مقدمة الطبعة السادسة. 3
مقدمة الكتاب.. 5
نماذج للرأي.. والرواية. 8
في عالم النساء. 22
الدين بين العادات والعبادات.. 50
المس الشيطاني .. حقيقته وعلاجه. 56
فقه الكتاب أولا... 62
أحاديث الفتن. 72
وسائل وغايات.. 78
القدر والجبر. 82
خاتمة. 92
الهوامش... 101
فوجئت بصدور خمس طبعات في خمس شهور من هذا الكتاب! مما دل على ظمأ القارئ المسلم الى العلم النافع والدراسة النزيهة..
واتفقت مع الناشر على أن تصدر الطبعة الجديدة وبها زيادات ذات بال، انتفعت فيها من تصويبات أهل الذكر الذين حاورتهم أو كتبوا الي أو سمعت صوتهم من بعد..
وقد شتمني بعض الناس فوجدت الإعراض أولى! ومن من الأنبياء لم يشتم؟ فليتأس أتباعهم بهم في الصبر والتجاوز..!
|
قالوا: الآله ذو ولد! |
قالوا الرسول قد كهنا! |
|
ما نجا الله والرسول معا |
من لسان الورى، فكيف أنا! |
لكن الشتم الذي أوجعني اتهام البعض لي: بأني اخاصم السنة النبوية!!.
وأنا أعلم أن الله ورسوله أحب الي مما سواهما، وأن إخلاصي للإسلام يتجدد ولا يتبدد، وأنه أولى بأولئك المتحدثين أن يلزموا الفقه والأدب..
فغايتي تنقية السنة مما قد يشوبها! وغايتي كذلك حماية الثقافة الإسلامية من ناس قيل فيهم: إنهم يطلبون العلم يوم السبت، ويدرسونه يوم الأحد، ويعلمون أساتذة له يوم الاثنين. أما يوم الثلاثاء فيطاولون الأئمة الكبار ويقولون: نحن رجال وهم رجال!!.
وهكذا بين عشية وضحاها يقع زمام المسلمين الثقافي بين أدعياء ينظر اليهم أولو الألباب باستنكار ودهشة.
وإذا كان هؤلاء لم يرزقوا شيوخا يرونهم، أو أساتذة يثقفونهم فسوف تربيهم الايام والليالي وما أحفلها بالعجائب..!!
وقد رأيت أن أدخل الإضافات الجديدة في مادة الكتاب نفسه، مشيرا في الهامش الى أنها ردود على شبهات، أو إجابة على تساؤلات.
وأؤكد أنني مع جمهرة الفقهاء والمتحدثين عن الإسلام، ولست صاحب مذهب شاذ، بل إنني من صميم الجماعة ومن حماة أهدافها، وأولو العلم يعرفون ما أعني.
والخطورة تجئ من أنصاف متعلمين أو أنصاف متدينين يعلو الآن نقيقهم في الليل المخيم على العالم الإسلامي، ويعتمد أعداء الإسلام ِ في أوربا وأمريكا ِ على ضحالة فكرهم في إخماد صحوة جديدة لديننا المكافح المثخن بالجراح..
إن الحضارة التي تحكم العالم مشحونة بالأخطاء والخطايا، بيد أنها ستبقى حاكمة مادام لا يوجد بديل أفضل!.
هل البديل الأفضل جلباب قصير ولحية كثة؟ أم عقل أذكى وقلب أنقى، وخلق أزكى وفطرة أسلم وسيرة أحكم؟.
لقد نجح بعض الفتيان في قلب شجرة التعاليم الإسلامية فجعلوا الفروع الخفيفة جذوعها أو جذورا، وجعلوا الأصول المهمة أوراقا تتساقط مع الرياح!.
وشرف الإسلام أنه يبني النفس على قاعدة «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها» وأنه يربط الاستخلاف في الأرض بمبدأ «الذين إن كناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر».
وأنا أتوجه إلى أمراء الجماعات الدينية الأكارم، والى الأوصياء الكبار على تراث السلف أن يراجعوا أنفسهم كي يهتموا بأمرين:
أولهما: زيادة التدبر لآيات القرآن الكريم.
وآخرهما: توثيق الروابط بين الأحاديث الشريفة ودلالات القرآن القريبة والبعيدة، فلن تقوم دراسة إسلامية مكتملة ومجدية إلا بالأمرين معا..
إن الصلف مع العلم رذيلة، فكيف إذا كان الصلف مع عجز وقصور؟؟ وهذا الكتاب حصيلة تجارب كثيرة في ميدان الدعوة أردت به ترشيد الصحوة، وشد أزر العاملين المخلصين.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب».
محمد الغزالي
قلبي مع شباب الصحوة الإسلامية الذين عملوا الكثير للإسلام، وينتظر منهم أن يعملوا الأكثر.
إنهم اشتبكوا مع الروس في أفغانستان فطلعوا عليهم بالردى، واضطروهم الى الفرار، ولا يزالون مشتبكين مع فلول المرتدين والخونة، والمعركة لا يؤذن ليلها بصبح قريب، والمعاناة مستمرة.
وقد اشتبكوا من قبل مع الفرنسيين في الجزائر، وكانت تضحياتهم بلا موارا بالدماء والأشلاء، حتى تأذن الله بالفرج، وانكسرت القيود، وعادت صيحات التكبير تنبعث من المساجد التي غلقت «ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها. أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين. لهم في الدنيا خزي ولهم ي الآخرة عذاب عظيم»(1).
وعندما كانت معركة فلسطين إسلامية القيادة والوجهة تضاعفت خسائر اليهود، واصطدمت أمانيهم بأسوار من جديد. ولو ظلت المعركة على طبيعتها فترة أخرى لولى اليهود الأدبار، ورجعوا من حيث جاءوا الى شرق أوربا أو غربها.
لكن المؤامرات العالمية سحبت الإسلام من المعركة وجعلت العرب يقاتلون بلا دين فقامت إسرائيل، ونفخ أوداجها الغرور!.
ثم عاد الإسلام كرة أخرى الى الساحة فإذا انتفاضة جديدة تشعل نار المقاومة، وتذكر العدو والصديق بأن الإسلام وحده هو النجاة!
إن قلبي ولبي مع الصحوة الإسلامية التي تحاك لها المؤامرات العالمية، ويتعرض أبطالها الى ظلم بعد ظلم وألم بعد ألم...
أريد أن أقول للشباب لمكافح: إن تحرير الأرض من محتليها الأجانب هدف عظيم إلا أنه بعض ما نعمل له!
إن السيخ في القارة الهندية يسعون لإقامة دولة للسيخ!
فما دولة السيخ! وما وزنا الإنساني في الأولين والآخرين؟ لا شيء.
إن دولة للعرب قد تقوم هنا أو هناك بعيدة عن الدين، فما قيمة ذلك وأثره؟ إننا طلائع الإسلام الذي يريد إعلاء الوحي الإلهي، وإنصاف الفطرة الإنسانية، وترشيد الحضارة كي ترتبط بربها وتسير على هداه...
إن تراثنا الذي قاد العالم دهرا يجب أن ينهض من كبوته، ويستأنف رسالته ويغسل الأرض من أدرانها.
لذلك أنظر باهتمام شديد الى الجو الفكري الذي يسود ميدان الصحوة، وأتابع بقلق مده وجزره وخيره وشره، وخطأه وصوابه! معتقدا أنه بقدر ما يقترب من الحق تسانده بركات السماء وخيرات الأرض...
وقد تدارست مع أولى الألباب هذا الجو الفكري السائد. واتفقت كلمتنا على ضرورة التعامل معه برفق، واقتياده الى الطريق المستقيم بأناة..
ولاحظنا أن الحقائق الرئيسية في المنهاج الإسلامي لا تحتل المساحة العقلية المقررة لها، وهذه الحقائق افتقدنا الكثير منها في مسيرتنا التاريخية لسيما في القرون الأخيرة!.
فلو كانت أنظمة الحكم اهدى، وعناصر الحرية والعدالة أقوى، ما كنا نسقط في براثن الاستعمار الذي اجتاحنا وكاد يمحو وجودنا ورسالتنا.
ما قيمة نهضة ا تعرف أسباب هزائمها السابقة؟.
إن السلطات المستبدة قديما وحديثا تسرها الخلافات العلمية التي لا تمسها! هل الشك ينقض الوضوء أم لا؟ هل رؤية الله في الآخرة ممكنة أم ممتنعة؟ هل قراءة الإمام تكفي عن المصلين أم لا تكفي؟.
إن حكام الجور يتمنون لو غرق الجمهور في هذه القضايا فلم يخرج! لكنه يشعر بضر بالغ عندما يقال: هل الدولة لخدمة فرد أم مبدأ؟ فماذا يكون المال دولة بين بعض الناس؟ هل يعيش الناس ِ كما ولدوا ِ أحرارا أم تستعبدهم سياط الفراعنة حينا ولقمة الخبز حينا؟.
إن البدوي الذي خاطب الفرس أيام الفتح الأول قال لهم: جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة الله الواحد.
كان هذا البدوي بفطرته الصادقة يعلم ما هي الحائق الكبرى في المنهاج الإسلامي فيفتح البصائر عليها..
وقد أوجع فؤادي أن بعض الشباب كان يهتم بهذه المسألة: هل لمس المرأة ينقض الوضوء أم لا؟.
وكان اهتمامه أحد وأشد من إجراء انتخابات حرة أو مزورة!!
إن عدم سيطرة الحقائق الكبيرة على الوعي الإنساني لا يمكن التغاضي عنه..
وشيء آخر نريد الحديث عنه! ما هو المنطق الذي عوملت به القضايا الثانوية بعدما استحوذت على الأفكار...؟.
لقد شاعت الأقوال الضعيفة والمذاهب العسرة، ورجحت الآراء التي كانت مرجوحة أيام الازدهار الثقافي الأول، حتى وهل الناس أن الإسلام إذا حكم عاد الى الدنيا التزمت والجمود!.
قال لي أحد الناس: ماذا كنت تفعل في«أسيوط» عندما تفاجأ بفرقة من المغنيين تريد «إحياء»«ليلة خليعة»؟.
قلت: سأذهب الى قائد الفرقة وأقول له: نحن نريد سماع كلمات وألحان معينة فهل تلبون رغباتنا؟ فإذا قال: ما تريدون؟ طلبت منه أغنية:
|
«أخي جاوز الظالمون المدى |
فحق الجهاد وحق الفدا»..!! |
أو أغنية: يا ظالم لك يوم..!!
أما أن تغني لنا «ليلنا خمر....» فسوف نغلق فمك أو نحشوه بالتراب!
إن إخواننا يقتلون في ميادين كثيرة ولا نرحب بالسكر والنشوة ومصارع المجاهدين تتنامى حولنا..
إننا نكره الفنون الرقيعة ونطارد الماجنين الذين يشيعون بين الناس الخنوثة والضعف..!!.
ماذا لو شرحنا موقف الإسلام بهذا الأسلوب؟.
إذن ممثلين يعيشون في الأوحال صنعوا لأنفسهم بطولة على اساس أن الإسلام يحارب الفن!!
نحن الذين مكنا المهازيل من الدعوى العريضة، وهم بفنونهم الرخيصة لا يساوون شيئا..
وزاد الطين بلة أن قيل للشباب الساذج: نحن لا نريد أقوال الرجال ولا مذاهب الأئمة. نريد الاغتراف مباشرة من الكتب والسنة..
وأنا أكره التعصب المذهبي وأراه قصور فقه، وقد يكون سوء خلق..
لكن التقليد المذهبي أقل ضررا من الاجتهاد الصبياني في فهم الأدلة.. وبديهي أن تنشأ مشكلات ثقافية واجتماعية من هذا النهج، وأن تسمع حدثا يقول: مالك لا يعرف حديثة الاستفتاح، ولاسنة الاستعاذة ولا يدرك خطورة البسملة، ويخرج من الصلاة دون أن يتم التسليمتين، فهو جاهل بالسنة النبوية..!!
وحدثا آخر يقول: أبو حنيفة لا يرفع يديه قبل الركوع ولا بعده ويوصي أتباعه ألا يقرؤوا حرفا من القرآن وراء الإمام، وربما صلى بعد لمس المرأة. فهو يصلي بلا وضوء.
إنه هو الآخر جاهل بالإسلام..!!
وينظر المسلمون الى مسالك هؤلاء الفتية فينكرونها ويلعنونهم...
وقد كان علماء الأزهر القدامى أقدر الناس على علاج هذه الفتن، فهم يدرسون الإسلام دراسة تستوعب فكر السلف والخلف والأئمة الأربعة كما يدرسون ألوان التفسير والحديث وما تتضمن من أقوال وآراء..
لكن الأزهر من ثلاثين عاما أو تزيد ينحدر من الناحية العلمية والتوجيهية. ولذلك خلا الطريق لكل ناعق، وشرع أنصاف وأعشار المتعلمين يتصدرون القافلة ويثيرون الفتن بدل إطفائها.
وانتشر الفقه البدوي، والتصور الطفولي للعقائد والشرائع.
وقد حاولت في كتابي «دستور الوحدة الثقافية» أن أقف هذا الانحدار، بيد أن الأمر يحتاج الى جهود متضافرة وسياسة علمية محكمة...
وفي هذا الكتاب جرعة قد تكون مرة للفتيان الذين يتناولون كتب الأحاديث النبوية ثم يحسبون أنهم أحاطوا بالإسلام علما بعد قراءة عابرة أو عميقة.
ولعل فيه درسا لشيوخ يحاربون الفقه المذهبي لحساب سلفية مزعومة عرفت من الإسلام قشوره ونسيت جذوره؟.
وأوكد أولا وآخرا أنني مع القافلة الكبرى للإسلام، هذه القافلة التي يحدوها الخلفاء الراشدون والأئمة المتبوعون والعلماء الموثقون، خلفا بعد سلف، ولاحقا يدعو لسابق.. يدعو الله بصدق قائلا: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تعجل في قلوبنا غلا للذين آمنوا. ربنا إنك رءوف رحيم»(2).
محمد الغزالي