الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: عقيدة المُسلم
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الفصل الخامس (العمل أساس الإيمان)

الفصل الخامس (العمل أساس الإيمان)

مقدمة

آمنت بالله، أي عرفته معرفة بلغت حد اليقين. وأسلمت له، أي خضعت لحكمه عن طواعية وانقياد. وكلمتا الإيمان والإسلام في نظر الشرع مرادفتان أو متلازمتان. فحقيقة الإسلام تتضمن أداء العبادات المطلوبة، فهي تصديق بالله وتنفيذ لأمره. وحقيقة الإيمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها. ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الإسلام، ومعنى الخضوع ملحوظ في الإيمان. ولا يقبل إسلام خلا عن اليقين، كما لا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع لله!

وقول الله تعالى: (قالت الأعراب: آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) (الحجرات:14). فان هذا الإسلام الذي ذكرته الآية، ليس الدين الحق الذي عنته الآية الأخرى:  (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) (آل عمران:85).

بل هو خضوع عن قهر ونفاق، ولا قيمة له إلا إذا سكن الإيمان القلب واستقر فيه.

والإيمان المعتبر، ما اقترن بالسمع والطاعة، وتطهر من الجحود والاستكبار عن أمر الله. (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين) (النور:47).

وقد اعتبرت كلمة "الإسلام" علما على الدين الذي جاء به صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، وتعارفت الأجيال هذه الحقيقة.

فإذا ذكر الإسلام، عرف من هذا العنوان انه الدين الذي يقوم على إتباع القرآن الكريم والسنة المطهرة. ويدخل فيه من شاء من بابه الرئيسي المعروف "كلمة التوحيد" ثم يؤدي بعد ذلك ما يفرض عليه من تكاليف شتى. على حين توسع العرف العالمي في كلمة "الإيمان".

فهناك إيمان نصراني، وآخر يهودي، وآخر وثني، وآخر شيوعي.. الخ وهذا العرف العام يغض من قيمة الحقيقة الشرعية التي ذكرناها آنفا.

فمتعلقات الإيمان، والدائرة التي يتسع لها ديننا، تجعله لا يصلح في نظرنا –إلا إذا كان مرادفا للإسلام، أو ملازما له. ولكن هذا العرف الشائع يؤكد أن الإسلام يرفض رفضا حاسما أي مسلك ينطوي على الاستهتار بالأعمال المطلوبة، والتمرد على شارعها جل شأنه. ولذلك نعد رفض الخضوع لله خروجا على الإسلام، ومروقا عن الدين، وهدما للإيمان، مهما زعم هذا الرافض من معرفة ويقين.

لقد كان إبليس يعلم أن الله واحد لا شريك له، وكان يعلم أن مصيره إليه يوم يبعثون. بيد انه لما صدر إليه الأمر: أن اسجد، فقال –مستكبرا جاحدا-: لا .. عُد كافرا ولم تشفع له معرفته بوحدانية الله، لان المعرفة المجردة عن مبدأ الخضوع المطلق لرب العالمين لا وزن لها.

والمعصية التي يقارنها هذا التمرد تخلع صاحبها من الإيمان خلعا. والشعور بتلك الحقيقة هو الذي جعل أبا بكر يسوي بين مانعي الزكاة والمرتدين برغم زعمهم أنهم مؤمنون.

فقد صدر إليهم الأمر بإيتاء الزكاة فعصوا، وشهروا السلاح، وآثروا القتال على دفع المال. فساق إليهم الخليفة الأول جيوش الإسلام تفلق هاماتهم، وتلحقهم بإبليس الجاحد المستكبر!.

فان التأبي عن قبول أمر الله والهزء بالفرائض التي أوجبهاº والفخر بالمحرمات التي زجر عنها لا يمكن أن يوصف بأنه خضوع وإسلام، إلا إذا كانت أحوال الجهال تسمى علما، وأحوال الكذابين تسمى صدقا!

وقد ذهل بعض المصنفين في الفقه، عن هذا الأصل الراسخ، فأفتوا بأن الممتنع عن الصلاة يقتل حدا، و لا يسمى مرتدا.

وهذا غلط، فان الذي يؤثر أن يقتل على أن يصلي لا دين له، فكيف يحسب من المسلمين؟

أما صلة الإيمان بالأعمال –كما فصلت في القرآن والسنة- فسنشرحها بعد.

  

سوء العمل بالدين سر أزمته في العالمين

معرفة الله والخضوع له، والإعداد للقائه والهرب من عقابه، هي لباب الدين وروح شرائعه. نعم في تعاليم الدين نظم خلقية واجتماعية كثيرة، تتناول الحياة الخاصة والعامة من القاع إلى القمة. لكن هذه التعاليم كلها بناء دعامته العقيدة أو هي أعمال غايتها وجه الله، فإذا انهارت الدعامة، أو اختلفت الغاية فقدت هذه النظم الخلقية والاجتماعية طابعها المميز، وقيمتها النفسية.

وصارت شيئا آخر له قيمة أخرى، كما تفقد الأوراق المالية قيمتها إذا فقدت رصيدها الذهبي. الدين قبل كل شيء: " شعور بوجود الله، واعتراف بحقه في حكم عباده، ووضع المبادئ التي ينطلقون منها، والحدود التي ينتهون إليها".

ومقتضى هذا الشعور الباطن، والاعتراف  الظاهر، أن نفعل ما يوصينا الله به، لا على انه خير فقط، بل على انه "انقياد لله –وقيام بحقه... إلى جانب ما فيه من خير ذاتي".. إن الوجودي قد يرى الصدق فضيلة في المعاملات التجارية وغيرها.. ولكنه لا يعبد الله حين يصدق مع غيره، فهو لا يعرف الله، ولا يؤمل فيما عنده!!.

أما المؤمن، فالصدق عنده طاعة الله الذي قال : ( يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (التوبة:119). فهو يصدق أولا إيمانا بالله، ثم هو يرتفع بإيمانه هذا إلى فضيلة الصدق..

إن الأعمال الصالحة كلها، نفسية أو اجتماعية عندما تكون جزءا من تعاليم الدين، أو جزءا من سلوك المؤمنين، تأخذ طريقها في الحياة مقترنة بهذا اليقين السماوي، أو مصطبغة بهذه الصبغة الإلهية، فيكون الإيمان بالله هو الباعث على العمل، وتكون تقواه جل شأنه إحساسا دائما مصاحبا.

ونحن بهذا الكلام نلفت الانظار الى خطورة ما شاع من مسالك بشرية مجردة تجعل الناس يتواضعون على أعراف وتقاليد قد تكون حسنة أو لا تكون، ثم يرون في الوفاء لهذه الأعراف والتقاليد الخير والفضيلة..

مع أن صلتها بالإيمان مقطوعة، بل ربما لم يفكر صاحبها في الله لحظة..

وهذا الفريق من الناس قسم الدين إلى قسمين: فما كان من عقائد وعبادات طرحه جانبا وازور عنه. وما كان من معاملات ونظم احتفى به وروجه وأكثر من الحديث عن قيمته!!

وقد علمت أن أي عمل أمر الله به، فإنما الجدوى من فعله ابتداء طاعة الله والقيام بحقه.. أما إتيانه دون نظر إلى وجه الله فلا قيمة له، وان صلحت به إلى حين بعض شؤون الدنيا. إن الإيمان بالله ليس نافلة قط في المجتمع المؤمن. إن تسبيحه وتحميده جل جلاله، يجب أن يكونا شغلا للناس، وشارة لحياتهم بالغدو والآصال.

وقد يضحك بعضهم من الحديث عن الآخرة، والجنة والنار، ويظن ذلك كلاما فات أوانه، أو كلاما يتهامس به بعض الوعاظ في مواكب الموت..

والحق أن الدين يذوب ويتلاشى يوم يكون الحديث عن الآخرة مجونا أو لغوا. إن قوافل الأحياء يجب أن تعي بلباقة وجد، أن عقيدة الجزاء الأخير ليست هزلا. وان البعد بنشاط الحياة عن الإيمان بالله واليوم الآخر، بعد عن الصراط المستقيم، وجري وراء سراب خداع.

ونحن المسلمين، يجب أن نشوب نشاطنا كله بمعالم هذا الإيمان الحق، وألا تجرفنا تيارات الحضارة المادية التي تسود الشرق والغرب، تلك الحضارة التي ذهلت عن الله، وتجاهلت وحيه، وآثرت أن تحيا وفق هواها، وان تأخذ من دينه ما لا يصادم هذه الأهواء .. ثم تطرح جانبا أهم شعب الإيمان.

المعروف في دراستنا النظرية أن الدين عقائد وعبادات وأخلاق، وان الصلة بالله هي القائد الأول لبقية الشرائع، وان صحة هذه الصلة ضمان للنجاة وان قلت حظوظ المرء من بقية التكاليف الشرعية..

ونريد أن نتوقف قليلا لنناقش هذا التفكير، فلا نجور على اصل الإيمان، ولا نجور على مجموعة الأعمال المرتبطة به والناشئة عنه.

من حق علمائنا الاقدمين أن يهدروا كل خير يصنعه الكافر، وان ينوهوا بثقل كلمة التوحيد في ميزان الصالحات.

إن وجهة نظرهم واضحة، فان الذي يرتكب في عصرنا جريمة الخيانة العظمى، تعصف جريمته بكل خير فعله من قبل.

ويوم يقال: فلان خان وطنه وباعه للأعداء، فلن ترى إلا الازدراء والمقت والإجماع على استحقاقه أقسى العقاب.

ولو قيل: أن هذا الشقي كان بارا بأمه، أو كريما مع خدمه، أو لطيفا مع أصدقائه، فان هذه الخصال جميعا تطوى في صمت، وتزم دونها الشفاه! ولا تغني عن حكم الموت المادي والأدبي الذي يستحقه هذا الخائن.

والواقع أن سلفنا نظروا إلى الكافر نظرة العصر الحاضر إلى الخائن لأمته، ورفضوا الاعتراف بأي خير يفعله، أو الإقرار بأي ميزة له.

والكافر – في نظرنا- أهل لهذا الهوان.

والجاحد لوجود الله، الخائن لنعمته، المنكر للقائه، يرتكب بهذه الخلال أشنع جرائم الخيانة العظمى، وليس له ما يدفع عنه، مهما صنع (ومن يهن فما له من مكرم) (الحج:18).

إلا أن هذه الحقيقة تولد عنها خطأ شائع،ألحق بالإيمان وأهله ضررا بليغا. فقد فهم العامة أن حسن الصلة بالله –وهو فضيلة بيقين- يجبر النقص في بقية الواجبات المفروضة. ثم تدرج هذا الفهم إلى أن هذه الواجبات يمكن أن تتلاشى، ويغني الإيمان المجرد عنها.

وانضم إلى هذا الوضع أن الذين انحرفوا عن الإيمان، ونسوا الله، أتقنوا طائفة من الأعمال الإنسانية، والفنون الحيوية، وسبقوا بها سبقا بعيدا.

وعندما قام في العالم هذا التناقض، اهتزت قضايا الدين، وتخاذلت صفوف المؤمنين، ونجمت في أرجاء الدنيا فتن عاصفة. والأمر بحاجة إلى أولي الألباب يتداركونه بصدق الفهم، ولطف العلاج.

وعلينا معشر المؤمنين أن نصلح شأننا قبل أن نطالب غيرنا بتغيير نفسه وفكره، إن الإيمان أعظم الفضائل في هذا الوجود، وهو عنصر غال، ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه ..

بيد أن الإيمان الذي يستحق هذه النعوت له نواحي عديدة، فهو صلة بالله قائمة على الخشوع والإخبات، وهو صلة بالنفس قائمة على التأديب والضبط، وهو صلة بالمجتمع قائمة على العدل والرحمة، وهو صلة بالكون قائمة على السيادة والارتفاق.

ذلكم هو الإيمان الجدير بالإعظام وحين المآب، وهو إيمان غلال منتصر لا يثبت الإلحاد أمامه في معركة، ولا يقاس به في مفاضلة.

إنما يزري بالإيمان أن يكون علاقة مفتعلة برب العالمين، لا تبعث على كمال ولا تصون عن نقص، تداري هوانها بصور العبادات المفروضة، ولا تحقق في صاحبها ولا فيما حوله خلقا عظيما، أو سلوكا ناضرا.

ومثل هذا الإيمان الصوري –وما أشيعه بين الناس- لا يرفع رأسا ولا يكسب نصرا. وهل انتفخ الإلحاد، وتحركت وساوسه إلا في ميدان لقي فيه هذا الإيمان الزائف؟ وهل رفع رايته وفرض شارته إلا بين مؤمنين من هذا الطراز المهين..؟

إننا نرفض رفضا باتا أن تعيش الخليقة بغير دين يصلح بالها، ويزكي أحوالها، ونرفض كذلك أن تعيش الخليقة بدين تأوي إليه الخرافة، وتنهزم فيه الخصائص الإنسانية العليا، وتتأخر في ظله الحياة، وتذبل ملكات الابتكار والإبداع والتجمل!

ويجب أن ننصف الإسلام، فنعلم انه دين أعلى قدر الإنسان، ورفع شأن الحياة، لا بعبادتها والتفاني فيها كما يفعل الجهال، بل بضبط رسالة الإنسان فيها وحسن إفادته منها.

الإنسان –في تصوير الإسلام- عبد لله وحده، يعرفه ويتقيه! سيد لهذا الكون – يرتفقه، ويستخدمه، ويستغل قواه..

أخ لنظرائه من الناس يتعاون معهم على الخير، ويعاشرهم بقانون العدل والرحمة.

ويعجبني قول الأستاذ إسحاق الحسيني في وصف الإسلام: "تبين في الإسلام في ضوء تاريخ الأديان البدائية والسماوية جميعا، فضيلتان: الأولى: النظر الشامل إلى الحياة باعتبارها وحدة مؤلفة من عناصر متداخلة. فالجانب الروحي لا يقل خطرا عن الجانب المادي، وأدب النفس لا يقل عن أدب الجماعة.

والمعاملات تعتمد على أسس أخلاقية، اعتماد العبادات على أسس روحية وللفرد ما للجماعة من حقوق.

والفضائل جميعا متساوية في الإتباع، لا تغني واحدة عن الأخرى. وبعبارة أخرى دعا الإسلام إلى السعادة الكاملة في الدارين، والى إقامة مجتمع فاضل مشترك في السراء والضراء، متعاون على البر والتقوى، آمر بالمعروف ناه عن المنكر، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (التوبة:71).

والفضيلة الثانية: النظر إلى الناس جميعا أسرة واحدة تتعارف وتتعاون، لا تفاضل بينها إلا بالتقوى. والنظر إلى وحدة الرسالات السماوية، وأخوة الأنبياء جميعا دون تفريق بين احد منهم.

ونجم عن ذلك النظر، سماحة في المعاملة، وعدل وإحسان، واخذ للحكمة حيثما كانت، وللفائدة حيثما وجدت، وانتشار الإسلام في الأرض، واستيعاب الحضارة  الإسلامية خير ما في الإنسانية.

وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى مكارم الأخلاق، والى الفضائل الاجتماعية، والى التعامل بالحق والعدل: كالبر بالوالدين، وإيتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين، وإطعام البائس الفقير، والرفق بالضعفاء والمرضى، والعفو، والصلح، والصبر، والصدق، والوفاء والصدقة، والتعاون على البر والتقوى، والانتشار في الأرض ابتغاء فضل الله.

وردت آيات كثيرة تنهى عن مساوئ الأخلاق والرذائل: كالجهر بالسوء من القول، وظن السوء، والكذب، والخيانة، والظلم، والبغي، والعدوان، والفحشاء، واكل الأموال بالباطل، واكل أموال اليتامى، وقهرهم والتطفيف في الكيل والميزان، والتبذير.

أما أحاديث الرسول(صلى الله عليه وسلم) وآثار الخلفاء والصحابة فكثيرة جدا، وهي جميعا مستوحاة من المبادئ القرآنية ومؤيدة إياها وشارحة لها".

وظاهر من هذا الوصف الدقيق أن العمل شبكة محكمة النسج، لا يفلت منها شيء من خير الدنيا والآخرة. لكن بعض المشتغلين بعلوم الدين، وتهذيب السلوك العام قد يهبطون دون هذا المستوى في فهم الدين وعلاج المجتمعات به.

نعم إن المعنيين بالتربية الدينية قد يسيئون إلى الإيمان. حين يتصورونه منديلا يمسح فيه الخطاءون عيوبهم، فهم يعثرون والأيمان يغفر، ويكسرون والإيمان يجبر.

وكثير من أتباع الأديان السماوية ظنوا التمسك بأصل الدين كافيا في النجاة مهما صنعوا. وقالوا: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيّهم..) (البقرة:111).

وقد فنّد القرآن الكريم هذه المزاعم، ورسم طريق النجاة الحقيقي، وهو مزيج من الإيمان الحي، والإحسان في العمل، والإخلاص لله (قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة111- 112).

وبعض الوعاظ قصار النظر قد يقعون على آثار دينية محدودة المعنى والمجال، فيسيئون فهمها وتطبيقها، ويتجاهلون بها –جملة- الكتاب والسنة، بل طبيعة الإيمان نفسه.

تلك الطبيعة التي تخلق من الموات حياة، ومن الفوضى نظاما. خذ مثلا حديث البطاقة التي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما) من أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إن الله تعالى سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب. فيقول تعالى: بلى: إن لك عندنا حسنة، فانه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها اشهد أن لا اله إلا الله، واشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: يارب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: فانك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء)..

هذا حديث مثير الدلالة: وهو لو اخذ على ظاهر يضع عن الناس شتى التكاليف الإلهية، ويبطل قوله تعالى: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) (يونس:81-82).

وعندي أن هذا الحديث –إن استقام سنده- إنما يصح في شخص مشرك، قضى حياته في الفساد، ثم آمن قبل أن يحين اجله بقليل فلم يستطع بعد إسلامه أن يبقى مدة يصلح فيما ما مضى، والحديث بهذا ينوه بما لخاتمة الإيمان من قيمة، وما لتوحيد الله من منزلة.

أما إطلاق هذا الحديث وأشباهه بين العوام أو بين الناشئة دون وعي فهو هدم للدين كله، وهو الأساس لتكوين طوائف من المتدينين، تحط من قدر الإيمان وأثره..

أن العالم اليوم فقير إلى الإيمان الذي يصله بربه صلة وفاء وبر، ويربطه بالحياة رباط إنتاج وجد، و إلا فالمستقبل حافل بالنذر.

الإيمان والعمل

صلة الإيمان بالعمل كصلة الخلق بالسلوك. فإذا آمن الإنسان بالله العظيم، وأيقن باليوم الآخر، وصدق بما جاء به المرسلون، دفعه ذلك – لا محالة- إلى استرضاء ربه، والاستعداد للقائه، والاستقامة على صراطه.

كما أن الشجاع في ميادين الخطر يقدم، والتكريم في مواطن البذل ينفق، والصادق في أداء الحديث يتحرى الحق .. الخ.

وعسير –بل مستحيل- أن يهبط الإنسان بحقيقة الدين عن هذا المستوى، أو أن يفهم من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ما يغاير ذلك. بيد أن أعداء الإسلام –وقد عجزوا عن هزيمته في ساحات القتال- لم تعيهم الحيل لسحقه في عقر داره.

فدسوا على المسلمين من يصور لهم الإسلام كلمة لا تكاليف لها، وأماني لا عمل معها. وفي ظل هذا الفهم المعوج ترى المسلم واليهودي والقبطي يتعاشرون سنين عددا، فلا تستطيع أن تميز احدهم من الآخر في شيء. الكل لا يدخل مسجدا، ولا يقيم فريضة، ولا يحترم شعيرة. والكل يشرب الخمر، ويأكل الربا، ويفجر بالأعراض.

وغاية ما بينهم من فوارق، أن اليهودي يقدس يوم السبت، وقد يذهب النصراني إلى كنيسته خلسة.

أما ذلك المسلم المزعوم فليس يربطه بالإسلام إلا اسم سجل في شهادة الميلاد فحسب.

والمؤسف أن أقواما –من أهل العلم الديني- لا يكترثون بذلك. فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد، تحصن وراءها، فأصبح يسيرا عليه، ألا يقوم إلى واجب، وألا ينتهي عن محرم.

وقد زعم هؤلاء المغفلون: أن الدين ينص على ذلك! ألا ساء ما يصنعون.

ولو فرضنا أن حزبا ما، تقدم إلى الناس وقد أضاف إلى جملة المواد التي تبين للجماهير منهاجه وتوضح أغراضه، مادة أخرى تصرح أو تلمح، بأن لكل منتم للحزب ألا يعمل بمبادئه وألا يتقيد بتعاليمه، لقال الناس أجمعون: هذا هو العبث والمجون!.

فكيف نتهم الإسلام بأنه يحمل في ثنياه ما يهدمه؟

وكيف ننطلق إلى نصوص نبحث بينها عن (المادة) التي تبيح الخروج عليه واللعب به؟ وكيف ندعي أن الأعمال أمر كمالي بحت، لا يضير نقصانه؟

أولئك هم الحمقى: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا) (الأعراف:51).

وعلى رؤوسهم يقع التفريط الهائل في إقامة حدود الله وأداء فرائضه، وما أصاب المسلمين من كوارث ونكبات عندما فهموا دينهم على ذلك النحو الابتر.

أمة تعتبر العمل من (الكماليات) الخفيفة، كيف يقوم لها دين؟ أو تقوم بها دنيا؟

إن الله –عز وجل- جعل العمل رسالة الوجود ووظيفة الإحياء –وجعل السباق في إحسانه سر الخليقة ودعامة الحساب. (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور) (الملك:2).

وما من آية في كتاب الله ذكرت الإيمان مجردا، بل عطفت عليه عمل الصالحات، أو تقوى الله، أو الإسلام له، بحيث أصبحت صلة العمل بالإيمان آصرة لا يعروها وهن.

فإذا عقدت مقارنة بين الهدى والضلال، جعل الإيمان والعمل جميعا في كفة، وجعل الكفر في الكفة الأخرى. (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء) (غافر:58). وكثيرا ما يشار إلى الإسلام وحقيقته الشاملة بمظاهر عملية واضحة محدودة. (فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة) (البلد:11-16).

بل إن العلامة التي ينصبها القرآن دليلا على فراغ النفس من العقيدة، وخراب القلب من الإيمان، هي في النكوص عن القيام ببعض الأعمال الصالحة. (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين) (الماعون:1-3).

وقد ينظر إلى الإيمان على انه وصف يلحق الأعمال، ويطرأ على السلوك الإنساني المعتاد، فيصلحه ويصله بالله، فيذكر العمل أولا كما هي مرتبة وجوده، ثم يذكر الإيمان ثانيا، على انه شرط صحته وقبوله. (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون) (الأنبياء:94).

ثم ما الذي يوزن في الدار الآخرة؟ أليست الأعمال التي تميل بالإنسان إلى النعيم أو الجحيم أو الدعاوى والمزاعم؟ (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) (الأعراف:8-9).

إننا نعرف تاريخ أمم هلكت بسوء عملها. ونعرف أن الله نقم على قوم لوط –مثلا- لارتكابهم الفاحشة، وعلى قوم شعيب -مثلا- لبخسهم المكيال والميزان، وقد عرفنا مصاير أولئك الفاسقين.

فهل امتنا –وحدها- هي التي تريد أن ترتكب السيئات، دون حذر أو وجل؟ ليس الإسلام بدعا من الشرائع السابقة، فيوجب الإيمان دون العمل.

بل إن القرآن الكريم ليقص علينا عبر السابقين لنتعظ منها، ثم لنسمع قول الله بعد ذلك: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم، لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين.. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (يونس:13-14).

هكذا نمتحن وتراقب تصرفاتنا، ويكلفنا الله بالإيمان والعمل جميعا ثم ينظر وفاءنا بما حملنا من أعباء!.

وقد خاطب الله أبناء ادم –قاطبة- بهذه الحقيقة السافرة، وافهمهم –في جلاء وقوة- أن نجاتهم في الصلاح والتقوى، لا في النفاق والدعوى: (يا بني ادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (الأعراف: 35-36).

وعندما اهتدى أولو الألباب إلى الحق، وأعلنوا إيمانهم وهتفوا: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن امنوا بربكم فآمنا) (آل عمران:193).

وعندما تضرعوا يطلبون من الرحمن أن يصفح عن زلاتهم: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) (آل عمران:193). وعندما تطلعوا إلى النصر والتمكين في الأرض، والفوز والرضوان في الآخرة: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة) (آل عمران:194).

مع هذه الحرارة في الدعاء، والإخلاص في التوجه، أعلن الحق أن استجابته مقرونة بالعمل وحده! وان الكلام –فحسب- لا يروج، وان تحقيق هذا الرجاء مرهون بجهاد وتضحيات وتكاليف: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض، فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا، لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار) (آل عمران:195).

إن النصوص الهادية إلى تلازم الإيمان والعمل كثيرة، يزخر بها القرآن وتستفيض بها السنة، وتقر الحق في نصابه، وترسم لكل مسلم غايته، وتخط له مكانته، وتقرع الآذان بذلكم الأمر الحاسم:

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (التوبة:105).

لا يعلمون الكتاب إلا أمانّي

ومن الناس من وقع على نصوص لم يفهمها، وحاول أن يشغب بها على  القواعد المقررة. وكم تدور على ألسنة العامة أحاديث شتى.

مثل ما رواه انس: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ومعاذ رديفه على الرحل قال: "يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا قال: ما من احد يشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرّمه الله على النار.

قال: يا رسول الله أفلا اخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتّكلوا!! واخبر به معاذ عند موته تأثما.

بهذا الحديث وأمثاله، تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه والتهوين من خطر العمل وآثاره. وهو تعلق باطل مردود.

قال الحافظ المنذري: "ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الاطلاقات التي وردت فيمن قال"لا اله إلا الله دخل الجنة، أو حرم على النار" أو نحو ذلك، ربما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد. فلما فرضت الفرائض، وحدت الحدود، نسخ ذلك.

والدلائل على هذه كثيرة متظاهرة. والى هذا القول ذهب الضحاك، والزهري، وسفيان الثوري وغيرهم. وقالت طائفة أخرى: لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك. فان كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته.

فإذا أقر، ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحدا أو تهاونا – على تفاصيل الخلاف فيه- حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة.

وذكر المنذري أقوالا أخرى تتفق كلها على أن ظواهر هذه الأحاديث غير مراد وكيف يعتد بظواهرها مع ورود مئات من النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تربط الإيمان أوثق رباط بأعمال معينة!. والواقع أن ما أجمل في نص يفصّل في نص آخر.

وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أمرت أن أقاتل الناس –مشركي العرب- حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فان فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).

فهذا الحديث أحصى أعمالا لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين، وهو تفسير لقول الله تعالى: (فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإخوانكم في الدين) (التوبة:11) وقوله من قبل: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة  وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (التوبة:5).

إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل، لا ما تحسب الأبصار الكليلة، والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء.

وحروف هذه الكلمة –كلمة التوحيد- منافذ تفضي بالإنسان إلى ساحات رحيبة، وآفاق ممتدة يشرب القلب فيها حقيقة التوحيد الخالص كلما سجد لبارئه وبادر إلى مرضاته، ونفر من مساخطه، وأدى الواجب وترك المحرم.

وأدران الشرك ليست كلمة تلوث الفم وحده حتى تطهرها كلمة مقابلة ينطق بها الفم. ولكن الشرك توجه الفؤاد لما دون الله، وعمل الجوارح لغير الله.

فإذا لم يسيطر التوحيد على القلب والجوارح، ويتحول إلى قوة باعثة إلى العمل الصالح فلا قيمة له!! إن كلمة التوحيد حصانة البشرية من الخنوع للآلهة المزيفة.

وهذه الآلهة ليست حجرا منحوتا فحسب، بل كل ما يقطع صلة الإرادة الإنسانية بالله، ويربطها بغير رباط الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والألم والأمل، فهو ذريعة للشرك.

وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق، وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيدا، عن الله، حتى نسوا الله أتم نسيان. فلو قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى، ما وجدت فارقا بين جحود وجحود، وكنود وكنود!!..

إلا أن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها، واولئك فهموها ولم ينطقوا بها. إن البشرية –بفطرتها- تحلق في أجواء مشرقة من توحيد الله، فإذا علقت بها حبائل الشيطان، ورانت عليها أثقال الشهوة، وزهدت في السماء ونظرت إلى الأرض ظلت تهبط وتهبط، وتسقط دون فضل الله، وتسقط حتى تصل إلى الحضيض. (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (الحج:31).

ما كانت كلمة التوحيد نبتا مشلولا في تربة خبيثة. ولكنها نبت تمتد أصوله في القلب الخصب، وتظهر آثاره ظلالا وارفة، وثمرات شهية. تظهر أعمالا طلبها الإسلام وأكدها، وربط وجوده بنمائها ووفرتها: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) (إبراهيم:24-25).

وهذه الكلمة، أعلى عند الله قدرا وأعلى شأنا، من أن يستغلها منافق أو لعوب. فالرجل العقيم من الأعمال، لا تنفعه دعواه، ولا يغني عنه إيمان منتحل: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين) (البقرة:8). (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم، ولكنهم قوم يفرقون، لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون) (التوبة:56-57).

ولما كان الإسلام قد قرر ما ينبغي عمله في الشؤون المتصلة بنواحي الحياة كافة، من أحكام ومعاملات وأخلاق، فان موقف المؤمنين تجاه ذلك واحد لا يتغير، هو الخضوع المطلق.

فإذا انكشف الغطاء عن غير ذلك، وتبين من ضلال السلوك ضلال القلب، فان الإيمان زعم باطل. وبهذا القياس فضح الله طوائف المنافقين الأولين، وبه –كذلك- نفضح أشباههم اليوم.

أعرف في إحدى المدن مصنعين للنسيج، يدير الأول أجنبي يخشى الاتهام بالتعصب، فهو يأذن لعماله أن ينصرفوا ساعة لصلاة الجمعة.

أما الآخر –يديره مسلم بالوراثة- فهو باسم إسلامه الدعي لا يخشى الاتهام، فهو يضن على العمال بالوقت الذي سمح به الأجنبي للصلاة!.

ولعلك إذا جادلته في هذا الصد عن سبيل الله تطاول على الصلاة والمصلين، ناسبا إليهم كل رذيلة. أفمثل هذا الوغد الذي لا يكترث بشعائر الإسلام يسلك في عداد المؤمنين؟

وقد تسمع احدهم يذكر تشريعات الإسلام، فيسلقها بلسان حاد، وقد تناول أنصارها بالسخرية.

إن إجماع العلماء منعقد على طرد هؤلاء من حظيرة الإسلام. وينبغي أن نسارع بغربلة الأمة الإسلامية، حتى ينفى خبثها ويعزل سقطها، ويمتاز فيها المسلمون من المجرمين والملحدين.

 

في ميدان التربية

هذه أحاديث تطيش فيها أفكار العامة. وينبغي أن نقف قليلا لديها حتى نشرح ملابساتها، ونذكر المعنى المقصود منها. والأحاديث في العفو والعقاب، والخطيئة والمتاب.

وماذا نصنع إذا كانت الأمة مبتلاة بمن يهون لديها بشاعة الأخطاء، وفظاعة الجرائم، مستندا إلى نصوص لم يفهمها، وراكنا إلى رحمة لم يتهيأ لها؟

وفساد الحضارات الدينية يرجع إلى تكون أخلاف من الناس يحرفون الكلم عن موضعه، ويخلطون خلطا شائنا في تطبيق أحكام الشريعة على أعمال الجوارح وخطرات القلوب، ويريدون أن يرتكبوا آثام الملحدين وينالوا جزاء الأوابين..

وقد عاب القرآن الكريم على اليهود وأعقابهم هذا المسلك الطائش، فذكر إقبالهم على دنايا الحياة، وارتباطهم بأعراضها الفانية، ثم آمالهم الجريئة في نعيم الآخرة، -مع ذلك- ثم زعمهم أنهم بهذه السيرة الحقيرة مستقيمون مع منطق التوراة وهدي موسى –وهذا هو الادهى-.

ذكر القرآن صورة ذلك، ووضعها أمام أعيننا ماثلة. (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب إلا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه؟) (الأعراف:169).

ثم أبان الله لهم –سبحانه- أن للمصلحين أجرهم الذي لا يضيع، وان عناصر هذا الإصلاح هي في التمسك الحق بالكتب السماوية وما تأمر به من عبادة، ومن ثم قال: (والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون * والذين يمسّكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع اجر المصلحين) (الأعراف:169-170).

ولكن أين تمسك المتدينين بكتبهم؟ بل أين نزول المسلمين على هدي قرآنهم؟

إن جرائم القتل التي تقع بوادينا المسلم (!!) تزيد على ما يقع في نصف قرن ببلد "كفنلندا" لا يعرف الإسلام ولا غيره من الأديان.

وعلل هذا الهرج كثيرة، ولكن تفتيت الصلة بين الإيمان والعمل، وقطع التلازم بين الجريمة والعقاب، وسوق نصوص الرجاء للعاطلين، ووضع الندى موضع السيف.

ذلك كله في مقدمة الأسباب التي جرّت على الحضارات الدينية هذا الفساد، وجعل بعض الحضارات الأخرى ترجحها في ناحية ما.

أما الأحاديث التي يغلط العامة في فهمها، فقبل أن اسردها اذكر هذا المثل للدكتور عبد العزيز إسماعيل قال: " شخص يخاف ربه ويطيع أوامره، ولكن حدث له أن وقع مرة تحت تأثير انفعالات نفسانية شديدة، ضاع معها رشده، فارتكب جريمة قتل، فلما ثاب إلى رشده ندم على فعلته. فهذا الرجل ارتكب الجريمة بجوارحه فقط، ولم يقتل ضميره. فقد ثبت طبيا أن الانفعالات الشديدة تحت تأثير افرازات في بعض الغدد الصماء، تؤثر على ضغط الدم وعلى المخ. وقد تحدث تشنجا عصبيا، أو شللا وقتيا في قوة الإدراك (غيبوبة) يأتي الشخص في أثنائها من الأفعال ما يستنكره في حالته العادية".

هذه الخطيئة يظهر فيها قهر القدر الغالب.

وتشخيص حقيقتها من طبيب مختص يفسر لنا مدى المسؤولية الأخروية عليها. وفيها وفيما يجري على نسقها من أخطاء يصح أن يفسر قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم".

ليس هذا الحديث دعوة عامة إلى ارتكاب الخطايا، ولا هو تقرير لبيان حكمة الوجود بأنه فعل السيئات. فان الله –في كتابه- اظهر لنا الحكمة العليا من وجودنا فقال: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (الملك:2).

وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) شرحا للآية: "أيكم أحسن عقلا، وأروع من محارم الله، وأسرع في طاعة الله".

الحديث في الحقيقة تعليق على الموجات النفسية التي تجرف في تيارها أبناء ادم وتضع عزائمهم –مهما قويت- أمام عواصف القدر المجتاحة، فإذا بها تصبح هباء منثورا.

فإذا خرج امرؤ من غمراتها، وفي رأسه من عمايتها دوار، استمع إلى هذا الحديث "لو لم تذنبوا.." كما يستمع المحزون إلى كلمة عزاء.

والحديث مبتوت الصلة بمسلك السفلة ومعتادي الإجرام. ونحن نحتاج إلى هذا التوجيه الكريم في علاجنا، لعثرات الشباب ووقوعهم المتكرر في مآزق الغريزة الجنسية.

فكم لنشاط الغدد من آثار خطيرة! تسكب الغدد إفرازها دافقا في الدم المهتاج!! فإذا الرجل لا يكاد يقوم حتى يكبو.

وكأنما يريد ربك أن يجعل من الإنسان العملاق عبدا كسير الجناح، أمام جبار السموات والأرض، وحتى تكون آمال الإنسان اعلق بانتظار العفو والتوفيق منها بتقديم الأعمال وشتى الطاعات.

وقلما يحدث ذلك إلا لذوي المواهب والملكات، ممن يخشى عليهم الغرور بطاقاتهم الواسعة، لولا ما يعرض لهم من غلطات ويقعون فيه من سيئات.

ومن هذا التحديد ندرك سر قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "كتب على ابن ادم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة.. العينان زناهما النظر، والآذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى.. ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه".

هذا الذي كتب لهو لوثات الغريزة في جماحها الطاغي. ومدى عفو الله في هذا مربوط بما خرج عن دائرة المجاهدة والتطلع إلى الكمال.

أي أن الشاب مكلف ببذل جهده كله، في محاربة الجريمة، والبعد عن مغرياتها ومثيراتها. فإذا حدثت مضاعفات فوق الحسبان، شردت بالمؤمن عما التزمه.

كالسابح الذي يضرب بيده في اللجة، ويدفع صدره إلى الأمام، ويستهدف الوصول إلى الشاطئ في بأس وعزيمة. ثم يظهر له أن جهده يذهب سدى، لأن التيار ضده.

فهو مهما بذل لا يعدو مكانه، عندما يحاط بأمر ما في أوضاع الحياة على هذا النحو، يساق هذا الحديث، لا لتبرير الخطأ، ولكن لتيسير الخلاص منه، ومنع الارتكاس فيه.

ثم توجه الإرادة البشرية عندئذ إلى العبادات الايجابية، ففيها الدواء لما أصابها من فشل في العبادات السلبية: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين) (هود:114).

وأبواب الأمل في الخير إن حاول الشيطان سدها من ناحية، فتحت من ناحية أخرى، ولذلك قال: (واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين) (هود:115).

والحق أن فعل الصالحات ليس علاجا فقط للفشل في ترك السيئات، بل هو الطريق الوحيد للنجاح في تركها، والتطهر من أدرانها، مهما عز ذلك أول الأمر.

وتلك آية الإيمان.

أما أن نرى قوما يفعلون الشر، ويتركون الخير، ويزعمون الإسلام فهم كذابون، وليس في الحديث الآنف ما يصحح إيمانهم.

وهذا حديث آخر ذكره احد الجهال في تهوين قيمة العمل. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، وان الله تعالى قال: من الذي يتألى عليّ ان لا اغفر لفلان فإني قد غفرت له وأحبطت عملك" والحديث صحيح رواه مسلم، واخرج ابو داود مثله. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" كان مع نبي إسرائيل رجلان متواخيان، احدهما مذنب والآخر في العبادة مجتهد، فكان المجتهد لا يزال يلقى الآخر على ذنب فيقول له: اقصر، فقال خلني وربي، ابعثت علي رقيبا؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك، أو قال: لا يدخلك الجنة، فقبض الله ارواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال الرب تعالى للمجتهد: أكنت على ما في يدي قادرا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للاخر: اذهبوا به إلى النار".

هذا الحديث نظر إليه العلماء ففهموا المعنى الوحيد الذي يفهم منه.

وهو: أن الرجل المستكبر بطاعته، ابعد عن الرجل المستخذي بمعصيته وهذا حق، فهناك ممن يلبسون مسوح الدين، رجال يحسبون أنهم ببعض صلوات أقاموها، قد شاركوا الله في تقرير مصير العباد، وأنهم يحملون معه مفاتيح الجنة والنار.

وقد رأيت كثيرين من المتصعلكين في الأندية الدينية، تنطوي نفوسهم على هذه الجهالة وتعوزهم مشاعر الرقة والتواضع.

والحديث المذكور قمع لتداول هؤلاء.

ومن بقايا النصرانية اليوم، قد تجد إنسانا كسير القلب لأنه اخطأ، يذهب إلى راهب الكنيسة، ليقوم بمراسيم الاعتراف الشائعة عندهم. ولو غصت في أغوار هذا وذاك، لوجدت نفسية المخطئ اقرب إلى الكمال الإنساني، من نفسية الراهب الذي سيمنحه المغفرة، وهو مدل مختال.

وإنني في تجاربي الكثيرة، ما أزال أشكو قسوة القلب، وخلال الفظاظة التي أجدها في مسالك بعض المنسوبين إلى الدين.

على عكس ما يلمحه المرء أحيانا من تأدب وسماحة في سير بعض الذين لما يهتدوا بعد إلى ما في الدين من حق وخير وجمال..

ويستحيل أن يكون الحديث المذكور مناقضا لقول الله في كتابه: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، أفنجعل المسلمين كالمجرمين* ما لكم كيف تحكمون* أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ إن لكم فيه لما تخيرون !! أم لكم إيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون، سلهم: أيهم بذلك زعيم) (القلم:34-40).

ونحن نسأل الجهال العابثين بالنصوص:

كيف جاز لهم أن يقطعوا صلة الإيمان بالعمل، والخطيئة بالعقاب لحجب غطت على عيونهم، فلم تر الصواب، ولم تفقه الكتاب؟.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error