الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: عقيدة المُسلم
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الفصل الرابع (القضاء والقدر)

الفصل الرابع (القضاء والقدر)

الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة العقائد التي اسسها الإسلام على الإيمان بالله عز وجل، وبناها على المعرفة الصحيحة لذاته العليا، وأسمائه الحسنى وصفاته العظمى.

ولا ريب أن الإسلام قد أوجب لله نعوت الكمال، وصفات الجلال والجمال، دواعي الحمد والتمجيد. ووافق العقل النقل في ذلك كله، ثم فصلت هذه الكمالات الواجبة لرب الوجود: (الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى) (الأعلى:2-3).

فكان في عداد ما ينبغي الإيمان به والاطمئنان إليه، أن لله وحده صفات العلم الواسع، والإرادة الشاملة والقدرة الكاملة، وانه –سبحانه- فعال لما يريد، عالم بما يفعل.

نعم إن الله وسع كل شيء علما، وأحاط بكل شيء خبرا.

سواء في هيمنته: دبيب النمال في جحورها، أو ثبات الأفلاك في مداراتها. وشمول علمه يستغرق الأمكنة على تعدادها، والأزمنة على تطاولها، فما تغيب عنه بقعة في المشرق أو في المغرب، وما يغيب عنه يوم في الأزل أو الأبد.

وأحداث الحياة – وما أكثر ما يلوح في آفاق الحياة من خير وشر، وبأس ورجاء، وحزن وفرح، ذلك كله استوعبه العلم الإلهي عدا وإحصاء: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا اكبر إلا في كتاب مبين) (يونس:61).

وفي صفحات هذا الكتاب خطت سطور القضاء والقدر، وعرفت مصاير الأمور، ووضحت نهاياتها، من شقاوة وسعادة. ولكن أنى لنا علم بذلك؟

إنما الغيب كتاب صانه
ليس يبدو منه للناس سوى

 

عن عيون الخلق رب العالمين
صفحة الحاضر حينا بعد حين

ويتعلق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها، وأعمال الناس وتصرفاتهم على نحوين واضحين متميزين! لكل نحو منهما حكمه الخاص وآثاره التي تترتب عليه.

وبين كلا القسمين فواصل قائمة، تجاهلها يوقع في الدين الغموض والاضطراب، ولذلك سنوضح حدود كل قسم ومعالمه.

 

نحن مجبورون في هذا كله

هناك أمور تحدث وتتم بمحض القدرة العليا، وعلى وفق المشيئة الإلهية وحدها، وهي تنفذ في الناس طوعا أو كرها، سواء شعر بها الناس أو لم يشعروا. فالعقول ومقدار ما يودع فيها من ذكاء أو غباء، والأمزجة وما يلابسها من هدوء أو عنف، والأجسام وما تكون عليه من طول أو قصر، وجمال أو قبح ، والشخصيات وما تطبع عليه من امتداد أو انكماش ، والزمان الذي تولد فيه والمكان الذي تحيا به ، والبيئة التي تنشأ في ظلها، والوالدان اللذان ينحدر منهما، وما تتركه الوراثة في دمك من غرائز وميول. والحياة والموت، والصحة والمرض، والسعة والضيق، ذلك ومثله، لا يد للإنسان فيه.

فأصابع القدر وحدها هي التي تتحرك ظاهرة وباطنة، لتوجه الحياة كما يريد صاحب الحياة. (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم) (آل عمران: 5-6).

وغني عن البيان، أن شيئا من هذا ليس محل مؤاخذه ولا موضع حساب، وإنما لفتنا النظر إليه لتعرف أن الجنسية  التي تنتمي إليها، واللغة التي تنطق بها، بل نوع التكوين الذي يوجد الإنسان عليه، ذكرا كان أو أنثى.

هذا شيء من الخصائص التي لا قبل لنا بها، ولا سبيل لنا إليها، وفي مثلها يساق قول القرآن الحكيم: (ربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم، واليه ترجعون) (القصص:68-70)

والإيمان بهذا الضرب من القدر واجب، والأدلة عليه متظاهرة من العقل والنقل. وعلى  المؤمن أن يوقن –من أعماق قلبه- أن هذه أمور مفروغ منها، مفرقة على ذويها، من قديم جفت الأقلام بها فلا راد لها. هذه أمور علمها الحق وأرادها، ونفذها استقلالا، ولسنا منها في قليل ولا كثير. وقد أحسن سلفنا الصالح الإيمان بها فكان أثرها في مسلكهم رائعا.

واذا علم الواحد منهم أن اجله مكتوب لا ينقصه الإقدام ولا يزيده الإحجام، أدى واجبه على وجهه الأكمل، وفي أذنيه دوي التوجيه الإلهي. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (التوبة:51).

ومواضع الرجوع إلى القضاء والتسليم لله فيما أراد، كثيرة متنوعة، وهي تعطي الرجل صلابة وقوة واندفاعا، وتملؤه عزيمة وتحملا وجلادة.

 

هنا إرادتنا حرة

أما القسم الثاني من متعلقات القضاء والقدر، فهو يتصل بأعمال على عكس الأولى. ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا. فما مدى صلتنا بها؟ وما معنى نسبة القدر إليها؟

الخطب سهل جدا، وسنجيب على هذا التساؤل بما يذر شبه المشوشين هباء إن شاء الله. إننا نحس باستقلال إرادتنا وقدرتنا فيما نباشر من أعمال تقع في دائرتهما، وكان يكفي هذا الإحساس دليلا على حريتهما لولا أن هناك من يزعم أن الإحساس يكذب أحيانا.

ولكننا نطمئن إلى صدق هذا الإحساس، ونكذب ما يغض من قيمته بعد أن نرجع إلى القرآن الكريم نستفتيه في ذلك.

ونحن نجد القرآن يؤكد هذا الإحساس البديهي، وينوه بحرية الإرادة الإنسانية. (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف:29). ولا يخليها من المسؤولية الواضحة على ما يصدر منها: (قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل) (يونس:108).

بل إن طبيعة الدين –وهي التكليف والابتلاء- لا تتحقق البتة مع استعباد الإرادة وتقييدها.. وإيقاع الجزاء كذلك لا يتوجه ويقر إلا في هذا الجو الطلق الفسيح.

وليس هنا موضع سرد الآيات الشاهدة لذلك، فالقرآن كله شواهد بينات ودلائل واضحات. فما موقف العلم الإلهي من هذا النوع من الأعمال؟ هو الاحاطة التامة والشمول الكامل: (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) (طه:52).

ولكن كيف يتفق القول بحرية الإرادة والقول بأن أعمالنا لن تخرج عن دائرة العلم الإلهي المحيط الشامل؟.

والجواب سهل: قف أمام مرآة مجلوة صافية وأنت عابس الوجه مقطب الجبين فماذا ترى؟ سترى صورتك كما هي عابسة مقطبة.

أي ذنب للمرآة في ذلك؟إن مهمتها أن تصف وان تكشف وهي قد صدقت فيما أثبتت لك، ولو كنت ضاحك الوجه لأثبتت لك على صفحتها خيالا ضاحكا لا شك فيه.

كذلك صفحات العلم الإلهي ومرائية لا تتصل بالأعمال اتصال تصريف وتحريك، ولكنه اتصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل.

غاية ما يمتاز به العلم، انه لا يكشف الحاضر فقط، ولكنه يكشف –كذلك الماضي والمستقبل. فيرى الأشياء على ما كانت عليه، وعلى ما ستكون عليه، كما يراها وهي كائنة سواء بسواء؟

بقي بعد ذلك تفسير ما قررناه من شمول الإرادة العليا، ومن هيمنة القدرة العليا على الخلائق كافة، فما معنى ذلك وكيف يتفق مع حرية الإرادة الإنسانية؟

  

معنى يضل من يشاء ويهدي من يشاء

الخطب في ذلك سهل كذلك، ولن نذهب في بيانه إلى ابعد من كتاب الله لمن شاء أن يفهم. (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (القمر:17).

ونحن نجد أن إطلاق المشيئة في آية، تقيده آية أخرى يذكر فيها الاختيار الإنساني صريحا. أي أن إضلال الله لشخص، معناه: أن هذا الشخص آثر الغي على الرشاد، فاقره الله على مراده، وتمم له ما يبغي لنفسه.. (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين) (الصف:5) وانظر إلى قيمة التنويه بالاتجاه البشري المعتاد. (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) (النساء:115).

هل بقي غموض في إطلاق المشيئة؟ لا

إن معنى قوله (يضل من يشاء) لا يعدو قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) (البقرة:26-27). وكذلك الحال في (يهدي من يشاء).

انظر إلى قيمة الإرادة الإنسانية في قول الحق وهو يتكلم عن إرادته: (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (الرعد:27-28) فهو يهدي إليه من أناب (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين).

اجعل أيها القارئ هذا المصباح بين يديك، وسر في نوره بين شتى السور فلن تجد في دين الله قلقا أو اضطرابا. وإنما القلق والاضطراب في عقول الحمقى، وقلوب الغافلين.

وهنا قد يسأل بعض الناس عن حدود الإرادة الدنيا والعليا في الأعمال. ومع أن هذا السؤال لا مبرر له، فنحن نتبرع بالإجابة عنه حتى يظهر السر في نسبة الهداية والإضلال، تارة لله، وتارة للإنسان.

هل تعرف ما يفعله الفلاح في حقله؟ انه يلقي البذور، ويتعهده بالسقي وعلى الله الإنبات والإثمار. وتستطيع أن تسمي الفلاح زارعا –وأنت صادق- لقيامه بالسبب. وتستطيع أن تسمي الحق سبحانه زراعا لقيامه بالعمل. (أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لجعلناه حطاما) (الواقعة 63-65). فما للإنسان في سعيه مثل ما للفلاح في زرعه.

فازرع عمرك –إن شئت- خيرا، فان يد القدرة سوف تنميه لك وردا يانعا. أو ازرعه –إن شئت- شرا، فان يد القدرة تنميه شوكا رائعا. (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة:105).

  

كذب على دين الله

على انه كثيرا ما يحدث أن تختلط مظاهر الجبر الإلهي بمظاهر الاختيار الإنساني في أقوال عديدة لا نريد الآن أن نضرب لها الأمثلة. وإنما نريد أن ننبه إلى أن الحساب الأخروي شبيه بالمعادلات الرياضية ! يؤخذ منه ما لله ثم يحاسب العبد على ما قدمت يداه. (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها) (النساء:40).

ولكن فريقا من الناس زعم أن الله كتب كل شيء، ثم سخر الناس في هذه الحياة لتنفيذه، واجبرهم على ما يفعلون وترك ما يتركون.

وكان صدى هذه العقيدة الخرافية أن نسمع إلى بعض الجهلة من المتصوفين يرى المنكر أمامه فيهز كتفيه قائلا: (وضع العباد فيما أراد).

أو نسمع لأحد العصاة من المتبجحين وهو يقول لك –حين تنصحه-: غدا يهديني الله. وقريب من ثرثرة هؤلاء المغفلين قول المشركين –قديما في الاعتذار عن ضلالهم-: ولو شاء الله فعل بنا غير ذلك!

وقد زيف القرآن هذه الأباطيل في غير موضع واحد من آياته البينات. (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من شيء، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وان انتم إلا تخرصون) (الأنعام:148).

وانظر كيف يرفض القرآن هذه المكابرة الآثمة، إذ لا يلتفت للرد عليها حتى لا يكون نقاشها نوعا من الاعتراف بها. (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من  شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (النحل:35).

وما اثر هذا البلاغ المبين عند الله وعند الناس، انه اثر يقطع دابر المحتجين. (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما) (النساء:165).

ألا فليفهم ذلك النيام! ليفهم الشقيون الكسالى ممن يصطنعون الفلسفة والإدراك!  ليفهم  ذلك الذين آتاهم الله العزيمة والقدرة، فهانت عزائمهم، ووهت قدرتهم، وناموا في ظلال الهزيمة والعار، على حين برز في الحياة أصحاب الهمم الجبارة والسبق البعيد!

ليفهم ذلك الذين ظنوا عقيدة "القضاء والقدر" ثغرة في الإسلام ينفذون منها إلى حماه الكريم و (ويل لكل أفاك أثيم) (الجاثية:7).

  

الاعتذار بالأقدار

كثيرا ما يعتذر الإنسان عن أخطائه بتهوينها أو تبريرها. وقد يعالج الخطأ التافه بخطيئة جسيمة، بأن يجنح إلى الكذب مثلا، أو إلى الجدل الذي لا ينطوي إلا على الدجل.

قد يؤمر الإنسان بشيء ما، فيثاقل عنه، ويخلد إلى الأرض ولا يؤديه، وقد يزجر عن شيء ما، فيخدع به وينزلق إليه. فإذا ما حدثته في صنيعه هذا، لم يذكر علته الحقيقية من كسل عن الخير أو ميل إلى الشر.

بل قال _ في صفاقة _ : ما حيلتي ؟ إني مقهور ... معذور...

مردداً قول المشركين القدماء _ لما نفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم من عبادة الأصنام _ : ( وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، مالهم  بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون* أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون) (الزخرف:20-21).

إن تجاهل الإنسان لما زوده الله به من قوة وتفكير، وما ذرأ في طبيعته من استعداد للرفعة والضعة، وما وهبه من حرية يتوجه بها إلى الخير والشر دون أي ضغط أو ظلم.

إن ذلك التجاهل لا ينقص فتيلا من مسؤوليته الملقاة على عاتقه، مهما قارنه من المكابرة والمراء. وقد ضمني مجلس مع نفر من أولئك الذين يرمون على القدر أثقالهم، واستمعت إلى ما تعللوا او تعلقوا به من افهام، فوجدت أكثرها افهاما مغلوطة حول ما ورد من نصوص. وان كانت هذه الاغاليط قد راجت –للأسف- بين جماهير العامة.

لقد رفض النبي (صلى الله عليه وسلم) من الرجال الذين بنوا أنفسهم على الجهاد والعبادة أن يستريحوا ساعة بإسم هذا القدر.

فعن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طرقه وفاطمة ليلا فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئا لشدة استغرابه –ثم سمعته يقول- وهو مول يضرب فخذه بيده-: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) (الكهف:54). إن هذه الكلمة من أبي الحسن ردت النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يعجب كيف قيلت.

ولئن تمشت مع طبيعة الإنسان في الجدل، إنها ليست من طبيعة رجل كعلي له في دين الله مكانته. ولعلها اثر الجهاد والكلال الذي يصيب المرء بعد ما يأوي إلى فراشه، فتأتي أحكامه دون ما ينتظر منه.

وقد روي بعضهم قصة آدم مع موسى دليلا على جواز الاعتذار بالقدر، وهي كما رواها ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : "احتج ادم وموسى، فقال موسى: يا ادم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة! فقال له ادم: أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحج ادم موسى".

وهذا الحديث لا يدل على شيء قط مما يفكر فيه المعتذرون بالقدر، فالحديث ورواياته الأخرى، يشير إلى أن موسى كان يريد تحميل ادم متاعب الإنسانية كلها، ويرجع شقاء أبنائه جميعا إلى أكلته المشئومة من الشجرة. وقد دافع ادم عن نفسه بصدق.. فان وجود الحياة البشرية لم يكن نتيجة طبيعية ولا عقلية لذنب ادم.

كان من الممكن جدا أن يعاقب ادم على خطئه بأي عقاب آخر، كالتوبيخ أو الحرمان المؤقت أو غير ذلك. أما ترتيب وجود العالم الزاخر بآلامه وأماله على هذه المعصية، فهذا قدر إلهي محض لم يدر بخلد ادم، ولا يجوز أن يعاتب عليه، ومن هنا حج آدم موسى. أما مسؤولية ادم الخاصة عن ذنبه الذي استغفر الله منه، فلا صلة له بهذا الحديث. إن خطيئة ادم ليست سببا شرعيا ولا علة عقلية لوجود العالم وانتشار الناس في القارات الكبرى يشقون ويكدحون.

وفي رواية لاصحاب السنن: " قال موسى: يارب، أرنا ادم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة. فأراه أباه ادم عليه السلام. فقال: أنت أبونا ادم؟ قال: نعم، فقال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة أن يسجدوا لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك أن تخرجنا ونفسك من الجنة؟ قال: كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم! قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن اخلق؟ قال: بلى! قال: أفتلومني في شيء سبق فيه من الله القضاء قبلي؟ قال النبي (صلى الله عليه وسلم) فحج ادم موسى، فحج ادم موسى، فحج ادم موسى".

إن ادم يعلم –من غير مراء- انه اخطأ حين أكل من الشجرة، وقد اعترف بذلك عن صدق، وطلب من الله المغفرة وغفر له!

أما أنه مصدر ما وقعت فيه البشرية كلها من عناءº فهذا ما أنكره –وهو محق- وجعله من شؤون القدر الأعلى، واقتنع موسى كما رأيت. ومن السخف أن نخطئ نحن ثم نسوق كلمة ادم عذرا لنا .. على خطئنا.

إن الصورة التي يرسمها الجبريون للعالم لا تركز إلا إلى الفوضى المطلقة والخلط الشائن. ولما كان البشر –في نظرهم – يقومون بأدوار لا خيرة لهم فيها، فهم لا يفرقون بين بر وفاجر. وانك لتسمع في كلام بعض الصوفية ممن يدينون بهذا المذهب الباطل، تسوية بين ادم وإبليس، وبين موسى وفرعون، إذ الكل – في نظرهم- مدفوع إلى عمل ما قدر عليه أزلا. وليست الحياة إلا رواية يقوم أفرادها بما فرض عليهم من مواقف، وينطقون بما لقنوا من كلمات.

هذي الحياة رواية لممثل    الليل ستر والنهار الملعب

وانك لو نقبت لرأيت هذه الصورة مرتسمة في أذهان الكثيرين، بعضهم يعلنها مصارحا، وبعضهم يطويها مستحييا وان كان يدين بها. وانهيار الدولة الإسلامية راجع إلى فُشُوّ هذه الضلالة بين الناس فشواً جعل المنكر ينتشر بلا نكير، وجعل الواجبات تهمل بلا نصيح. وأساس الإصلاح يعتمد أول ما يعتمد على تصحيح الفهم في عقيدة القضاء والقدر، حتى تعود كما كانت: الدافع الأعظم في التضحية والفداء والوازع الأول على ترك الشر وفعل الخير، قياما بواجب الإنسان نحو نفسه، وتنفيذا لأوامر الله جل شأنه.

أما الآيات والأحاديث التي وردت توهم بظاهرها أن الإرادة الإنسانية غير حرة، فليست كما يظن الواهمون.

إن هذا الفهم العجيب نضجت به العقول المعوجة، ولم توح به نصوص الدين. إذ قال الله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (البقرة:6).

فليس إنذارهم وعدمه سواء، لان نفوسهم صيغت بحيث لا تقبل الحق من تلقاء ذاتها، فهي أوعية للكفر برغم أنوفها. كلا. وإنما القصد صرف همة الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن قوم طالما دعاهم، وبذل جهوده لإنقاذهم من غوايتهم، فأصروا على تنكب الصراط المستقيم بمحض اختيارهم. وقوله تعالى: (انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56). لا يعني أكثر من مواساة  الرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما مات عمه ابو طالب كافرا، وكان شديد الحرص على إيمانه.

بيد أن الرجل إلى آخر لحظة من حياته آثر الوثنية على التوحيد مع طول مناشدة الرسول إياه أن يؤمن بالله ويدخل في دينه.

وقوله تعالى: ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها) (الأعراف:179).

معناه أن الأغبياء الشاردين عن الحق يرشحون أنفسهم لجهنم بغبائهم وشرودهم، فجاء التعبير عنهم متمشيا مع أسلوب اللغة في الأداء البليغ. فمثلا يقول الأستاذ لتلامذته في الدرس –مهددا الكسالى- : إن السقوط يتخير ضحاياه من كل بليد يتلاعب بالدروس ويتناسى الامتحان.

وهذا الكلام لا يساق ليراد به ظاهره أبدا.

ثم إن كل فعل اختياري يتم، فانه يصح أن ينسب إلى الإنسان على انه السبب فيه، والى الله على انه الخالق له. فالزراعة تنسب إلى الفلاح، وتنسب إلى الله. هذا سبب البذر، والله –سبحانه- أساس الإيجاد كما ذكرنا. وإذا افرد الفعل في النسبة إلى الإنسان وحده، أو إلى الله وحده، فان إيراد ناحية لا يعني انعدام الأخرى.

وإذا استصحبت هذه القاعدة معك فهمت –على ضوئها- آيات كثيرة من غير تشويش. على أن الفعل قد يكون من الله خلقا، ولا ينسب إليه تأدبا. ألا ترى كيف طوى الفاعل في قوله: (وإنا لا ندري اشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) (الجن:10) وكيف اسند إبراهيم المرض لنفسه، والإطعام والسقيا إلى ربه؟ (والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشقين) (الشعراء:79-80). وكذلك فعل الخضر، قال – عن خرق السفينة- : (فأردت أن أعيبها) (الكهف:79). وقال –في حفظ الكنز-: (فأراد ربك أن يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما) (الكهف:82). وقد يتواضع المؤمنون فيجردون أنفسهم من كل فضل، وينسبون إلى الله كل توفيق ويقولون: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق) (الأعراف:43). ومع ذلك، فان الله عز وجل يذكر لهم نشاطهم وسعيهم. (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) (الأعراف:43).

وقد جاءت في القدر أحاديث شتى عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، توضح ما قد يشتبه على الأنظار فيها حتى تقطع الاعتذار الباطل بها.

فعن علي: كنا في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال:

ما منكم من احد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له . أما من كان من أهل السعادة فيصير لعمل أهل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاوة فيصير لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى) (الليل: 5-10) والحديث –للبصر النافذ- لا لبس فيه.

فأما أن الله عالم بما سيعمل الناس في الدنيا وما يصيرون إليه في الآخرة من ثواب أو عقاب، فهذا مما لا شك فيه. وأما أن سبق العلم هو ما يرغم الناس على العمل بما كتب أزلا فباطل. فإن العلم نور يكشف وليس قوة ترغم.

والبشر –من تلقاء أنفسهم- يتوجهون إلى ما يريدون من أهداف، والله يتمم للعبد مراده. فمن زرع تفاحا آتاه ثمرة شهية، ومن زرع شوكا جنى ما غرس.

والآية التي استشهد بها النبي (صلى الله عليه وسلم) تدل أوضح دلالة على ذلك. فان من تعلق بأسباب الخير –من عطاء وتقوى وتصديق- أكمل الله غايته ويسره للحسنى. ومن تعلق بأسباب الشر – من بخل وفجور وتكذيب- أتم له قصده وأملى له في غيه، ويسره للعسرى.

واليك حديثا آخر طالما ارجف به الجهلة، يحسبون أنهم سوف ينقضون به دين الله من القواعد، ودين الله أقوى مما يظنون، وأعلى مما يبصرون.

فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : "والذي لا  إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وان احدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" وهذا الحديث إنما يصف لنا صنفين من الناس، خواتيم أعمالهم تغاير مسالكهم الأولى مغايرة تامة. وذلك ليس غريبا فيما تحت حسّنا من أحوال الناس.

فرب فاسق ظل أكثر عمره مريض الاعتقاد سيء الخليقة، ثم أبصر آخر الأمر عواقب غيه فاهتدى.

ورب صالح ظل يعكف على الخيرات ثم غرته الدنيا فوقع في شراكها وهوى. ولو أن أحدا اطلع الغيب، ثم قارن بين ما يراه في أحوال هذين في مطالع حياتهما، وما سطر في الكتاب من خواتيم اعمارهما، لعجب وطال استغرابه. غير أن هذه المصاير المتناقضة لم يكن للقدر السابق اثر جبري في خطها على هذا النحو.

والتعبير في الحديث الوارد بسبق الكتاب لا يعني أكثر من دقة العلم وانضباطه، وهو جار في هذا على أساليب المبالغة في لغة العرب.

فقد تتوقع بشخص ما نهاية معينة، فذا وصل إليها عبرت عن ذلك بتعبيرين كلاهما صحيح.

تقول: تحقق فيه ظني، أو صدق فيه حكمي. انه ما كان يستطيع أن يفعل غير ما توقعته، أو تقول: إن حكمي لا يتخلف أبدا. وكم في اللغة من تعبيرات تقوم عل هذه التحويرات اللفظية المختلفة:

ومهمة مغبرة أرجاؤه          كأن لون أرضه سماؤه

أي: كأن لون سمائه أرضه وفي التشبيه المقلوب قالوا: كأن الصباح المتألق وجه الخليفة حين يعطي.

ويقول الله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) (الأعراف:27). والمعنى لا تفتتنوا بالشيطان.

ومهما اختلفت التراكيب والأساليب، فإن المعنى لا يخفى على اللبيب، ومن ثم فلا يجوز أن نهدر حريتنا في العمل، وان نلقي التبعة على القدر، متعلقين بما لا ينبغي التعلق به.

  

اجابة ساخرة

سألني سائل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ فنظرت إليه في ضيق شديد، وقررت أن ألتوي معه الإجابة، كما التوى هو مع فطرته في هذا التساؤل، وقلت له: الإنسان نوعان: نوع يعيش في الشرق، ونوع يعيش في الغرب، والأول مسير والآخر مخير! ففغر الرجل فاهه عن ابتسامة هي بالضبط نصف تثاؤب الكسالى والعجزة والثرثارين الذين ينتشرون في بلادنا.

ثم قال: ما هذا الكلام؟ إنني أسألك: هل للإنسان إرادة حرة وقدرة مستقلة يفعل بهما ما يفعل ويترك ما يترك، أم هو مجبور! فقلت له: قد أجبتك، الإنسان في الغرب مستقل وفي الشرق مستعمر. هناك له إرادة وقدرة، وهنا لا شيء له!! فضحك احد الظرفاء وقال: هذه إجابة سياسية!! فقلت : وإنها لدينية كذلك.. يا رجل إن القوم في الغرب شعروا بان لهم عقولا ففكروا بها حتى كشفوا المساتير من بدائع الكون. وشعروا بان لهم إرادة فصمموا بها، حتى التقت في أيديهم مصاير الأمم وأزمة السياسات. وشعروا بان لهم قدرة، فجابوا المشارق والمغارب، وصنعوا الروائع والعجائب. أما نحن فهذا .. رجل من ألوف الألوف التي تزحم البلاد يأتي ليستفتي في هذه المعضلة التي غاب عنه حلها. أله حقا عقل حر يستطيع أن يفكر به؟

أله إرادة يستطيع أن يعزم بها؟ أله قوة يستطيع أن يتحرك بها؟ والى أن نثبت له نحن ذلك! سوف يبدأ فيفكر ثم يعزم ثم يعمل. أما الآن فهو –فعلا- مسير من ذلك الرجل المخير في الغرب.. ما أبعد البون بين الشخصين..!

الرجل في الغرب ألقي به في تيار الحياة، فعلم أن له أعضاء يستطيع أن يعوم بها، فظل يسبح مع التيار تارة وضده تارة الأخرى، حتى وصل الشاطئ!!.

أما هنا فلما ألقي بالرجل في معترك الأمواج، بدأ يسائل نفسه: هل أنا حي حقا، أم أنا جثة هامدة؟ أو بتعبير المتفقهين: هل أنا حر أم أعضائي مقيدة؟

ولكن التيار الجارف لا ينتظر نتائج هذه السفسطة، فلا يلبث أن يطويه اليم مع الهالكين. وليس يغني في عزائه قول الشاعر السفيه:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له:         إياك إياك أن تبتل بالماء

اعمل أيها الرجل، ولا تقل: هل أنا مسير أم مخير؟

واستغل المواهب التي آتاك الله، واشعر بان لك في الحياة حقوقا وعليك للحياة واجبات.

وكفى كذبا على الدين والدنياž

  

على هامش الأقدار

1-قد يطلق القدر على جملة القوانين التي تضبط شؤون الحياة والأحياء، وتنتظم على أساسها ظواهر الكون وبواطنه في الأرض والسموات وما بينهما، فان الله خلق الأشياء من ذرات وخلايا في كمها وكيفها لنسب دقيقة دائمة، وتؤدي أغراض وجودها في خط لا تضل عنه ولا تحيد: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه:50).

فالقوانين التي تعرف بها مقادير العناصر التي تكون الماء، والقوانين التي تعرف بها أحجام الماء، وضغوطه إذا تبخر أو تجلد أو انساب أو اندفع.

تلك كلها تقديرات الخالق التي يسير عليها ملكوته في الكائنات كلها من غير عوج أو اضطراب: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر:49). (سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى) (الأعلى:1-3) وقد أشار إلى أن ما نشاهده من نضج الثمار واستوائها، وتخلق الأجنة في أرحام الأمهات ونزولها، وتكور الليل والنهار نتيجة حركة الأفلاك في مداراتها، ذلك كله قدر حكيم، ونظام مستقيم: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم) (الأنعام: 95-96).

2-عدالة القدر لا تنافي التفضل والتميز، اعني أن الرجلين قد يؤديان عملا متشابها، ويستحقان أجرا واحدا، ومع ذلك يعطي الله الرجلين أجريهما ثم يمنح احدهما زيادة خاصة من لدنه ويترك الآخرžž!!.

وقد يرتكب مخطئان ذنبا واحدا ويستحقان عقوبة مشتركة، ثم يصدر عفو عن احدهما، ويبقى الآخر رهين ذنبه!

هذه الأحكام إنما نقررها ليعرف الناس أن الله لا مستكره له ولا قيد على مشيئته، فليأت العباد إلى ساحته وقلوبهم منفعلة بمشاعر الرغبة والرهبة فحسب! (إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (آل عمران:73-74). ومن ثم نعرف القصد من إسناد العموم إلى المشيئة العليا، ثم فيما يتصل بمغفرة الذنوب. (إن الله على كل شيء قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير) (العنكبوت:20-22).

عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس! أوتي أهل التوراة فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا. ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا. ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين! فقال أهل الكتابين. أي رب: أعطيت هؤلاء قيراطين، واعطيتنا قيراطا قيراطا، ونحن أكثر عملا منهم؟؟ قال الله عز وجل: (هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء)."

وكم في أوضاع الحياة من تفاوت يرجع أمره إلى القدر الأعلى. هذا التفاوت بما ينطوي عليه من تفاضل، هو من دعائم العمران ونظام الوجود. فمن المستحيل أن يخلق الناس متساويين في كفاياتهم المادية، أو أوضاعهم الاجتماعية والسياسية، أو أجزيتهم الدنيوية والأخروية.

والوظائف التي يقوم بها الحياة تحتاج إلى رؤوس واذرعة وأقدام، وهمم الناس تقسم على هذه الأنحاء ليؤدي الاجتماع البشري رسالته متناسقة متكاملة. وإنما يقع العيب في أعمال الناس إذا وضعوا رأسا موضع قدم؟ وقدما موضع رأس!.

والأمة التي تصنع ذلك تشبه الأحمق الذي يضع طربوشه في رجله، وحذاءه على دماغه.

وما أكثر هذه الأمم في الشرق المحتل المختل.

لندع هذه الآن فلسنا بصدد إصلاح اجتماعي، ولكننا نريد لفت النظر إلى أن الأقدار قد توزع الأعمال والأعباء على الناس، كما يوزع القائد جنوده في المعركة، فيكون حظ بعضهم الوقوف في صفوف القتال الأمامية لتلقي الضربة الأولى، بينما يكون حظ الآخرين نقل المؤن وكتابة الرسائل في مؤخرة الجبهة، وكلا العملين ضروري في الميدان.

على أن هذا التفاوت لا يضير قاعدة العدل في الجزاء، ولا يعني البتة أن القدر يبخس حقا، أو يجهل وضعا. فلكل امرئ عند الله حسابه الخاص به.

وفي دائرة ما زود الإنسان به من قوى، و اتيح له من فرص، وأحيط به من ظروف، يكون تقدير ثوابه وعقابه.

قرأت مرة: انه أقيم سباق فريد للطيران، لم يكن منح الجوائز فيه للطيار الذي يصل إلى الغاية المرسومة قبل غيره، بل كانت تجري معادلات جبرية معقدة بين قوى الطائرات.

 وما تستطيع الآلات في حدود طاقتها أن تقطعه، مع مراعاة حال الجو وامكان الرؤية وسرعة الريح.. الخ. ومعنى ذلك انه قد يحدث أن تصل طائرة مسبوقة بأربع طائرات أخرى مثلا، وتعطى الجائزة الأولى لا الخامسة، كما يظن لأول وهلة.

إن هذا السباق مثل قريب للتفاوت الشاسع بين قيم النفوس، وما أودعه الله فيه من ذكاء ومقدرة ونشاط، وتختلف أنصبة الناس منه اختلافا كبيرا، ومثل كذلك للأسلوب الذي توزن به أفعالهم، ويحكم به على جهودهم من غير إفتيات أو هضم. (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء:47).

إن النفوس أشبه ما تكون بمصابيح الكهرباء، هذا يضيء بقوة خمسين شمعة، والآخر بقوة مائة، وغيرهما بقوة مائتين. فإذا أضاء المصباح ذو المائة شمعة بقوة سبعين فقط، فهو أكثر عطلا من مصباح ذي خمسين شمعة يضيء بأربعين.

وان كان المصباح الأول في نظر الناس اسطع من الأخير.

ما أكثر الذين وهبهم الله طاقات ضخمة وظروفا مواتية، فأضاءت نفوسهم من دينه بقدر يحسبه الناس كبيرا وهو عند الله صغير.

وما أكثر الذين وهبوا نفوسا محدودة فاستنارت بصائرهم بقدر من الإسلام، يحسبه الناس هينا وهو عند الله عظيم. (يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) (الحجرات:11).

للقدر اثر عميق –كما أسلفنا- في تكوين الإنسان، وفي مدى ما يزود به من طاقة واستعداد، وفي تحديد الدائرة التي يكدح فيها ما بقي حيا.

ويتوسع علماء الوراثة في إحصاء ما ينحدر إلى الإنسان من صفات كامنة أو ظاهرة، ويرجعون أكثر مظاهر السلوك إلى ما ولد به الإنسان من ميول ونزعات.

وقد ثبت أن هناك علاقات قوية بين إفراز الغدد داخل البدن وبين اعتدال المزاج أو حدته. فنشاهد الغدد الجنسية وما ترسله من "هرمونات" في الدم، له دخل كبير في شدة مقاومة الفرد للإغراء الجنسي أو ضعفه!!.

ولمجموعة الغدد للكلى "درنال" اثر في مقدار تهيج المرء حين يخاف أو يغضب، نظرا لما تسكبه هذه الغدد في الدم من عصارات منشطة للقلب والعضلات.

من أجل ذلك نلاحظ أن الأفراد يختلفون في ميولهم وانفعالاتهم ، وتتباين مواقفهم بإزاء ما يعرض لهم من مشكلات الحياة وأعراضها ومفاتنها ومباذلها. لكن هذه الموروثات المعقدة لن تزيد في قوتها عن الغرائز العامة.

وهذه وتلك يمكن –كما يقول علم النفس- تعديلها حتى توائم القوانين المشروعة، فبدلا من أن يهتاج الإنسان للباطل يهتاج للحق!.

وأما كون هياجه عنيفا أو خفيفا في الحالين فأمر فطري لا يعنينا.. وان كنا لا نغفل حسابه في تقويم أقدار الناس. وقد نعيره اهتمامنا عند تحديد المسؤولية[1] في الذنوب المرتكبة.

ويقول علم النفس: أن هناك مصابين بالشذوذ[2] في تصرفاتهم. فيهم المولع بعد درجات السلم، أو قطع البلاط، أو مصابيح الشوارع.

ومما اثر عن الأديب الإنجليزي "جونسون" انه لا يمر بحاجز خشبي إلا لمس بيده كل قائمة من قوائمه، فإذا نسي واحدة عاد إليها ليلمسها من جديد.

ومنهم من يفزع من رؤية فأر، مع انه معروف بالشجاعة. ومنهم من يميل إلى سرقة أشياء من نوع خاص، مهما بلغت تفاهتها، مع انه من الأغنياء المحترمين!!

هذه الأمور وأشباهها تدل على أن المرء قد يسلك سلوكا لا يقصده، وان فيه قوى باطنة تعمل في الخفاء. وكان القدماء يعزونها إلى التعب أو الخبل أو الألغاز.

ولكن المحدثين يردونها إلى إيحاء العقل الباطن.

وفي مسألة تداعي المعاني، يقول علم النفس: أن هذا التداعي كثيرا ما يتحكم فينا، ويغلب إرادتنا، ويوقعنا تحت تأثير ما نحب وما نكره، ولا شك أن هناك أحوالا من الكآبة النفسية قد تتوارد على الإنسان من حيث لا يدري، فتوهي من عزمه.

وربما كانت أمثال هذه الحالات هي التي دفعت علي بن أبي طالب إلى أن يقول للنبي (صلى الله عليه وسلم) كلمته السابقة (أنفسنا بيد الله..).

وقد رفض النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله، لان قوانين الحياة العامة لا تربط بأمثال هذه الساعات الواهنة من تداعي المعاني او تنافرها، سواء أكانت في السراء أو في الضراء.



[1] و 2 في مبحث الإيمان والخطيئة وشروح طويلة لهذه المسالك، وصلتها بحقيقة التقوى

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error