تعالى آدم الى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فان التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.. ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة الى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا الخ...". ولكن مثل هذه الحادثة لم تستطع أن تنبه المسلمين، ولم يفيقوا من سكرتهم، ولم يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، وحق عليهم قول ربهم: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72] وقوله: {فلولا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 43] وقوله: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: 76]. وما زالوا منهمكين فيما هم فيه من غفلة ولهو وظلم، حتى يقول ابن الأثير: "فالله تعالى ينصر الاسلام والمسلمين نصرا من عنده، فما نرى في ملوك الاسلام من له رغبة في الجهاد ولا في نصرة الدين، بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه، وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال الله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25].
ومما يجب أن يلاحظ القارئ ويعتبر به المعتبر، أن المسلمين في هذه الظلماء التي غشيتهم، والفتنة التي عمتهم، كلما أفاقوا من سكرتهم، وأصلحوا شأنهم، وأزاحوا العلل، وصمدوا في وجه العدو، واستنزلوا النصر، هزموا التتر الذين لم يكونوا يعرفون الهزيمة، ولا يصدق الناس بانهزامهم، فقد هزمهم جلال الدين خوارزم شاه ثلاث مرات، وهزمهم الظاهر بيبرس غير ما مرة، وهزمهم الملك الناصر صاحب مصر بمرج الصُّفَّر. وقال السيوطي عن وقعة عين جالوت: "فهُزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون، ولله الحمد، وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وولوا الادبار، وطمع الناس فيهم يخطفونهم وينهبونهم".
حال المسلمين في القرون الأخيرة:
ولم يزدد المسلمون الا ضعفا، ولم تزدد أخلاقهم على مر الأيام الا انحطاطا وتدهورا، ولا أحوالهم وشئونهم الا فسادا، حتى أصبحوا في فجر القرن الرابع عشر الهجري أمة جوفاء، لا روح فيها ولا دم، وصاروا كصرح عظيم من خشب منخور قائم لا يزال يؤوي الناس ويهول من بعيد، أو كدوحة قد تآكلت جذورها، ونخر جذعها العظيم ولم تنقلع بعد، وأصبحت بلادهم مالا سائبا لا مانع له، وأصبحت دولهم فريسة لكل مفترس، وطعمة لكل أكل، وحق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك الامم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة الى قصعتها، فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم عثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت". واستمر المسلمون بهذا الحال وزيادة، حتى أغار عليهم في القرن الثامن عشر المسيحي الأمم الأوربية النصرانية الجاهلية، المتحضرة الوحشية، الكاسية العارية، فسلموها مفاتيح ملكهم، واعتزلوا في مصلحتها عن قيادة العالم. وقد بلغ المسلمون من الانحطاط الخلقي، منزلة ان وجد فيهم أفراد خانوا أمتهم، وشروا بلادهم بثمن بخس دراهم معدودة، وتطوعوا في جنود العدو يفتحون بلادهم للأجنبي على حسابهم. ولكن هذا الهجوم الغربي كان أشد تأثيرا، وأعمق أثرا، وأبعد مدى، من الهجوم الشرقي – المغولي والتتري – فكاد يخمد كل جمرة في قلوبهم، لم تخمدها العواصف طيلة هذه القرون، وبقيت كامنة في الرماد تخبو مرة وتلتهب أخرى.
إبتلاء المسلمين بالشك والذل النفسي
فتش عقلاؤهم عن منابع القوة الكامنة في نفوس المسلمين، وقلوبهم، فوجدوا أن أكبر منبع للقوة والحياة هو "الايمان" وشهدوا ما فعل الايمان قديما، وما أظهر من معجزات وخوراق وما هو خليق بأن يفعل، فعادوه وسلطوا على المسلمين عدوين هما أفتك بهم وأضر لهم من المغول والتتار، ومن الوباء الفاتك، الأول: هو الشك... وضعف اليقين الذي لا شيء أدعى للضعف والجبن منه.. والثاني: ما نعبر عنه بالذل النفسي وهو أن صار المسلمون يشعرون بالذلة والهوان في داخل أنفسهم، وفي أعماق قلوبهم، ويزدرون بكل ما يتصل بهم من دين وتهذيب وأخلاق، ويستحيون من أنفسهم، ويؤمنون بفضل الأوربيين في كل شيء، ويعتقدون فيهم كل خير، ولا يكادون يعترفون بنقص وعيب في ناحية من نواحي الحياة، ولا يصدقون بانهزامهم وفشلهم في ساعة من ساعات الدهر، واذا تمكن هذا الذل من نفوس أمة، فقد ماتت وان كنت تراها تغدو وتروح، وتأكل وتعيش.
ابتلاء المسلمين بعبادة المادة وحب الدنيا
وابتلي المسلمون في هذه المرة بتأثير الحضارة الغربية... والفلسفة الغربية، بعبادة المادة وحب الدنيا، والجري وراء النفع العاجل، وتقديم المصالح الشخصية والمنافع المادية على المبادئ والأخلاق، شأن الأمم الأوربية الجاهلية، فكانت هذه الأخلاق وهذه النفسية والتربية مانعا من الجهاد في سبيل الله واعلاء كلمته، ومن تحمل المشاق، وتجرع المرائر، ومكابدة الأهوال والخسائر في سبيل المبدأ الصحيح والعقيدة السامية.
أسوأ جيل عرفه تاريخ الإسلام
كان نتيجة هذا كله أن ظهر جيل في المسلمين: متنور الذهن، ولكن مظلم الروح. أجوف القلب، ضعيف اليقين، قليل الدين، قليل الصبر والجلد، ضعيف الارادة والخلق، يبيع دينه بدنياه، وأجله بعاجله، ويبيع أمته وبلاده بمنافعه الشخصية، وبجاه وعزة وهمية، ضعيف الثقة بنفسه وأمته، عظيم الاتكال، كثير الاستناد الى غيره: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم} [المنافقون: 04]. هؤلاء هم الذين نشروا في المسلمين الجبن والوهن، وصرفوا المسلمين عن الاتكال على الله، ثم الاعتماد على أنفسهم الى الاعتماد على غيرهم والتكفف لديهم والالتجاء في مواقع الخطر اليهم، وأطفئوا في قلوبهم شعلة الجهاد في سبيل الله، والحمية للدين، وأبدلوها بالوطنية العليلة، والقومية الناعسة، وأبدلوا جنونها الذي بعث الحكمة من مرقدها وأطلق العقل من أساره، والذي تمكن مما لم يتمكن منه العقل والعلم ف آلاف من السنين، أبدلوها هذا "الجنون" الحكيم بعقل ناقص عليل، لا يعرف الا الموانع والعراقيل. وقد ظهر هذا التحول العظيم في العقيدة والنفسية، والافلاس في الروح والايمان، في شر مظاهره في حرب فلسطين، فكان فضيحة للعالم العربي في القرن الرابع عشر الهجري، كما كان انكسار المسلمين وفشلهم الذريع أمام الزحف التتاري فضيحة للعالم الاسلامي في القرن الثامن، فقد اجتمعت سبع دول عربية لتحارب الصهيونية وتدافع عن وطن عربي اسلامي مقدس، عن القبلة الأولى، وعن المسجد الثالث الذي تشد اليه الرحال، وعن جزيرة العرب والأقطار العربية التي أصبحت مهددة بالخطر اليهودي، فكانت حرب فلسطين دفاعاً عن حياة وشرف وعن دين وعقيدة، وكان العالم العربي بأسره ازاء دويلة صغيرة لم تستقر بعد، واتجهت الانظار الى مسرح فلسطين، وانتظر الناس معركة مثل معركة اليرموك، أو وقعة مثل وقعة حطين، ولماذا لا ينتظرونها والامة هي الامة، والعقيدة هي العقيدة، مع زيادة فائقة في العدد والعُدد. فلماذا لا ينتصر العرب وهم عالم؟ ولماذا لا يقضون على عدوهم وهو حفنة من المشردين؟ ولكنهم نسوا ما فعلت الايام وما فعلت التربية، وما فعلت الدول والزعامة السياسية، وما فعلت المادية بالأمة العربية في هذا العصر. لقد تقدم العرب الى معركة اليرموك حقا، ولكن بغير الايمان الذي تقدم به أسلافهم الى هذه المعركة في العصر الأول. لقد تقدموا الى وقعة كانت وقعة حاسمة كحطين – لو ظفر العرب – ولكنهم تقدموا بغير الروح التي تقدم بها صلاح الدين وجنده المؤمن المجاهد. تقدموا بقلوب خاوية تكره الموت وتحب الحياة، وأهواء مشتة، وكلمة متفرقة. يريدون أن يربحوا النصر ولا يخسروا شيئا، وأن يحافظوا على شرفهم ولا يخاطروا بشيء، كل يعتقد أن غيره هو المسئول عن الحرب، وعن الغلبة والهزيمة، ثم هم يقاتلون وحبلهم في يد غيرهم. اذا أرخى قليلا تقدموا، واذا جره تأخروا، واذا قال حارöبوا حاربوا، واذا قيل اصطöلحوا اصطلحوا، وما هكذا يكتسب الظفر ويقهر العدو.
أوردها سعد، وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الابل
وبقي العالم متطلعا الى ما قرأه في تاريخ الجهاد الاسلامي من روائع الايمان، وخوارق الشجاعة والصبر، والاستهانة بالحياة والبسالة والبطولة، والاستقبال للموت، والتمني للشهادة، وحسن النظام، وروح الاطاعة والايثار، فلم ير من ذلك شيئا، الا لمعات واشراقات للايمان كانت تظهر من بعض المتطوعين في حرب فلسطين، والاخوان المجاهدين، تجندوا وتطوعوا للحرب بدافع الايمان، والدفاع عن الاسلام، وحملتهم الحمية الدينية على المغامرة، ودفعتهم الى ميدان الحرب، فشرفوا الدين وأرعبوا القلوب، وأعادوا التاريخ القديم، وبرهنوا على أن الايمان لا يزال المنبع الفياض للقوة والنظام، وأن عنده من القوة والنفوذ، والتنظيم وروح المقاومة والجهاد، ما ليس عند الدول الكبيرة المنظمة.