يقوم فقه الأقليات المنشود على ركائز أساسية يجب أن يراعيها أكثر من غيره من أنواع الفقه الأخرى، وإن كان كل الفقه في حاجة إليها:
1- لا فقه بغير اجتهاد معاصر قويم:
أولى هذه الركائز: أن الفقه الذي ننشده للأقليات المسلمة – ليحقق الأهداف والغايات المنوطة به – لا يتحقق إلا من خلال (اجتهاد صحيح) صادر من أهله في محله.
أما إذا روّجنا مقولة إغلاق باب الاجتهاد، وفكرنا بعقول الأموات من السابقين، ولم نفكر بعقولنا، فلن تحل بالفقه مشكلة.
لقد بينا فيما كتبناه من قبل أن الاجتهاد فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع، فالاجتهاد هو الذي يبرز خصوبة الشريعة وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان. وهو الذي يحافظ على حيوية الأمة وبقائها قادرة على أن تعيش برسالتها ولرسالتها.
والاجتهاد الذي نريده، منه ما هو ترجيحي انتقائي، ومنه ما هو إبداعي إنشائي.
فأما الاجتهاد الانتقائي والترجيحي، فهو الذي يختار من تراثنا الغني من الأقوال والآراء المتعددة أرجحها ميزانا، وأولاها بتحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، فإذا ذكر ابن القيم تسعة أقوال في شأن المرأة إذا أسلمت ولم يسلم زوجها، فالاجتهاد المطلوب هنا أن نختار قولا من هذه الأقوال نجده أقوم قيلا، وأهدى سبيلا.
وليس المقصود أن نختار أي القولين منها اختيارا عشوائيا، ثم نقول: هذا ما نختاره ونرجحه، بل لا بد من الموازنة بين الأقوال وأدلتها وآثارها ومآلاتها، ثم نرجح – في ضوء الأصول والاعتبارات الشرعية – ما هو أقوى وأقوم.
وأما الاجتهاد الإبداعي والإنشائي، فهو يتعلق بالمستجدات في أمور الحياة، وقد امتلأت حياتنا المعاصرة بمئات – بل بألوف – من المسائل الجديدة، التي لا يمكن أن تجد لها جوابا مباشرا في تراثنا الفقهي العظيم.
وهذا طبيعي، لأن التطور الذي حدث في عالمنا المعاصر، تطور هائل في كمه وفي نوعه، وهو تطور لم يكن يخطر ببال أحد من الأئمة الماضين، حتى يتخيل له حلا.
ولقد رأينا الخلاف ما بين أبي حنيفة وصاحبيه كثيرا ما فسره علماء الحنفية بقولهم: هذا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان، برغم قصر المدة ما بين أبي حنيفة وصاحبيه (مات أبو حنيفة سنة 150 هِ، ومات أبو يوسف سنة 182 هِ، ومات محمد سنة 189 هِ).
وغير الشافعي مذهبه من قديم إلى جديد، وهو لم يعش أكثر من 54 سنة قمرية (ولد سنة 150 هِ وتوفي سنة 204 هِ).
وإذا كان الفقه كل يحتاج إلى الاجتهاد بنوعيه الانتقائي والإنشائي، فإن فقه الأقليات أشد حاجة، للظروف التي تعيشها الأقلية بين ظهراني أكثرية تخالفها في الدين، وبالتالي في الكثير من المفاهيم والسلوكيات والتقاليد.
وهذا الاجتهاد إنما هو جزء من (التجديد) الذي حدثنا عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – حين قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
والتجديد للدين يشمل تجديد الفقه فيه والفهم له، وتجديد الإيمان به، والالتزام بتعاليمه، والدعوة إليه بلسان القوم والعصر حتى يبين لهم. ولا يتجدد الفقه والفهم للدين إلا باجتهاد معاصر قويم.