مصادر هذا الفقه: وقد يسأل سائل هنا: ما مصادر هذا الفقه؟ وهل له مصادر غير مصادر الفقه العام؟
وأبادر فأقول: إن مصادر (فقه الأقليات) هي مصادر الفقه العام نفسها. ولكن ينبغي أن يكون لهذا الفقه وقفات (تجديدية) لهذه المصادر، ذكرنا نماذج لها في الجزء الأول من كتابنا (تيسير الفقه للمسلم المعاصر).
ومن أهم هذه الوقفات:
1- الاعتماد على المصدر الأول، أو مصدر المصادر، وأصل الأصول – وهو القرآن الكريم – في تأصيل هذا الفقه، وترسيخ قواعده، بحيث ترد الأصول أو المصادر كلها إلى القرآن، حتى السنة النبوية يجب أن (تفهم في ضوء القرآن الكريم)، كما بينا ذلك بتفصيل في كتابنا (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟).
إن القرآن بمثابة الدستور للتشريع، والأب لكل القوانين والأحكام، ولذا يعنى بإرساء القواعد والمبادئ العامة، أكثر من التعرض للجزئيات والتفصيلات، بخلاف السنة التي تعالج مسائل وقتية، وحالات شخصية، وأمورا دنيوية قد لا يكون لها علاقة بالدين، وهي التي جاء فيها الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة وأنس – رضي الله عنهم - :"أنتم أعلم بأمر دنياكم".
وبهذا قرر المحققون من علماء الأمة: أن السنة فيها ما هو للتشريع، وما ليس للتشريع. وما كان للتشريع منه ما هو عام وما هو خاص، وما هو دائم وما هو مؤقت، ومنها ما صدر عن الرسول الكريم بصفة الفتوى والتبليغ عن الله تعالى، ومنه ما صدر بوصف الإمامة ورئاسة الدولة. ومنها ما كان في وقائع أحوال جزئية أو شخصية، يقول فيها العلماء: إنها مقصورة على موضعها ولا عموم لها.
ومما يلزم التنبيه عليه هنا: بعض الأحاديث التي لم تثبت صحتها، ويبني بعضهم عليها أحكاما، مع اتفاق الجميع على أن الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام. مثل حديث: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". وحديث "من جامع مشركا، وسكن معه، فهو مثله". وإن حسنهما بعض العلماء، ولكن تحسين الحديث – لا سيما لغيره – مما ينبغي التثبت فيه. وهو مجال كبير للاختلاف بين أهل هذا الشأن. ولهذا نجد بعض علماء الحديث – مثل الشيخ الألباني – يُحسّöن الحديث في كتاب، ويضعفه في آخر، ويحسنه فترة من الزمن ثم يتراءى له فيضعفه، أو العكس.
على أن لحديث "أنا بريء" تأويلا غير ما يتبادر منه؟
وكلمة (المشرك) في المصطلح القرآني تعني الوثني، ولا يدخل فيها الكتابي، وكيف يحرم الإسلام مساكنة الكتابي في بيت واحد، وهو يجيز للمسلم أن يتزوج كتابية، تكون ربة بيته؟
وهناك أحاديث صحيحة، ولكنها مئولة، لمعارضتها لظاهر القرآن، كحديث: "لا تبدءوا اليهود والنصار بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق، فاضطروهم إلى أضيقه". فهو مخالف لآية {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} (النساء: 86).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام".
ويجب تأويل هذا الحديث بأنه خاص بأهل الحرب المعادين للمسلمين، وليس في شأن المسالمين.
وقد فصلّنا في ذلك في مواضع آخر.
والمهم أن ترد السنة إلى القرآن، وأن ترد السنن بعضها إلى بعض، وأن تفهم الأحاديث في ضوء ملابساتها ومقاصدها، وأن نميز بين الهدف الثابت والوسائل المتغيرة. وبعد القرآن والسنة يأتي الإجماع، ولا بد لنا هنا من التنبيه على أن كثيرا من دعاوي الإجماع غير ثابتة، بل ثبت عكسها، وتبين للباحثين أن فيها خلافا. كما إن بعض أنواع الإجماع المنقولة تكون مبنية على مصلحة وقتية أو عرف تغير، فينبغي أن يتغير حكم الإجماع بتغير مناط الحكم.
بل إن الإجماع إذا كان مبنيا على نص، وقد راعى النص ظرفا أو عرفا، فتغير هذا العرف أو هذا الظرف، فإن الحكم المبني عليه يجب أن يتغير، كما ذكرنا في قصة وجود نصابين للنقود في الزكاة: نصاب للفضة ونصاب للذهب، وهما متفاوتان غاية التفاوت.
وبعد الإجماع يأتي القياس بشروطه وضوابطه، وإن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، كما لا تسوي بين مختلفين، ولا يستغني فقيه في أي عصر عن استخدام القياس إذا اتضحت علته، ولم يوجد فارق معتبر بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه.
وهناك المصادر أو الأدلة المختلف فيها، وهي: الاستصلاح (العمل بالمصلحة المرسلة) والاستحسان، وسد الذرائع، وشرع من قبلنا، والعرف، والاستصحاب، وقول الصحابي... إلخ.
وعلى الفقيه في عصرنا أن يستفيد من كل هذه الأصول أو الأدلة، على أن يضع كلا منها في موضعه، ويقدم أقواها على أضعفها إذا تعارضت، في ضوء موازين التعارض والترجيح، وهي معروفة.