خبر الواحد وقيمته
ِ ابن حزم يناقش ما ورد في تحريم الغناء من أخبار
ِ الترويح عن النفس بالمباحات
ِ نماذج للغناء الشريف
ِ فساد أغلب البيئات الفنية
ِ التطرف في التحريم نزعة غير إسلامية.
محمد صاحب الرسالة الخاتمة أحب البشر إلينا وأجلهم نعما لدينا!.
وإذا حسبت أقدار الناس، وفق جهادهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، فمحمد أصدقهم قيلا وأهداهم سبيلا وأقدرهم ِ بالخلق الجميل، والصبر الطويل ِ على إبراز الحقيقة وحمايتها وتفتيح الجفون المغلقة على سناها..
لقد أنصف الوحي الإلهي كله، وصانه مما عراه خلال القرون الأولى، وعرفنا بالله الأحد الصمد، وخط لنا سبيل رضاه في وجه سلطات شرسة وكهانات خرقة وجماهير وتوارث الخبال.
ولم يزل يصابر الليالي ويكافح الطغاة حتى بلغ رسالة الهدى والخير، فله في أعناقنا صنائع المعروف لا ننساها له أبدا، وإن جهل الجاهلون وجحد الجاحدون...
إن نبوة محمد تلقى في هذا العصر تحديا نلقاه بالازراء تشارك فيه الصهيونية والصليبية والشيوعية يحاولون جميعا غمط حقه وبخس تراثه! ولكننا ننظر الى ما تقدم هذه النحل للدنيا من عوج وشر وما يقدمه محمد للدنيا ِ في كتابه وسنته ِ من استقامة وخير، ونعلم أن المستقبل لنا، وأن يوم الإسلام قادم «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
والمهم أن نعرف رسالتنا بصدق، وأن نطبقها على أنفسنا بوفاء، وأن نبلغها الى الناس سماوية لا يعلق بها من أكدار الأرض قذى ينفر منها أصحاب الفطر السليمة...
نحن نعلم أن الأنبياء كلهم مبلغون عن الله، ولا نعجب عندما نقرأ قوله تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله..» وقوله: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم...».
فللرسول علينا حق السمع والطاعة ونحن ندرس سيرته لننهج نهجه ونقتفي أثره ونقتدي به فيما فعل وترك.
ولا خلاف بين المسلمين في أن محمدا أسوتهم الحسنة وإمامهم الأول والصورة العملية الوسيمة لما في القرآن الكريم من هدى ونور.
وعندما نقرر مصادر الأحكام فالإجماع منعقد على أن الأصلين الأولين هما الكتاب والسنة... والكتاب لا ترقى إليه شبهة فهو متواتر حرفا حرفا، ونحن نؤمن به جملة وتفصيلا..
وما بلغ من السنة درجة اليقين فسبيله سبيل القرآن الكريم لا يزيغ عنه إلا هالك! ومن علم على وجه اليقين أن رسول الله أصدر أمرا ثم قرر رفضه فقد انسلخ عن الملة، لا خلاف في هذا.
وإذ وقع لغط حول حديث ما فمداره: هل قال الرسول هذا؟ أم لم يقله..! فالكلام في صحة النسبة وفي ضمانات هذه الصحة لا في جواز التقدم بين يدي الله ورسوله، أو أخذ ما يعجب وترك ما لا يعجب..!!.
وقد قرأت البحث الذي كتبه الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي في أسلوب التعامل مع السنة(*) فوجدته أوفى على الغاية وجمع أنفس ما يقال في هذه القضية، والحق أن الشيخ يوسف من العلماء الذين يظهرون بقلة في تاريخنا ولهم رسوخ في الفقه والأثر، وبصر بالنص الإلهي وواقع الحياة، بل هو في ميدانه إمام من الثقات العدول، والدعاة الأمناء..
وأنا أطمع في أن أضيف الى جهده أشياء ليست استداركا عليه، وإنما هي إضافات توضح مواقف جمهرة المسلمين من السنة الشريفة، عندما يتركون حديثا من الأحاديث لملحظ آخر من ملاحظ الشريعة رأوه أجدر بالترجيح..
وقبل أن أشرح ما عندي أحب أن أقول: إنني مع الجماعة الكبرى أستظل بلوائها وانتظم في صفوفها وأكره الشذوذ وأرفض الخروج على ما ارتضاه جمهور الأمة..
إنني أعرف العداوات الرهيبة التي تواجهها أمتنا في هذه السنوات العجاف، وأريد أن تبقى جبهتنا متحدة لصون بيضتنا وكبت عدوانا.
لقد تخرجت في الأزهر من نصف قرن، ومكثت في الدراسة بضع عشرة سنة لم أعرف خلالها إلا أن حديث الآحاد يفيد الظن العلمي، وأنه دليل على الحكم الشرعي ما لم يكن هناك دليل أقوى منه، والدليل الأقوى قد يؤخذ من دلالات القرآن القريبة والبعيدة، أو من السنة المتواترة، أو من عمل أهل المدينة...
والقول بأن حديث الآحاد يفيد اليقين كما يفيده المتواتر ضرب من المجازفة المرفوضة عقلا ونقلا ومن هنا فقد ألفنا قبول أحكام شتى تخالف المتبادر من بعض المرويات الصحيحة.
كنت وأنا أدرس الفقه على المذهب الحنفي أسمع المالكيين يقولون: من أفطر في رمضان ناسيا فعليه القضاء، أو يقولون: الشك ينقض الوضوء، وهذا يخالف أحكاما مقررة عندنا تعتمد على أحاديث صحيحة..
وكنا لا نقرأ حرفا وراء الإمام في الصلوات الخمس، أو نترك البسملة أحيانا لما استقر عندنا من مرويات، على حين كان الشافعيون يصرون على تلاوة الفاتحة ويرون البسملة جزءا منها..
ولم نكن نشعر بغضاضة من هذا الاختلاف، وإذا ثار جدل علمي ركد بعد قليل غير مخلف غضبا ولا أسفا..
وفي المذهب الحنفي يعرف الفرض بأنه ما ثبت بدليل قطعي، أما الواجب ِ وهو دون الفرض ِ فما ثبت بدليل ظني، ويعني ذلك أن حديث الآحاد لا يثبت به فرض، كما أنه لا يقع به تحريم، بل يفيد الكراهية وحسب...
وعندما توغلنا في دراسة القرآن الكريم وجدنا المفسرين المحققين يجنحون الى ذلك المنهج. يقول صاحب المنار: «التفرقة بين ما ثبت بنص القرآن من الأحكام، وما ثبت بروايات الآحاد وأقيسة الفقهاء ضرورية، فإن من يجحد ما جاء في القرآن الكريم بحكم بكفره، ومن يجحد غيره ينظر في عذره! فما من إمام مجتهد إلا وقد قال أقوالا مخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة لأسباب يعذر بها، وتبعه الناس على ذلك..
ولا يعد أحد ذلك عليهم خروجا من ادين حتى من لا عذر له في التقليد..».
ثم نقل صاحب المنار عن ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين قوله: «الربا نوعان جلي وخفي، فالجلي حرم لما فيه م الضرر العظيم والخفي حرم لأنه ذريعة الى الجلي...».
ويرى ابن القيم أن ربا الفضل المعروف في حديث الأصناف الستة إنما حرم من باب سد الذرائع، والواقع أن ربا الفضل لا يكاد يوجد في الحياة العملية! فما معنى أن تبيع جراما من ذهب بجرام من ذهب مثلا بمثل، هاء وهاء؟.
المقصود إغلاق الباب من بعيد على ربا النسيئة... والحق أن الحديث المتفق عليه في تحريم التفاضل والإرجاء بين الأصناف الستة لا يفهم إلا في ضوء بيان ابن القيم..
إن العقائد والأركان والمعالم الرئيسة لديننا تؤخذ مما نقل بالتواتر، أو مما استفاضت شهرته من الصحاح أما الأحكام الفرعية فلا بأس عند تقريرها من النظر في أحاديث الآحاد، وقد بذل علماؤنا جهدا مقدورا مشكورا في ضبطها،إنهم لم يهدروا نقل عدل ضابط، بل أعطوه ما يستحق من اهتمام بيد أننا في ميدان الشهادة لا نحمي دماء الناس وأعراضهم وأموالهم بشهادة رجل واحد مهما كانت جلالته، إننا نطب شاهدين أو أربعا في الإثبات، ودين الله أهم من دنيا الناس!.
ذلك، وهناك قضايا لا يجوز فيها التساهل لخِطورتها، وقد شعرت بالغيظ والحرج وأنا أقرأ أن يهوديا وغدا سحر النبي عليه الصلاة والسلام وأعجزه عن مباشرة نسائه مدة قدرها ابن حجر بستة شهور! أكذلك تنال القمم؟.
قالوا: كما يستطيع سفيه أن يقذفه بحجر أو كما يستطيع مجرم أن يصيبه بجرح! وهذا اعتذار مرفوض، فإن السحر تسلط على الإرادة والفكر وهذا مستحيل، لاسيما والوسيلة تسلط أرواح شريرة، أو بعض الجن.. على الجهاز العصبي للإنسان، فيوقعه في اضطراب وحيرة...
وقد سرني ان الشيخ محمد عبده رفض هذا الحديث، وساءني أن الرجل الضخم اتهم في دينه لهذا الموقف المعظم لقدر الرسول!!.
وسمعت الشيخ محمد أحمد عثمان رحمه الله ِ وكان وكيلا للجمعية الشرعية في مصر ِ يقول: إن في سند حديث السحر مقالا، فقلت له: لست من علماء هذا الفن! وكل ما لاحظت على السند أنه يجعل نزول المعوذتين في المدينة، وهما في «علوم القرآن» وعند كتاب المصاحف نزلتا بمكة...
إنني أطيل النظر في كتب السنة، معتقد أن بها كنوزا ثمينة من تراث النبوة، واستهدى فطرتي في تجنب الضعيف وقبول الصحيح، وهي فطرة صقلتها التلاوة الدائمة لكتاب الله، والحب الصادق لهذا الوحي المبارك، والدراسة الحسنة لمناهج الفقهاء الأربعة الكبار ومن يليهم من أهل الذكر وقادة الفكر.!.
ومن هنا ابتعدت عن أحاديث تركها أبو حنيفة ومالك وغيرهما، وإن رواها المشتغلون بجمع الأحاديث.
لقد تركها الأئمة بتلطف وأدب، وأمامي الآن تفسير المنار لقوله تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» يقول الشيخ رشيد: لم نر في الأحاديث الصحيحة ما هو أقرب الى كلام الصوفية منه الى كلام الله عز وجل الا حديث «من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب...»!!.
وقد انفرد به البخاري وفي سنده ما في متنه غرابة! قال الحافظ ابن رجب: هذا الحديث تفرد البخاري بإخراجه دون بقية أصحاب الكتب.
الى أن قال: وهو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة عن خالد ابن مخلد، وليس في مسند أحمد، مع أن خالدا هذا تكلم فيه الإمام أحمد وغيره وقالوا: له مناكير! ثم قال: وقد روى من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال! وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب اختلاف أئمة الجرح والتعديل في خالد، ومنه تصريح جماعة بروايته للمناكير وفي الميزان للذهبي: يكتب حديث ولا يحتج به! الخ...
قال الشيخ رشيد: وأما الغرابة في متن هذا الحديث فهو قوله تعالى ِ والحديث قدسي ِ ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به.. الخ الذي استدلوا به على الحلول والاتحاد وقد أوله العلماء، وبينت أمثل تأويل له عند الكلام على حب الله تعالى...
والإنصاف يقضي علي بأن أوكد مكانة صحيح البخاري فهو بلا ريب أدق كتب السنة، ومن الإنصاف كذلك توكيد احتواء كتب السنة على آلاف الأحاديث المقبولة، بذل الأسلاف في تدوينها جهودا مضية، ولا تتم الإفادة منها إلا بتعاون الفقهاء، والمحدثين جميعا على ضبط معانيها ومغازيها.
والمأساة التي نعاني منها، ونخشى بلاءها على الصحوة الإسلامية تجئ من قبل قوم يسمون أنفسهم «الأخوة أهل الحديث» نلحظ عليهم عيوبا ثلاثة:
اكتراثهم بالمرويات الواهية، وبناء العلالى فوقها.
ثم سوء فهمهم للصحاح وتعصبهم لما يفهمون من أخطاء.
ثم عجزهم عن إدراك الحكمة القرآنية، ووقوفهم بعيدا عن محاور القرآن وغاياته...
وقد نستطرد في الشكوى فنقول: إن من هؤلاء من يرفع خسيسته بالطعن في الأئمة الكبار، ومن يواري سوأته باللجاجة في تكبير أحكام محدودة أ» تجسيم خلاف تافه...
ولأكن صريحا في توضيح ما أخافه. منذ أيام وقف بين الإسلاميين في الجزائر من يصيح بأعلى صوته:
إن المرأة في الإسلام خلقت لكي تلد الرجال! لا عمل لها إلا هذا..
وهذه الصيحة تنطلق والغزو الثقافي الديني والشيوعي يعد المرأة بالعلم والكرامة واستكمال الشخصية والمشاركة في إصلاح الأرض وغزو الفضاء! قلت للإسلاميين وأنا كاسف البال: قفوا هذا المجون قبل أن ترتد الجزائر وتستولي عليها فرنسا مرة أخرى..
هذا المتحدث المسكين باسم الإسلام لا يعرف إلا حديثا مكذوبا أن المرأة لا ترى رجلا ولا يراها رجل وأنها خلقت ليفترشها فحل وحسب!.
وهذا متحدث إسلامي آخر يرى أن خروج الرسول في «بدر» يدل على جواز أن تكون الحرب في الإسلام هجومية! بل يدل على أن الإسلام قام بالسيف!.
يقع هذا الفهم والمسلمون لا يقدرون على التقاط أنفاسهم من وطأة الهجوم عليهم!! لا يصنعون سنانا ولا يقدمون برهانا.. ولا أمضي في هذه الشكاة فالأمر يطول...
من حق المهتمين بالأحاديث الضعيفة أن يذكروها بعيدا عن دائرة العقائد والأحكام التشريعية.
فإن الدماء والأموال والأعراض أ:بر من أن تتداول فيها شائعات علمية.
وكذلك أصول التربية، وتقاليد المجتمع، والشعائر التي يشخص اليها الرأي العام، وتعد منارات على حقائق الإسلام وأهدافه في الحياة...
يمكن الاكتراث بالأحاديث الضعيفة في قضايا هامشية أو حيث تكون زيادة تنبيه الى ما قررته الأدلة المحترمة فيك تاب الله وسنة رسوله...
وهذا هو منهج علمائنا من قديم، ولكن طوائف من العوام، أو من ذوي الأغراض حادوا عن هذا المنهج فرأينا أشياء تهتاج لها جماهير ما كان السلف الأول يأبه لها!!.
وتم ذلك على حساب حقائق الإسلام الكبرى في مجال العقيدة والشريعة، ومجال الإدارة والاقتصاد والسياسة!.
بل أستطيع القول بأنه تم على حساب الأخلاق والتزكية التي بعث بها صاحب الرسالة العظمى..
ومن الدهماء من يهتم بقضية رفع اليدين قبل الركوع وبعده أكثر مما يهتم بتوفير الخشوع والقنوت بين يدي الله سبحانه وتعالى، وخلاف الفقهاء في هذه القضية معروف..
والبعد الذي لاحظناه عن منهج السلف يرجع الى انتشار الأحاديث الضعيفة، ويرجع قبل ذلك الى انتشار مقولة لم يكن لها رواج بين الفقهاء القدامى، وهي أن حديث الآحاد يفيد اليقين العلمي الذي يفيده المتواتر!!
إن الحديث الصحيح له وزنه، والعمل به في فروع الشريعة له مساغ وقبول، وتركه لأدلة أقوى منه أمر مقرر مأنوس بين فقهائنا، أما الزعم بأنه يفيد اليقين كالأخبار المتواترة فهي مجازفة مرفوضة...
وقد قال لي أحد المتمسكين بأن خبر الواحد يفيد اليقين: إن المدرس ِ وهو رجل واحد ِ يؤتمن على التعليم، وأن السفير ِ وهو رجل واحد ِ يؤتمن على أخبار دولته، وأن الصحافي في الحديث الذي ينقله يؤتمن على ما يذكره... الخ.
قلت: إن العنعنات التي تنقل بها المرويات ليست مثل ما ذكرت من وقائع!.
وإذا فرضنا جدلا أنها مثلها من كل وجه فإن اليقين لا يستفاد من هذه الوقائع، فإن المدرس قد يخطئ فيصحح نفسه أو يصحح له غيره! والسفير ترقبه دولته وقد تراجعه فيما بلغ، وكذلك الأحاديث الصحافية، إن ما يحفها من قرائن النشر والإقرار أو الرد يجعل الثقة بها أقرب.
ونحن مع تحرى عالة الشاهد لا نكتفي بشاهد واحد، وربما طلبنا أربعة شهداء حتى نطمئن الى صدق الخبر.
والشاهدان أو الأربعة ينشئون ظنا راجحا، ولا ينشئون يقينا ثابتا، بيد أن حماية المجتمع لا تتم إلا بهذا الأسلوب، أسلوب قبول الظن الراجح! وهو ما قامت عليه الشرائع والقوانين في دنيا الناس...
وذلك كله غير بناء العقائد في النفوس، وإقامة الأمم عليها، إن العقائد أساسها اليقين الخالص الذي لا يتحمل أثارة من شك..
وعلى أية حال فإن الإسلام تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقلي، ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر واحد، أو تخمين فكر..
ثم يجيء دور التشريع في تحديد مسار الأمة العام، ومسالك الأفراد الخاصة، وعندنا في هذا من النصوص ما هو قطعي الثبوت والدلالة، وما هو ظني الثبوت والدلالة، وما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة، وما هو ظني الثبوت قطعي الدلالة!.
واستفادة الأحكام من مصادرها لها علم خاص بها ولها رجال ثقات وعلى العامة أن تسمع وتطيع.
وقد رأيت في هذه الأيام من يسمى نفسه أمير جماعة، والجهد الذي يتصبب له عرقا وهو يقوم به، هو إشاعة النقاب بين النساء، أو إشاعة الجلباب بين الرجال، أو تحريم الذهب على النساء والرجال جميعا، أو ترك شعر اللحية ينمو فلا يؤخذ منه شيء حتى لقاء الله!!!.
أهذه غايات تتكون لها جماعات؟ والغريب أن الأحاديث الواهية والخلافات الفرعية لها حظوظ متناقضة أو طوالع سعد ونحس!! فلست تدري لماذا عشت هذه؟ ولماذا ماتت تلك..؟.
في مصر تحتفل العامة بلية النصف من شعبان وليست لهذه الليلة القيمة التي تعطيها هذا الشأن الرفيع، وفي حديث مع أحد الأخوة من علماء الخليج قال: إن للأحاديث الموضوعة والواهية سوقا رائجة عندكم! قلت: للأسف وعندكم كذلك!.
قال: نحن نتحرى الأحاديث التي نصدر وفقها أحكامنا! فضحكت وأنا أرد عليه بإجابة سريعة:
أظن الأحاديث التي وردت في ليلة النصف أقوى من الأحاديث التي وردت في تحريم الغناء!.
أجاب مستنكرا: هذا غير صحيح! إن تحريم الغناء وآلاته ثابت في السنة النبوية...
قلت له: تعال نقرأ سويا ما قاله ابن حزم في ذلك الموضوع، ثم انظر ما تفعل...
قال ابن حزم: «وبيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير حلال كله ومن كسر شيئا من ذلك ضمنه، إلا أن يكون صورة مصورة ِ تمثالا مجسما ِ فلا ضمان على كاسرها، وتضمين المعتدي على هذه الأشياء واجب، لأنها مال من مال مالكها».
قال: «وكذلك يجوز بيع المغنيات ِ من الجواري ِ وابتياعهن! وأساس الجواز في كل ما ذكرنا قوله تعالى: «خلق لكم ما في الأرض جميعا»(44) وقوله: «وأحل الله البيع»(45)، وقوله: «وقد فصل لكم ما حرم عليكم»(46) ِ يعني أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأنه لا تحريم إلا بنص، وقد فصل الله ما حرم في كتابه وعلى لسان نبيه، ولم يأت نص بتحريم شيء مما ذكره من البيوع السابقة» ثم ذكر ابن حزم أن أبا حنيفة يوجب الضمان على من كسر شيئا من آلات اللهو التي سماها آنفا!
قال: «واحتج المانعون بآثار لا تصح، أو يصح بعضها ولا حجة لهم فيها.. منها عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ِ عن النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: «إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها» قال ابن حزم وهو يناقش سند هذا الحديث: «فيه من الرواة» ليث وهو ضعيف، وسعيد بن أبي رزين، وهو مجهول لا يدري من هو؟ عن أخيه؟ وما أدراك ما عن أخيه! هو ما يعرف وقد سمي فكيف أخوه الذي لم يسم؟.
وعن علي بن أبي طالب قال رسول الله: إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء...
منهن «واتخذوا القينات والمعازف، فليتوقعوا عند ذلك ريحا حمراء ومسخا وخسفا».
قال ابن حزم في رواة هذا الحديث: لاحق بن الحسين وضرار بن علي والمحمصي مجهولون. وفرج ابن فضالة متروك...
وعن معاوية قال: «نهى رسول الله عن تسع، وأنا أنهاكم عنهن الآن، فذكر فيهن الغناء والنوح» قال ابن حزم: في رواته محمد بن المهاجر ضعيف، وكيسان مجهول!.
وروى أبو داود بسنده عن شيخ(!) عن ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يقول: «إن الغناء ينبت النفاق في القلب»!.
يقول ابن حزم: الرواية عن شيخ عجب جدا! من هذا الشيخ؟.
وعن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ يقول: «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف، والقينات يخسف الله بهم الأرض».
قال ابن حزم وهو يناقش السند: معاوية بن صالح ضعيف، وليس فيه أن الوعيد المذكور إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر، والديانة لا تؤخذ بالظن.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: «من جلس الى قينة فسمع منها صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة» والآنك هو الرصاص المذاب.
قال ابن حزم: هذا حديث موضوع فضيحة، ما عرف قط عن طريق أنس!!.
وعن مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله: «من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه»..
قال ابن حزم: مكحول لم يلق عائشة، وهاشم وعمر الراويان مجاهيل!
وهناك حيث لا ندري له طريقا وهو «نهي رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ عن صوتين ملعونين صوت نائحة وصوت مغنية» وسنده لا شيء!.
وعن أبي أمامة سمعت رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يقول: «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، وثمنهن حرام». وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله وهو «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا»(47)، والذي نفسي بيده ما رفع رجل قط عقيرته بغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان على صدره وظهره حتى يسكت» وقد نظر ابن حزم في الرواة فوجدهم بين ضعيف ومتروك ومجهول..
ولعل أهم ما ورد في هذا الباب ما رواه البخاري معلقا عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف».
ومعلقات البخاري يؤخذ بها، لأنها في الغالب متصلة الأسانيد، لكن ابن حزم يقول: إن السند هنا منقطع، لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد راوي الحديث...
نقول: ولعل البخاري يقصد أجزاء الصورة كلها، أعني جملة الحفل الذي يضم الخمر والغناء والفسوق، وهذا محرم بإجماع المسلمين..
قال ابن حزم عن تحريم الغناء: «لا يصح في هذا الباب شيء أبدا، وكل ما ورد فيه موضوع، والله لو أسند جميعه أو واحد منه عن طريق الثقات الى رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ ما ترددنا في الأخذ به.
ثم نظر ابن حزم في الآية الكريمة: «ومن الناس من يشتري لهوا لحديث ليضل عن سبيل الله..»
فنفى أن تكون في الغناء وقال: إنه نصفها يشرح المراد منها، فإن من يريد الإضلال عن سبيل الله واتخاذها هزوا كافر بإجماع المسلمين.
قال: ولو أن امرءا اشترى مصحفا ليضل عن سبيل الله لكان كافرا..!
إن الله ما ذم قط من روح عن نفسه بشيء من اللهو ليعينه على الكثير من الجد، وإنما الأعمال بالبينات ولا حرج على مسلم أن ينظر في بستان متنزها، أو يتنقل هنا وهناك متفرجا ليريح طبعه المكدود..
والحق أن الغناء كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح! هناك أغان آثمة، تلقى في ليال ظالمة مظلمة وإن كثرت فيها الأضواء، لا تسمع فيها إلا صراخ الغرائز أو فحيح الرغبات الحرام..
وهناك أغان سليمة الأداء شريفة المعنى قد تكون عاطفية وقد تكون دينية وقد تكون عسكرية تتجاوب النفوس معها، وتمضي مع ألحانها الى أهداف عالية...
كنت مع رفقة طيبة نتغدى في فندق محافظ بحي «الهرم» ووصل الى أسماعنا صوت جذب انتباهي، وألقيت إليه زمامي، كأنه صوت ناصح حزين يقاوم المجون والاسترخاء..
وأخذت أتبين الألفاظ التي تصدر من مسجل موضوع بإحدى الزوايا، فإذا هي للبوصيري أو بتعبير أدق تشطير لأبيات من البردة، كان البوصيري والشاعر الآخر يدوران فيها حول البيت المشهور في وصف الرسول الكريم:
|
كأنه ِ وهو فرد ِ من جلالته |
في عسكر حين تلقاه وهو حشم! |
لم تكن هناك ألحان مصاحبة تثير المشاعر، كان صوت المبتهل الشادي مزيحا من إيمان وحب جعلاني أطوي العصور القهقهري، وأمثل في حضرة صاحب الرسالة، وهو في مجلسه الروحي يوجه ويربي، ويخلق الجيل الذي سينشئ حضارة أرقى وأتقى، ويلقي بذور الإنسانية الجديدة التي ستنقذ العالم من جبروت الرومان والفرس...
كان فردا يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد ولكن الأشعة المنبثقة من أركانه تجعل الأبصار تنحسر عنه، وتعجل الأباطرة والقياصرة يجثون عند قدميه..!
إن الغناء الرقيق المتواضع الذي سمعته لا يزال يؤثر في نفسي كلما استحضرت جرسه، بعد ما صار ذكرى..
قال الإمام الشاطبي في الجزء الأول من كتابه «الاعتصام»: إن قوما أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن لنا إماما إذا فرغ من صلاته تغنى!!.
فقال عمر: من هو؟ فذكروا له الرجل، فقال: قوموا بنا إليه، فإنا إن وجهنا إليه ِ من يحضره ِ يظننا تجسسنا عليه أمره.
وقام عمر مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما نظر الى عمر قام إليه واستقبله قائلا: يا أمير المؤمنين ما حاجتك؟ وما جاء بك؟.
إذا كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك فأحق من عظمناه خليفة رسول الله!. فقال له عمر ويحك بلغني عنك أمر ساءني! فقال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أتتمجن في عبادتك ِ من المجانة والاتضاع ِ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي!.
قال عمر: قلها، فإن كانت كلاما حسنا، قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه... فأنشد الرجل هذه الأبيات:
|
وفؤاد كلما عاتبته |
في مدى الهجران يبغي تعبي! |
|
لا أراه الدهر إلا لاهيا |
في تماديه، فقد برح بي |
|
يا قرين السوء ما هذا الصبا؟ |
فنى العمر كذا في اللعب! |
|
وشبابي بان عني فمضى |
قبل أن أقضي مني أربي |
|
ما أرجى بعده إلا الفنا |
ضيق الشيب علي مطلبي |
|
ويح نفسي لا أراها أبدا |
في جميل، لا ولا في أدب |
|
نفسي لا كنت ولا كان الهوى! |
راقبي المولى، وخافي، وارهبي! |
فقال عمر رضي الله عنه مرددا البيت الأخير:
|
نفسي لا كنت، ولا كان الهوى! |
راقبي المولى وخافي، وارهبي! |
ثم قال عمر: على هذا فليغن من غنى...!.
أول: ولنا في أمير المؤمنين أسوة حسن! كل إنشاد يبعث على السمو والجد والاستقامة فهو غناء حسن، وما أحسب أحد يرى نفسه أتقى لله من عمر! أو يتنزه مما أقره ودعا إليه.
وعندما أسمع قول شوقي:
|
ويا رب هل تغني عن العبد حجة؟ |
وفي العمر ما فيه من الهفوات! |
أتذكر فضل الله في جعل الحج توبة كاملة! لكن صوت المغنية الضارعة يحرك أشجان الأخطاء القديمة، كما يحرك الآمال في عفو اله، وهذا كله لون من العبودية المطلوبة لله سبحانه.
وكما ينشد المرء الخلاص من ماض مرهق.. ينطلق الشعر والغناء الى استنقاذ الأمة الإسلامية من حاضر مؤسف، مع مناجاة صادقة لرسول عليه الصلاة والسلام..
|
شعوبك في شرق البلاد وغربها |
كأصحاب كهف في عميق سبات! |
|
بأيمانهم نوران ذكر وسنة!! |
فما بالهم في حالك الظلمات؟ |
يقول الدكتور عبادة: إن أبا حامد الغزالي ِ اقتداء بالشافعي ِ يرى أن الشعر كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن سماع الغناء منه ما هو مباح ومنه ما هو مستحب، وما هو واجب وما هو مكروه، وما هو حرام!! ثم يصنف الغناء الى سبعة أقسام:
1 ِ إلهاب الشوق الى زيارة الأماكن المقدسة، وابتعاث المسلمين في الأقطار البعيدة كي يشدوا الرحال الى الحرمين وذلك يبدو في قصيدة شوقي:
|
إلى عرفات الله يا خير زائر |
عليك سلام الله في عرفات! |
2 ِ إثارة الحمية للقتال، والدفاع عن العقائد والأوطان. وأغلب الشعوب تضع لبنيها نشيدا قوميا يتغنون به جماعات..
وخير نموذج لهذا النوع من الغناء ما جمعه أبو تمام في ديوان الحماسة!
وليت أمتنا تحسن الغناء بمعاني القوة المنبثة في قصائده..
3 ِ وصف المعارك والمبارزات وثبات الرجال في الساعات الحرجة..
4 ِ الرثاء المحرك للأحزان النبيلة! والذي يعيد للنفس الفهم الصحيح لطبيعة الحياة الدنيا، وهذا الرثاء قد يكون بكاء سلبيا متفجعا مثل قول متمم ابن نويرة يرثى أخاه مالكا:
|
يقول: أتبكي كل قبر رأيته؟ |
لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك |
|
فقلت له: إن الشجا يبعث الشجا! |
فدعني، فهذا كله قبر مالك! |
وقد يكون رثاء مفعما بتمجيد الفضائل والالتفاف حولها وذلك كقول دريد ابن الصمة:
|
تقول: ألا تبكى أخاك؟ وقد أرى |
مكان البكا لكن بنيت على الصبر! |
|
فقلت: أعبد الله أبكي أم الذي |
له الحدث الأعلى قتيل بني بكر؟ |
|
أبى القتل إلا آل صمّة إنهم |
أبوا غيره والقدر يجري الى القدر! |
5 ِ وصف ساعات الرضا والسرور، احتفاء بها واستبقاء لآثارها.
6 ِ الغزل الشريف، وشرح عواطف المحبين وارتقاب جميع الشمل.
وربما كان للأمم والأفراد في هذا الميدان هبوط وهزل، لكن هناك مشاعر جديرة بكل إعزاز مثل:
|
حننت الى «ريا» ونفسك باعدت |
مزارك من ريا وشعباكما معا |
|
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا |
وتجزع أن داعى الصبابة أسمعا |
|
قفا ودا نجدا ومن حل بالحمى |
وقل لنجد عندنا أن يودعا |
|
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا |
وما أحسن المصطاف والمتربعا! |
|
وليست عشيات الحمى برواجع |
إليك، ولكن خل عينيك تدمعا |
|
بكت عيني اليسرى فلم زجرتها |
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا |
|
وأذكر ايام الحمى ثم أنثني |
على كبدي من خشية أن تصدعا |
|
كأنا خلقنا للنوى وكأنما |
حرام على الأيام أن نتجمعا |
7 ِ وصف الأمجاد الإلهية، ما يليق بذي الجلال والإكرام من تحميد وإعظام.
وارتفاع المغنين الى مستوى المعاني التي يترنمون بها أمر صعب! ونجاح الأغنية يعود بعد شرف المعنى الى حسن الأداء وجودة اللحن، وتجميع الأنغام التي تخدم في النفس البشرية ما يحقق الاستشارة المنشودة!
وقد استمعت الى بيت شوقي:
|
وللحرية الحمراء باب |
بكل يد مضرجة يدق! |
وشعرت بأن المغني فشل فشلا ذريعا في تلحينه، كان ينبغي أن يتعاون النغم والأداء على إبراز صوت المطارق التي تهوى على الأبواب الموصدة، وجؤار المجاهدين وهم يهاجمون السجون التي قبعت داخلها الجماهير المستعبدة، وعزائم الشهداء وهم يجودون بأنفسهم فداء للحق، وأنين الجرحى، وعناد المكابرين... إن حشودا من الأصوات المزمجرة، والجيوش الملتحمة كان يجب أن تبرز خلال تلحين القصيد وعند غناء هذا البيت ذاته.. لكن الملحن المغني ليس رجل هذه الملحمة...!
والواقع ان البيئة الفنية ِ كما تترامى إلينا أنباؤها ِ تعيش في أرض الغرائز وتحسن الطبل والزمر وهي تحدو العواطف الرخيصة، وما احسبها تنهض الى هدف عال.
أذلك سر تحريم بعض الوعاظ للغناء؟ ربما، إنه ليس لدين نص يحظره! وإن أولى الغيرة ينظرون الى سيرة المشتغلين بالغناء والموسيقى ثم يرفضون هذا النمط من السلوك، ويستنكرون ما يلابسه وما يصاحبه من آلات، وجو عابث..
لكن الإنصاف يفرض علنيا غير ذلك.
من حملة الأقلام من عاش ذيلا لحكام الجور، يتلون كالحرباء في خدمتهم، ويصبح ويمسي وهو يخادع الجماهير عن حقوقها وحرياتها. فهل هذا البغاء الصحفي يجعل الصحافة باطلا؟ كلا!.
ومن رجال الدين نفسه من يحيا بلا دين! بل ربما كان عائقا عن الدين كما قال جل وعلا في وصف بعض الكهان: «إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله..»(48).
فهل ذلك يعني ن الدين باطل؟ كلا!.
وهناك فنانون لا يساوون قلامة ظفر! وهناك أيضا من صليت معهم في جماعات عامة ومن رأيتهم في قوافل الحجاج والعمار يؤدون المناسك بأدب وتقوى!.
وأكر أني عندما كنت مدرسا بمكة المكرمة، جلست سأمان في بيتي يوما أعاني من بعض المتاعب فقلت: أتسلى عن همومي بشيء، وفتحت الراديو وسرني أن كانت به أغنية أحبها.
وما كدت أمضي مع الأبيات والألحان حتى طرق الباب طالب أشرف على رسالته!.
وخيل ألي أني استطيع السماع مع وجوده ولكنه أقسم علي أن أغلق الراديو!.
ورأيت إكراما له أن ألبي رغبته، وأكملت وحدي بعض كلمات الأغنية:
|
أين مما يدعي ظلاما يا رفيق الليل أينا؟ |
|
إن نور الله في قلبي! وهذا ما أراه! |
وصاح الطالب: ما هذا؟ قلت له: كل يغني في الأنام بليلاه، إنني أعني شيئا آخر.!
قال: أما تعلم أن الغناء حرام كله؟ قلت له: ما أعلم هذا…!
ثم أقبلت عليه بجد أقول له: إن الإسلام ليس دينا إقليميا لكم وحدكم، إن لكم فقها بدويا ضيق النطاق! وعندما تضعونه مع الإسلام في كفة واحدة، وتقولون: هذه الصفقة لا ينفصل أحدها عن الآخر، فستطيش كفة الإسلام وينصرف الناس عنه.
وهذا ظلم كبير لرسالات الله وهداياته!!.
قال: كيف؟ قلت له: تستطيعون إعلان حرب شعواء على الغناء الوضيع، وستجدون من يؤيدكم من أهل الأرض! أما الزعم بأن الإسلام حرب على الفن كله خيره وشره فلا!.
إن أهل القارات لهم غناء يجتمعون عليه، فميزوا الخبيث من الطيب ثم دعوا لهم ما يستحبون.
وكتبت الأستاذة المهدية «مريم جميلة»(49) فصلا عن الإسلام والفنون في كتابها «الإسلام في النظرية والتطبيق» وذكرت أن الأوروبيين يحترمون احتراما بالغا «بتهوفن» و«باخ» في الموسيقى و«فردي» و«واجنر» في الأوبرا و«شكسبير» في المسرح.. الخ. ويلقبونهم بالسادة العظام، ويعتبرون تكريس الحياة لأي فرع من هذه الفنون الجميلة من أشرف المقاصد وأكثرها جدا!!.
قالت: وإذ عرفت موهبة شخص ما بالتفوق افني ِ وغالبا ما يقع ذلك بعد سنوات من رحيله ِ حسب في زمرة العظماء الخالدين! ويحقق الروائيون التقليدين خلودهم الفني عندما تطبع كتبهم مرات ومرت وتمتدح على أنها أعمال أدبية عظيمة يلزم كل طالب في المدارس أن يدرسها.
ويخلد مؤلفو الموسيقى السمفونية، والأوبرا باداء إنتاجهم مرارا وتكرارا في قاعات الاحتفالات العظمى في المدن الكبرى كما يكرم أعظم المغنين والعازفين بتسجيل أعمالهم على الأشرطة والاسطوانات.
قلت لنفسي: ما المنهاج الإسلامي الذي أقدمه لهذه الأوساط؟ هل أطلب إليهم الغاء الفنون الجميلة جملة وتفصيلا؟.
علام أعتمد في هذا الطلب؟ على جملة من الأحاديث الواهية والموضوعة لا وزن لها في مجال التمحيص العلمي؟.
إنني عندما أفعل ذلك أكون كأبي العلاء المعري الذي قال لكل إنسان:
|
غدوت مريض الدين والعقل والحجى |
لتعرف أنباء الأمور الصحائح؟ |
فلما التقى الناس به واستمعوا إليه رأوه نباتيا يعرض الأمور الصحيحة عنده على أنها ترك أكل اللحم!.
إنني أطلب من الأوربيين وغيرهم ترك التجسيد والتعديد لإصلاح عقائدهم فهل أضع عائقا أمام هذا الإصلاح الخطير بدعوتهم الى ترك الغناء والموسيقى؟ فما يكون موقفي من قوله تعالى في كتابه المصون «قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون»(50).
أستطيع أن أحرم نحت التماثيل، أستطيع أن أحرم كل صورة عارية، أستطيع أن أحرم الرقص مفردا ومزدوجا، إن هذه فنون رديئة وليست فنونا جميلة...
أستطيع أن أبرز الضوابط الإسلامية لسلوك الأفراد مهما كانوا عباقرة، فالعبقري في أي علم أو فن يجب أن يستشعر نعماء الله عنده، وأن يكون أتقى لله وأحفظ لحدوده، وأرعى لحقوقه من الآخرين..
والمصادر الوثيقة لتحدي ما نفعل وما نترك وما نأمر وما ننهى، هي كتاب الله وسنة رسوله، لا الشائعات الطائرة في ميدان العلم الديني!.
قرأت السطور التالية(51) عن تعلق الأوروبيين بالفنون الجميلة ثم ضربت كفا بكف من شدة العجب للضلال المبين الذي استولى على أفئدة هؤلاء الذاهلين، وهاكم ما كتب نقلا عن كتاب «الثقافة الإسلامية» للأستاذ محمد مرمادوك بكثال قال: «لا شك أن بعضكم يذكر البحث الذي أوردته الصحف البريطانية من سنوات، كان السؤال: لنفرض أن تمثالا يونانية شهيرا جميلا فريدا في نوعته، وهو من أجل ذلك لا يعوض، كان في غرفة واحدة مع طفل حي، ثم اندلعت النيران في الغرفة، ولم يكن في الإمكان إلا إنقاذ واحد من الإثنين إما التمثال وإما الطفل(!) فأيهما يجب إنقاذه؟.
إن كثرة عظمى من الذين أجابوا على هذا السؤال في رسائلهم الى الصحيفة من الرجال ذوي الثقافة والمكانة المرموقة قالوا ِ حسب ما أذكر ِ أنه يجب إنقاذ التمثال وترك الطفل يهلك(!).
وكانت حجتهم في ذلك: أن ملايين الأطفال يولدون يوميا على حين أن هذا التمثال لا يمكن تعويضه، فإنه عمل فني عظيم من تراث اليونان».
أرأيت كفرا أقبح من هذا الكفر؟ وإهانة للإنسانية أبشع من هذه الإهانة؟.
حجر يستنقذ وطفل رقيق وديع يترك حطبا للنار؟.
المثير في هذه القضية أن مصورا يرسم على الورق منظر الشروق أو الغروب بمهارة تحاكي الأصل أو تومئ إليه يعد فنانا جديرا بالإشادة والتقدير! أما صاحب الأصل نفسه، أما فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، فهو ينسى أو يجحد، ولا توجه اليه عبارة ثناء!!.
عندما يجيء فنان حجر فيطبع عليه صورة إنسان، يكون رجلا عظيما..
وتبلغ عظمته القمة عندما يقترب في نحته من قسمات الإنسان الأصيل وتعابير وجهه..
أما خالق الإنسان نفسه ومبدع الحياة في خلاياه ومجرى الدم في العروق، وبارئ الحس في الأعصاب، ومودع الذكاء في المخ، ومطلق هذا البشر العجيب ليملأ الدنيا حراكا وإنتاجا. هذا الخالق الماجد لا تذكره الحضارات الضالة بكلمة تقدير وإعزاز.
إن الوثنيات اليونانية والرومانية انتقلت الى الحضارة الأوروبية، وليست النصرانية إلا قشرة مزورة ملصقة على وجه كفور يرفضها وينأى عنها.
أما الحضارة الإسلامية فشأو آخر، إنها ترمق عظمة اله قبل كل شيء، وانظر الى أبي حامد الغزالي يتحدث عن الجمال وفنونه فيقول(52):
إن الفن محاكاة للجمال الذي أبدعه الله في آفاق العالم، أو هو تشبيه للصنعة بالخلقة وما من شيء بلغه أهل الصناعات بجهدهم إلا وله مثال في الخلقة التي اخترعها الصانع الأعلى! فمنه تعلم الصانعون، وبه اقتدوا!.
ويقول: كل جمال في العالم تدركه العقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدئ العالم الى منقرضه ومن ذروة الثريا الى سفوح الثرى، فهو ذرة من خزائن قدرته سبحانه.
***
وأنقل هنا سؤالا وجوابا يتصلان بموضوع البحث، حتى لا تبقى هنالك أثارة من شك أو شبهة...
– من موقف الإسلام من مظاهر الحضارة الحديثة، السينما والمسرح والموسيقى والفنون جميعها، كالرسم والنحت والتصوير؟.
الحضارة الحديثة نتاج تقدم علمي باهر، وصل إليه الإنسان بعد قرون من ابحث المضني والتجارب الغالية! ولم يكن عجبا أن يستغل الإنسان كشوفه لاسرار الكون وقواه الخفية في ترقية نفسه وترقية معايشه، بل إن لك أقرب الى الحكمة من استغلال هذه الكشوف في تدمير الحضارة نفسها وتيسير الانتحار الجماعي على الناس!.
وأحسب أن التقدم الصناعي العام وفر للجماهير متعا ما كان يحصل عليها الملوك الأقدمون! الاطعمة أنعم، والاشربة صنوف، والملابس تفضل الحرير نسجا ولونا ورقة، وأدوات النقل أغنت عن الخيل والبغال والحمير، والقيان التي كانت تغنى في مقاصير الامراء انتقل صوتها الى الأكواخ، ونام على لحنها العمال والفلاحون، والمرء في المشرق يكلم صاحبه في المغرب بثمن ميسور، وربما بلغ الناس من الرفاهة درجة أعلى، وملكوا غدا أنصبة أكثر..!.
ومع هذا كله فالأعصاب مشدودة، والاطماع طاغية، والبكاء على القليل المنشود يفسد السعادة بالكثير الموجود، وتحاسد الأفراد والاقطار أشعل البغضاء هنا وهناك!
وقيل في وصف العالم: أن عضلاته أكبر من فكره، ولو أنصفوا لقالوا: إنه عالم يذكر نفسه، وينسى ربه، ويجحد حقه، ويمارى في لقائه، ويظن أن هذه الدنيا كل شيء، فلا امتداد لوجود آخر، ولا حياة إلا هنا...!!.
وأنا رجل مسلم أحب الحياة وأبتهج بطيباتها! إن الله استضافني في كونه وأطعمني خيره فمن السفاهة أن أرفض الكرم المبذول، ومن السفاهة كذلك أن أضن بشكر المنعم!.
إن الله تبارك اسمه يعطي الفضل ولا يطلب إلا الاعتراف بالجميل، فهل هذا ثمن فادح؟؟.
يبدو أن ناسا كثيرين يعز عليهم دفع هذا الثمن «وقليل من عبادي الشكور»(**).
عى ذلك الأساس أنظر الى ما قدمته الحضارات قديمها وحديثها! إنه ِ كما علمني الإسلام ِ لي وليس لغيري، أليس يقول الله: «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا»(***)؟.
ومن ثم فالأصل في الأشياء الاباحة، ولا تحريم إلا بنص قاطع، والواقع أن نفرا من سوداويي المزاج أولعوا بالتحريم ومنهجهم في الحكم على الأشياء يخالف منهج نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والأديرة رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم».
وقد أشاعت المدين الحديثة «الراديو والتلفزيون» وغيرهما من الأجهزة الناقلة للثقافة والملاهي على سواء، ومعروف أن هذه الأجهزة أدوات غير مسئولة عما يصدر عنها، وإن المسئولية تقع على المؤلفين والمغنين والمخرجين، ففي استطاعتهم أن يقدموا النافع ويحجبوا الضار..!.
لقد كان من المستطاع أن نتوسل بهذه الأجهزة لاشاعة اللغة السليمة وتذوق الآداب الرفيعة وحماية الأخلاق ودعم التقاليد الفاضلة، بل كان من الممكن أن ندرب الألوف على اتقان حرف نحن محتاجون إليها، وأن نرفع مستوى الأداء لاشغال كثيرة، فإن البطالة السافرة والمقنعة تفتك لدينا بأعمار الناس.
كان من الممكن أن نحارب عادات ضارة موروثة أو مستوردة انتشرت بيننا ووقفت مسيرتنا، إن وسائل الاعلام لو أحسنا استغلالها تصنع الكثير، ولكن ذلك لا تستطيعه إلا أمة تحس أن لها رسالة في الحياة، أما الأمة الذنب فقد سقط عنها التكليف لأن غيرها يشدها.
قد يفهم من ذلك أني أحارب الغناء والموسيقى والترويح عن النفس.. لا، ولكني ألحظ أن الأمة العربية والإسلامية تريد أن تعمل قليلا وتغني كيرا، والاستجمام حق المرهقين لا حق القاعدين!.
أما الغناء فكلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح، ومن غنى أو استمع الى غناء شريف المعنى طيب اللحن فلا حرج عليه! وما نحارب إلا غناء هابط المعنى واللحن...
لم يرد حديث صحيح في تحريم الغناء على الاطلاق، وقد احتج البعض بقوله تعالى «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا، أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها..»(****).
ولعمري أن من يشتري جد الحديث او لهوه للأسباب المذكورة في الآية جدير بسوء العقاب، أما من يريح أعصابه المكدودة بصوت حسن ولحن جميل فلا علاقة للآية به، وكما يقول ابن حزم: لو اشترى مصحفا للاضلال فهو مجرم...
ويبدو أن اقتران الغناء ببعض المحرمات من خمر وفحش. وما يشاع عن البيئة الفنية من تحل، هو الذي جعل عددا من العلماء يحرمه، والى هذه الجملة من الرذائل يشير حديث البخاري الى من يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف..
بيد أنه ليس من الضروري أن تجتمع هذه العناصر كلها عند سماع أغنية.. وعلى أية حال فإذا كان الغناء مقرونا بتلك المحرمات فهو مرفوض، أما إذا برئ منها فلا شيء فيه.
والموسيقى كالغناء وقد رأيت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح صوت أبي موسى الأشعري ِ وكان حلوا وقد سمع يتغنى بالقرآن ِ فقال له: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود! ولو كان المزمار آلة رديئة ما قال له ذلك.
وقد سمع رسول الله صوت الدف والمزمار دون تحرج، ولا أدري من أين حرم البعض الموسيقى، ونفر من سماعها؟.
على أن الألحان تختلف في تأثيرها وصداها النفسي، فإذا كان هناك مجال لاعتراض فعلى الأصوات الخنثة والألحان الطرية المائعة..
ونعود الى ما بدأنا به موضوعنا وهو أن أمتنا بحاجة الى الكثير من الجد والقليل من اللهو، ولو رزقنا بفنانين ذوي شرف ومقدرة لأمكن تحويل الفنون الى عوامل للبناء لا للهدم، ولإثارة المشاعر النبيلة لا اهاجة الغرائز الدنيا..
أما الصور فيجب أن نرق بين نوعين: المجسم الذي يصنعه المثالون الآن لأغراض شتى! والرسوم التي توضع على المسطحات من أوراق وأقمشة وغير ذلك.
والتصوير سواء كان شمسيا أو قلميا هو جزء من الطب والأمن والعلوم الكونية والحيوية والتاريخ والشئون الاجتماعية الكثيرة، والأصل فيه الإباحة لحديث مسلم «إلا رقما في ثوب» والحديث رزين سئل ابن عباس عن أجرة كتابة المصحف، فقال: «لا بأس إنما هم مصورون، وأنهم إنما يأكلون من عمل أيديهم».
ولم يقل أحد أن صورة الوجه في المرآة محرمة، ولا يقول أحد أن أثباتها بطريقة أو بأخرى تحول المباح الى محرم..
ولا يحرم من هذا النوع إلا ما حمل طابعا دينيا لعقائد يرفضها الإسلام كصور بوذا، أو ابراهما، أو صلبان النصارى، أو أي شعار ديني يخالف التوحيد..
كما يحرم أي تصوير يخل بالآداب، ويحرك الغرائز الى المعصية..
أما التماثيل المجسمة إن النصوص الواردة تتظاهر على رفضها ما لم تكن ألاعيب للصبية أو عرائس هزلية كحلوى المناسبات المختلفة، فإن أحدا لا يفكر في توقيرها أو عبادتها..
لقد رأيت بعيني من يعبدون هذه الأصنام في جنوب آسيا، ورأيت في مصر من يحيي بخشوع تمثالا لعبد الناصر!! وذلك أثناء نقله من مكان الى مكان..!!.
وأعرف ان هناك من رجال الفتوى من يحرم التصوير كله سواء كان مجسما أو كان رسما على ورق، وأخشى أن يكون سوق النصوص مقطوعة عن ملابساتها سببا في ضياع الدين والدنيا معا!.