الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: في فقه الأقليات المسلمة
المؤلف: يوسف القرضاوي
التصنيف: طلابي
 

في فقه الأقليات المسلمة نماذج تطبيقية - نماذج تطبيقية في فقه الأسرة

إسلام المرأة دون زوجها هل يفرق بينهما؟

س: من الملاحظ في الغرب أن النساء أكثر إقبالاً على الدخول في الإسلام من الرجال، وهي ظاهرة معروفة، فإذا كانت المرأة غير متزوجة، فلا إشكال، إلا من حيث حاجتها إلى الزواج من رجل مسلم.

ولكن الإشكال يكمن فيما إذا كانت المرأة متزوجة ودخلت في الإسلام قبل زوجها، أو دون زوجها، وهي تحبه وهو يحبها، وبينهما عشرة طيبة طويلة، وربما كان بينهما أولاد وذرية. ماذا تفعل المرأة هنا وهي حريصة على الإسلام، وفي الوقت نفسه حريصة على زوجها وأولادها وبيتها؟

إن عامة المفتين هنا يفتونها بوجوب فراقها لزوجها بمجرد إسلامها أو بعد انقضاء عدتها منه على الأكثر. وهذا يشق على المسلمة الحديثة العهد بالإسلام أن تفعله، فتضحي بزوجها وأسرتها.

وبعضهن يرغبن في الدخول في الإسلام بالفعل، ولكن عقبة فراق الزوج تقف في طريق إسلامها.

هل من حل شرعي لهذه المشكلة العويصة في ضوء الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة؟ أفيدونا أفادكم الله، وجزاكم عن الإسلام وأهله خيراً.

جِ: الحمد لله، والصلاة والسلام على إمامنا وحبيبنا وأسوتنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه (أما بعد):

فقد كنت لسنوات طويلة أفتي بما يفتي به هؤلاء العلماء الذين ذكرهم السائل في سؤاله. وهو أن المرأة إذا أسلمت يجب أن تفارق زوجها في الحال أو بعد انتهاء عدتها، لأن الإسلام فرق بينهما، ولا بقاء لمسلمة في عصمة كافر. وكما لا يجوز لها أن تتزوج غير المسلم ابتداء، فكذلك لا يجوز لها الاستمرار معه بقاء.

هذا هو الرأي السائد والمشهور والمتعالم عند الناس عامة، والعلماء خاصة.

وأذكر منذ نحو ربع قرن. كنا في أمريكا، وفي مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين هناك، وعرضت قضية من هذا النوع، وكان الدكتور حسن الترابي حاضراً، فلم ير بأساً بأن تبقى المرأة إذا أسلمت مع زوجها الذي لم يسلم، وثارت عليه ثائرة، ورد عليه عدد من الحاضرين من علماء الشريعة، وكنت منهم، وقد كان عمدة الرادين عليه: أنه خرج على الإجماع المقطوع به، المتصل بعمل الأمة.

 

تسعة أقوال ذكرها ابن القيم في المسألة:

ثم إن المسلم يظل يطلب العلم من المهد إلى اللحد، وليس هناك أحد أحاط بالعلم كله. وقد قال الله لرسوله: "وقل رب زدني علماً" ]طه: 114[، وقال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" ]الإسراء: 85[.

ولا غرو أن اطللعت على ما ذكره الإمام ابن القيم في هذه المسألة المهمة، وذلك في كتابه (أحكام أهل الذمة) فقد ذكر – رحمه الله – فيها تسعة أقوال، لصحابة وأئمة وعلماء معتبرين، ذكرها كلها، واختار سادسها، وهو اختيار شيخة شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً.

ذكر العلامة ابن القيم المسألة ثم قال: اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافاً كثيراً.

القول الأول: انفساخ النكاح بمجرد إسلامها:

قالت طائفة: متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه، سواء كانت كتابية أو غير كتابية، وسواء أسلم بعدها بطرفة عين أو أكثر، ولا سبيل له عليها إلا بأن يسلما معاً في آن واحد، فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها ساعة إسلامه ولو أسلمت بعده بطرفة عين[1]. هذا قول جماعة من التابعين وجماعة من أهل الظاهر، وحكاه أبو محمد بن حزم عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عباس وحماد بن زيد والحكم بن عيينة وسعيد بن جبير وعمر بن عبدالعزيز والحسن البصري وعدي بن عدي وقتادة والشعبي.

قال ابن القيم: قلت: وحكاية ذلك عن عمر بن الخطاب غلط عليه، أو يكون رواية عنه، فسنذكر من آثار عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – خلاف ذلك مما ذكره أبو محمد وغيره: فهذا قول.

القول الثاني: الإنفساخ إذا أبى الزوج الإسلام:

وقال أبو حنيفة: أيهما أسلم قبل الآخر، فإن كان في دار الإسلام عرض الإسلام على الذي لم يسلم، فإن أسلم بقيا على نكاحهما، وإن أبى فحينئذ تقع الفرقة. ولا تراعى العدة في ذلك، فهذا قول ثان.

القول الثالث: انفساخ النكاح عند انقضاء عدة المدخول بها:

وقال مالك: إن أسلمت المرأة ولم يسلم الرجل، فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة، وإن كان بعده، فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه، فإن أسلم هو ولم تسلم هي عُرض عليها الإسلام، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما، وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها، سواء كان قبل الدخول أو بعده، فهذا قول ثالث.

القول الرابع: عكس القول الثالث:

وقال ابن شبرمة عكس هذا، وأنها إن أسلمت قبله وقعت الفرقة في الحين، وإن أسلم قبلها فأسلمت في العدة فهي امرأته، وإلا وقعت الفرقة بانقضاء العدة، فهذا قول رابع.

القول الخامس: اعتبار العدة لكل من الرجل والمرأة:

وقال الأوزاعي والزهري والليث والإمام أحمد والشافعي وإسحاق: إذا سبق أحدهما بالإسلام فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان بعده فأسلم الآخر في العدة فهما على نكاحهما، وإن انقضت العدة قبل إسلامه انفسخ النكاح، فهذا قول خامس.

القول السادس: تنتظر المرأة وتتربص، ولو مكثت سنين إن اختارت ذلك:

وقال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة، كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبدالله بن يزيد الخطمي: أن نصرانياً أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه. (وعبدالله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة).

قال ابن القيم: وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم فهي امرأته، ولو مكثت سنين: فهذا قول سادس، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدل السنة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام (ابن تيمية).

 

القول السابع: هو أحق بها ما لم تخرج من مصدرها:

وقال حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: إن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها. وقال سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن علي: هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها: فهذا قول سابع.

القول الثامن: هما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان:

وقال ابن أبي شيبة: حدثنا معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهري: إن أسلمت ولم يسلم زوجها، فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان: فهذا قول ثامن.

القول التاسع: تقر عنده ويمنع من وطئها:

وقال داوود بن علي: إذا أسلمت زوجة الذمي ولم يسلم فإنها تَقَرُّ عنده، ولكن يُمنعُ من وطئها. وقال شعبة: حدثنا حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي في ذمية أسلمت تحت ذمي، فقال: تقر عنده. وبه أفتى حماد بن أبي سليمان.

قلت (والقائل ابن القيم): ومرادهم أن العصمة باقية، فتجب لها النفقة والسكنى، ولكن لا سبيل له إلى وطئها، كما يقوله الجمهور في أم ولد الذمي إذا أسلمت سواء، فهذا قول تاسع.

 

تحقيق ابن القيم في المسألة:

قال ابن القيم: ونحن نذكر مآخذ هذه المذاهب وما في تلك المآخذ من قوي وضعيف وما هو الأولى بالصواب.

فأما أصحاب القول الأول – وهم الذين يوقعون الفرقة بمجرد الإسلام – فلا نعلم أحداً من الصحابة قال به البتة. وما حكاه أبو محمد بن حزم عن عمر وجابر وابن عباس فبحسب ما فهمه من آثار رويت عنهم مطلقة، ونحن نذكرها. قال شعبة: أخبرني أبو اسحاق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة يقول: إن جده وجدته كانا نصرانيين، فأسلمت جدته، ففرق عمر بن الخطاب بينهما. وليس في هذا دليل على تعجيل الفرقة مطلقاً بنفس الإسلام، فلعله لم يكن يدخل بها، أو لعله فرق بعد انقضاء العدة، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار إسلامه، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باق حتى يفسخ السلطان.

وقد روي عن عمر في هذا آثار يظن أنها متعارضة، ولا تعارض بينها، بل هي موافقة للسنة، فمنها هذا، ومنها ما تقدم حكايته عنه أنه خيّر المرأة، إن شاءت أقامت عليه، وإن شاءت فارقته. ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن أبي إسحاق الشيباني عن يزيد بن علقمة أن عبادة بن النعمان التغلبي، كان ناكحاً امرأة من بني تميم، فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: إما أن تسلم وإما أن ننزعها منك، فأبى فنزعها عمر – رضي الله عنه – وقد تمسك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني، فإن أبى فرق بينهما. (وهو القول الثاني: قول أبي حنيفة).

قال ابن القيم: وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارض بينها، فإن النكاح بالإسلام يصير جائزاص بعد أن كان لازماً، فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربص به إلى أن يسلم ولو مكثت سنين. كل هذا جائز لا محذور فيه، والنكاح له ثلاثة أحوال:

حال لزوم، و حال تحريم وفسخ ليس إلا، كمن أسلم وتحته من لا يجوز ابتداء العقد عليها، وحال جواز ووقف، وهي مرتبة بين المرتبتين لا يحكم فيها بلزوم النكاح ولا بانقطاعه بالكلية. وفي هذه الحال تكون الزوجة بائنة من وجه دون وجه. ولما قدم أبو العاص بن الربيع المدينة في زمن الهدنة، وهو مشرك، سألت امرأته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ينزل في دارها؟ فقال: "إن زوجك، ولكن لا يصل إليك".

فالنكاح في هذه المدة لا يحكم ببطلانه، ولا بلزومه وبقائه من كل وجه، ولهذا خير أمير المؤمنين المرأة تارة، وفرق تارة، وعرض الإسلام على الثاني تارة، فلما أبى فرق بينهما. ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجل وامرأته أسلم أحدهما قبل الآخر أصلاً، ولا في موضع واحد.

قال مالك: قال ابن شهاب: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد ابن المغيرة نحو من شهر، أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد "حنيناً" و "الطائف" وهو كافر، ثم أسلم، فلم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح.

قال ابن عبد البر: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.

وقال الزهري: أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام، وقدم فبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فثبتا على نكاحهما.

وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته، فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما.

وأسلم أبو سفيان عام الفتح قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ولم تسلم امرأته هند حتى فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، فثبتا على نكاحهما.

وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبدالله بن أمية فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح "بالأبواء" فأسلما قبل نسائهما.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب ابنته على أبي العاص (زوجها الذي تأخر إسلامه) بالنكاح الأول بعد ست سنين. قال أبو داوود حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئا. وفي لفظ له: بعد ست سنين، وفي لفظ: بعد سنتين.

قال شيخ الإسلام (ابن تيمية): هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، والذي روى أنه جدد النكاح ضعيف.

قال: وكذلك كانت المرأة تسلم، ثم يسلم زوجها بعدها، والنكاح بحاله، مثل أم الفضل امرأة العباس بن عبدالمطلب، فإنها أسلمت قبل العباس بمدة. قال عبدالله بن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذر الله بقوله: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان" ]النساء: 98[.

ولما فتح النبي مكة أسلم نساء الطلقاء[2]، وتأخر إسلام جماعة منهم، مثل صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، الشهرين والثلاثة وأكثر، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فرقّا بين ما قبل انقضاء العدة وما بعدها، وقد أفتى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بأنها ترد إليه وإن طال الزمان. وعكرمة بن أبي جهل قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بعد رجوعه من حصار الطائف وقسم غنائم حنين في ذي القعدة، وكان فتح مكة في رمضان، فهذا نحو ثلاثة أشهر يمكن انقضاء العدة فيها وفيما دونها، فأبقاه على نكاحه ولم يسأل امرأته: هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا سأل عن امرأة واحدة، مع أن كثيرا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها، وصفوان بن أمية شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم "حنينا" وهو مشرك، وشهد معه "الطائف" كذلك إلى أن قسم غنائم "حنين" بعد الفتح بقرب من شهرين، فإن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان، وغنائم (حنين) قسمت في ذي القعدة، ويجوز انقضاء العدة في مثل هذه المدة.

قال: وبالجملة، فتحديد رد المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه الذي جاء به، لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت، فإنهم أحوج ما كانوا إلى بيانه، وهذا كله مع حديث زينب – يدل على أن المرأة إذا أسلمت وامتنع زوجها من الإسلام، فلها أن تتربص وتنتظر إسلامه، فإذا اختارت أن تقيم منتظرة لإسلامه، فإذا أسلم أقامت معه، فلها ذلك، كما كان النساء يفعلن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كزينب ابنته وغيرها، ولكن لا تمكنه من وطئها، ولا حكم له عليها ولا نفقة ولا قسم، والأمر في ذلك إليها لا إليه، فليس هو في هذه الحال زوجاً مالكاً لعصمتها من كل وجه، ولا يحتاج إذا أسلم إلى ابتداء عقد يحتاج فيه إلى ولي وشهود ومهر وعقد، بل إسلامه بمنزلة قبوله للنكاح، وانتظارها بمنزلة الإيجاب.

وسر المسألة أن العقد في هذه المدة جائز لا لازم، ولا محذور في ذلك، ولا ضرر على الزوجة فيه، ولا يناقض ذلك شيئا من قواعد الشرع. وأما الرجل إذا أسلم، وامتنعت المشركة أن تسلم، فإمساكه لها يضر بها، ولا مصلحة لها فيه، فإنه إذا لم يقم لها بما تستحقه كان ظالما. فلهذا قال تعالى "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" فنهى الرجال أن يستديموا نكاح الكافرة، فإذا أسلم الرجل أمرت امرأته بالإسلام، فإن لم تسلم فرق بينهما[3].

 

من أدلة المعجلين للفرقة:

ومما ذكره العلامة ابن القيم من أدلة للقائلين بتعجيل الفرقة إذا أسلمت المرأة قبل زوجها، أنهم قالوا: قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حلñ لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهن ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم" ]الممتحنة: 10[.

قالوا: فهذا حكم الله الذي لا يحل لأحد أن يخرج عنه، وقد حرم فيه رجوع المؤمنة إلى الكافر، وصرح سبحانه بإباحة نكاحها، ولو كانت في عصمة الزوج حتى يسلم في العدة أو بعدها لم يجز نكاحها، لا سيما والمهاجرة تستبرأ بحيضة.

وهذا صريح في انقطاع العصمة بالهجرة. وقوله: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" صريح في أن المسلم مأمور ألا يمسك عصمة امرأة إذا لم تسلم، فصح أن ساعة وقوع الإسلام منه تنقطع عصمة الكافرة منه. وقوله تعالى: "لا هنّ حلñ لهم ولا هم يحلون لهن" صريح في تحريم أحدهما على الآخر في كل وقت، فهذه، أربعة أدلة من الآية، ودعونا من تلك المنقطعات والمراسيل والآثار المختلفة، ففي كتاب الله الشفاء والعصمة.

 

رد الآخرين عليهم:

قال الآخرون: مرحباً وأهلاً وسهلاً بكتاب الله، وسمعاً وطاعة لقول ربنا، ولكن تأولتم الآية على غير تأويلها، ووضعتموها على غير مواضعها، وليس فيها ما يقتضي تعجيل الفرقة إذا سبق أحدهما الآخر[4]، ولا فهم هذا منها أحد قط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين، ولا يدل على ما ذهبتم إليه أصلاً. أما قوله تعالى: "فلا ترجعوهن إلى الكفار" فإنما يدل على النهي عن رد النساء المهاجرات إلى الله ورسوله إلى الكفار، فأين في هذا ما يقتضي أنها لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلماً مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم ترد إليه؟ ولقد أبعد النجعة كل الإبعاد من فهم هذا من الآية. وكذلك قوله: "لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" إنما فيه إثبات التحريم بين المسلمين والكفار، وأن أحدهما لا يحل للآخر، وليس فيه أن أحدهما لا يتربص بصاحبه الإسلام فيحل له إذا أسلما. وأما قوله: "ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن" فهذا خطاب للمسلمين ورفع للحرج عنهم أن ينكحوا المؤمنات المهاجرات إذا بنّ من أزواجهن وتخلين عنهم. وهذا إنما يكون بعد انقضاء عدة المرأة واختيارها لنفسها. ولا ريب في أن المرأة إذا انقضت عدتها تخيّر بين أن تتزوج من شاءت وبين أن تقيم حتى يسلم زوجها، فترجع إليه إما بالعقد الأول على ما نصرناه، وإما بعقد جديد على قول من يرى انفساخ النكاح بمجرد انقضاء العدة. فلو أنا قلنا: إن المرأة تبقى محبوسة على الزوج، لان نمكّنها أن تتزوج بعد انقضاء العدة، شاءت أم أبت، لكان في الآية حجة علينا، ونحن لم نقل ذلك ولا غيرنا من أهل الإسلام، بل هي أحقّ بنفسها إن شاءت تزوجت وإن شاءت تربصت. فأما قوله تعالى: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" فإنما تضمن النهي عن استدامة نكاح المشركة والتمسك بها، وهي مقيمة على شركها وكفرها، وليس فيه النهي عن الانتظار بها أن تسلم ثم يمسك بعصمتها.

فإن قيل: فهو في التربص ممسك بعصمتها، قلنا: ليس كذلك، بل هي متمكنة بعد انقضاء عدتها من مفارقتها والتزوج بغيره، ولو كانت العصمة بيده لما أمكنها ذلك.

وأيضاً فالآية إنما دلت على أن الرجل إذا أسلم ولم تسلم المرأة، أنه لا يمسكها بل يفارقها، فإذا أسلمت بعده فله أن يمسك بعصمتها، وهو إنما أمسك بعصمة مسلمة لا كافرة. وأيضاً فإن تحريم النساء المشركات على المؤمنين لم يستفد بهذه الآية، بل كان ثابتاً قبل ذلك بقوله: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن" ]البقرة: 221[ وإنما اقتضت هذه الآية حكمه سبحانه بين المؤمنين والكفار في النساء اللاتي يرتددن إلى الكفار واللاتي يهاجرن إلى المسلمين، فإن الشرط كان قد وقع على أنّ من شاء أن يدخل في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في دين قريش وعهدهم دخل، فهاجرت نسوة اخترن الإسلام وارتدت نسوة اخترن الشرك، فحكم الله أحسن حكم بين الفريقين في هذه الآية، ونهى المسلمين فيها أن يمسكوا بعصمة المرأة التي اختارت الكفر والشرك، فإن ذلك منع لها من التزوج بمن شاءت وهي في عصمة المسلم، والعهد اقتضى أنّ من جاء من المسلمين، رجالهم ونسائهم، إلى الكفار يقرّ على ذلك، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين يردّ إليهم، فإذا جاءت امرأة كافرة إلى المسلمين زالت عصمة نكاحها، وأبيح للمسلمين أن يزوجوها، فإذا فاتت امرأة من المسلمين إلى الكفار فلو بقيت في عصمته ممسكاً لها لكان في ذلك ضرر بها إن لم يمكنها أن تزوج، وضرر به إن أمكنها أن تتزوج وهي في عصمته، فاقتضى حكمه العدل الذي لا أحسن منه تعجيل التفريق بينه وبين المرأة المرتدة أو الكافرة عندهم لتتمكن من التزويج، كما تتمكن المسلمة من التزويج إذا هاجرت، فهذا مقتضى الآية، وهي لا تقتضي أنّ المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بمجرد إسلامها بينها وبين زوجها، فلو أسلم بعد ذلك لم يكن له عليها سبيل، فيبنغي أن تعطى النصوص حقها، والسنة حقها، فلا تعارض بين هذه الآية وبين ما جاءت به السنة بوجه ما، والكل من مشكاة واحدة، يصدق بعضها بعضاً.

قال شيخ الإسلام: "وأما القول بأنه مجرد إسلام أحد الزوجين المشركين تحصل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد علم أن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام كان يسبق بعضهم بعضاً بالتكلم بالشهادتين، فتارة يسلم الرجل وتبقى المرأة مدة ثم تسلم، كما أسلم كثير من نساء قريش وغيرهن قبل الرجال. وروي أن أم سليم امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة، وتارة يسلم الرجل قبل المرأة ثم تسلم بعده بمدة قريبة أو بعيدة، وليس لقائل أن يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين، لوجهين: أحدهما: أنه لو قدّر تقدّم ذلك فدعوى المدّعي أنّ هذا منسوخ تحتاج إلى دليل. الوجه الثاني أن يقال: لقد أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجاً بعد نزول تحريم المشركات، ونزول النهي عن التمسك بعصم الكوافر، فأسلم الطلقاء بمكة وهم خلق كثير، وأسلم أهل الطائف وهم أهل المدينة، وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ونصب عليهم المنجنيق ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنين بالجعرانة، واعتمر عمرة الجعرانة ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وَفَدَ وَفْدُ الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد لم يسلمن، ثم رجعوا وأسلم نساؤهم بعد ذلك. فمن قال: إن إسلام أحد الزوجين قبل الآخر يوجب تعجيل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فقوله مقطوع بخطئه ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحداً ممن أسلم: هل دخلت بامرأتك أم لا؟ بل كل من أسلم وأسلمت امرأته بعده فهي امرأته من غير تجديد نكاح، وقد قدم عليه وفود العرب، وكانوا يسلمون ثم يرجعون إلى أهليهم، فيسلم نساؤهم على أيديهم بعد إسلام أزواجهن، وبعث علياً ومعاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأسلم على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله من الرجال والنساء، ومعلوم قطعا أن الرجل كان يأتيهم فيسلم قبل امرأته، والمرأة تأتيهم فتسلم قبل الرجل، ولم يقولوا لأحد: ليكن تلفظك وتلفظ امرأتك بالإسلام في آن واحد، لئلا ينفسخ النكاح، ولم يفرقوا بين من دخل بامرأته وبين من لم يدخل، ولا حدّوا ذلك بثلاثة قروء، ثم يقع الفسخ بعدها، بل علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وقد باشر ذلك بنفسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،وفي غيبته عنه – قد قال: "هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها"، وفي رواية عنه: "ما لم تخرج من دار هجرتها"، ولم يعجل الفرقة، ولا حدها بثلاثة قروء، وفي قضية زينب الشفاء والعصمة.

وكانت سنته صلى الله عليه وسلم أنه يجمع بين الزوجين إذا أسلم أحدهما قبل الآخر وتراضيا ببقائهما على النكاح، لا يفرق بينهما ولا يحوجهما إلى عقد جديد، فإذا أسلمت المرأة أولاً فلها أن تتربص بإسلام زوجها، أي وقت أسلم فهي امرأته، وإذا أسلم الرجل فليس له أن يحبس المرأة على نفسه ويمسك بعصمتها، فلا يكرهها على الإسلام ولا يحبسها على نفسه، فلا يظلمها في الدين ولا في النكاح، بل إن اختارت هي أن تتربص بإسلامه تربصت، طالت المدة أو قصرت، وإن اختارت أن تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها فلها ذلك، والعدة هاهنا لحفظ ماء الزوج أولاً، وأيهما أسلم في العدة أو بعدها فالنكاح بحاله، إلا أن يختار الرجل الطلاق فيطلق كما طلق عمر – رضي الله عنه – امرأتين له مشركتين لما أنزل الله تعالى: "ولا تمسكوا بعصم الكوافر" أو تختار المرأة أن تزوّج المرأة بعد استبرائها، فلها ذلك.

وأيضاً فإن في هذا تنفيراً عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت أو الزوج أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح ويفارق من يحب، ولم يبق له عليها سبيل إلا برضاها ورضا وليّها ومهر جديد، نفر عن الدخول في الإسلام، بخلاف ما إذا علم كل منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلا أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبته ما هو أدعى إلى الدخول فيه.

وأيضاً فبقاء مجرد العقد جائزاً غير لازم من غير تمكين من الوطء خير محض ومصلحة بلا مفسدة، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة، فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة، وإن لم يكن فيه وطء، كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق، وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضاً فصار إبقاء النكاح جائزاً فيه مصلحة راجحة للزوجين في الدين والدنيا من غير مفسدة، وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه[5]. انتهى.

 

تعقيب على تحقيق الإمام ابن القيم:

كان ما ذكره ابن القيم (فتحاً) في المسألة، التي كنا نحسبها من مسائل الإجماع، بل نعتبره إجماعاً نظرياً من أئمة المذاهب الفقهية، مقترنا بالعمل المستمر من جانب الأمة الإسلامية، والإجماع إذا اقترن بالعمل ازداد قوة ورسوخاً.

ثم تبين لي أن هذا الإجماع صحيح وثابت بالنظر إلى تزويج المسلمة بغير المسلم ابتداء، فهذا حرام مقطوع به، ولم يقل به فقيه قط، لا من المذاهب الأربعة، أوالثمانية، أو من خارج المذاهب، فهو إجماع نظري وعملي معا، وهو ثابت ومستقر بيقين.

أما الذي ذكر المحقق ابن القيم فيه الخلاف، فهو فيما إذا كانت المرأة غير المسلمة متزوجة أصلا من غير مسلم، وشرح الله صدرها للإسلام، فأسلمت، ولم يسلم زوجها، فهذه هي التي حدث فيها الخلاف، وذكر ابن القيم هذه الأقوال التسعة.

وهذا ما دفعني إلى أن أرجع إلى المصادر الأساسية التي استمد منها ابن القيم هذه الأقوال، وهي الأصول والمصنفات التي عنيت بنقل أقوال الصحابة – رضي الله عنهم – وتابعيهم بإحسان، وتلاميذهم من سلف الأمة، في خير القرون، المفضلة بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".

وهذه الأصول مثل مصنف عبدالرزاق الصنعاني (ت 211 هِ)، ومصنف ابن أبي شيبة (ت 235 هِ)، ومؤلفات أبي جعفر الطحاوي (321 هِ)، والسنن الكبرى للبيهقي (ت456 هِ). فماذا قالت هذه المصادر؟

 

عودة إلى فتاوى الصحابة والتابعين خارج المذاهب:

روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن علي – رضي الله عنه – في شأن امرأة اليهودي أو النصراني إذا أسلمت، كان أحق ببضعها، لأن له عهداً[6].

وفي رواية أخرى عند ابن أبي شيبة عنه: هو أحق بها ما داما في دار الهجرة. يعني: في دار هجرتها[7].

وروى عبدالرزاق بسنده عنه قال: هو أحق بها لم يخرجها من مصرها[8].

وروى بسنده عن الحكم: أن هانئ بن قبيصة الشيباني – وكان نصرانياً – كان عنده أربع نسوة، فأسلمن، فكتب عمر بن الخطاب: أن يقررن عنده[9].

وهذا واضح في أن عمر – رضي الله عنه – يجيز للمرأة أن تقر عند زوجها.

وروى أيضاً بسنده عن عبدالله بن يزيد الخطمي، أن عمر كتب: يخيرن[10].

وروى هذه القصة عبدالرزاق عن الخطمي قال: أسلمت امرأة من أهل الحيرة، ولم يسلم زوجها، فكتب فيها عمر بن الخطاب: أن خيروها، فإن شاءت فارقته، وإن شاءت قرت عنده[11].

ومعناها: أنه وكّöلَ الأمر إلى اختيار المرأة، إن شاءت بقيت عند زوجها، وإن شاءت انفصلت عنه.

ومثله ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن الحسن: أن نصرانية أسلمت تحت نصراني، فأرادوا أن ينزعوها منه، فرجعوا إلى عمر، فخيرها[12].

وروى ابن أبي شيبة بسنده أيضاً عن إبراهيم (النخعي) قال: يقران على نكاحهما[13].

وروى عنه عبدالرزاق بسنده قال: هو أحق بها ما لم يخرجها من دار هجرتها[14].

وهذا هو نفس ما روي عن علي – رضي الله عنه - .

وروي عن الشعبي قال: هو أحق بها ما كانت في المصر (أي في مصرها)[15].

فهذا قول علي – رضي الله عنه – لم يختلف عنه: أن الرجل الكتابي (من يهودي أو نصراني) أحق بزوجته إذا أسلمت، ما لم يخرجها من مصرها، أو من دار هجرتها، وجاء في بعض الروايات: لأن له عهداً. يقصد: عهد الذمة.

وقد أكد قول عليّ ما جاء عن الشعبي وإبراهيم، من أئمة التابعين، وقول عمر – رضي الله عنه – في أكثر من رواية: إن المرأة تقر عند زوجها، أو تخير بين بقائها وبين تركه ومفارقته.

ولم يخالف ذلك إلا رواية عن عمر في قصة الرجل التغلبي الذي عرض عليه الإسلام فأبى، وانتزع منه امرأته. وفي بعض الروايات: أنه قال لعمر: لم أدَعْ هذا إلا استحياء من العرب أن يقولوا: إنما أسلم على بضع امرأة! ففرق عمر بينهما[16].

ولعل هذا من عمر – رضي الله عنه – يدلنا على أن الإمام أو القاضي لديه فسحة في مثل هذا الأمر، فيمكنه أن يقر المرأة عند زوجها أو يخيرها، أو يفرق بينهما إن رأى في ذلك المصلحة. وخصوصاً إذا رفعت إليه القضية، كما في هذه الواقعة.

ولعل هذا من عمر أيضاً يؤيد ما ذكره ابن القيم من قول ابن شهاب الزهري: هما على نكاحهما، ما لم يفرق بينهما سلطان.

 

وقفة مع ابن القيم:

ورغم أن المحقق ابن القيم – رحمه الله – وعد بأن ينظر في مآخذ هذه الأقوال أو المذاهب التسعة التي ذكرها وما فيها من قوي وضعيف، فإنه لم يف بوعده، ولم ينظر فيها كلها، بل ركز على القول السادس الذي نصره – ونصره شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية – وهو أن المرأة تقيم مع زوجها، وتنتظر إسلامه، ولا تمكنه من نفسها، ولو مكثت معه سنين، وأطال في تأييد هذا القول، وكأنه نسي الأقوال الثلاثة الأخرى.

واختيار ابن القيم وشيخه: له وزنه ووجهته وأدلته، ولكن تظل فيه مشكلة عملية، وهي أن تبقى المرأة مع زوجها تنتظر إسلامه، ولو مكثت سنين، ولكن لا تمكنه من نفسها، والمشكلة العملية هنا هي: هل يصبر كل منهما على هذه الحالة: أن يعيشا تحت سقف واحد سنين، ولا يقرب أحدهما الآخر، وخصوصاً إذا كانا شابين؟

وكنت أود أن يعرض العلامة ابن القيم لرأي الإمام علي – كرم الله وجهه -، الذي ذكره عنه، وهو قوله عن المرأة تسلم قبل زوجها: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها، وفي رواية أخرى: هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها.

وعلي – رضي الله عنه – قد بعثه رسول الله إلى اليمن في حياته، وتولى الخلافة بعد عثمان، ولا بد أن يكون قد باشر ذلك بنفسه. فحكمه في هذه القضية، فيه معنى الفتوى ومعنى القضاء معاً.

وكأني ألمح في حكمه – رضي الله عنه – استناداً إلى الآية الكريمة من سورة (الممتحنة) حيث قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهن" ]الممتحنة: 10[.

والمؤمنون مطالبون –وفق هذه الآية – إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وعلموا صدق إيمانهن: ألا يرجعوهن إلى الكفار، فيعرضوهن للفتنة في دينهن، ولكن إذا بقيت المرأة في دارها لم تغادرها إلى دار الإسلام، وأقامت مع زوجها، فهي امرأته. وكأن هذا ما استند إليه علي – كرم الله وجهه -.

وفي رأيي أن هذا قول وجيه، ترجحه حاجة المسلمات الجديدات الباقيات مع أزواجهن في ديارهن غير الإسلامية – إلى بقائهن مع أزواجهن، ولا سيما إذا كن يرتجين إسلامهم، وخصوصاً إذا كان لهن منهم أولاد يخشى تشتيهم وضياعهم.

ومما نذكره هنا: أن القضية التي اعتمد عليها ابن القيم وشيخه ابن تيمية فيما روي عن عمر، ظاهرها ليس معهما، فما رواه عبدالله بن يزيد الخطمي – رضي الله عنه: أن نصرانياً أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - : إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه.

هذه الرواية أفادت أنه أجاز لها أن تقيم عليه، وظاهر هذا يقتضي أن تجوز معاشرته لها، فهذا مقتضى الإقامة مع الزوج، ولكن الإمام ابن القيم – رحمه الله – أوّل هذا الظاهر قائلا: وليس معناه أنها تقيم تحته، وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص... انتهى، فلو أن مجتهداً أخذ بظاهر قول عمر، لم يكن عليه من حرج.

وقد أيدت هذه الرواية روايات أخر عن عمر – رضي الله عنه -، بعضها فيه إقرار للمرأة لتبقى مع زوجها، وبعضها فيه تخيير للمرأة كما في رواية الخطمي عنه.

يؤكد هذا ما ذكره ابن القيم عن الزهري – وهو القول الثامن – أنه قال: إن أسلمت ولم يسلم زوجها، فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان.

وهذا تيسير عظيم للمسلمات الجدد، وإن كان يشق على الكثيرين من أهل العلم، لأنه خلاف ما ألفوه وتوارثوه، ولكن من المقرر المعلوم: أنه يغتفر في البقاء، ما لا يغتفر في الابتداء. وهذه قاعدة فقهية مقررة، ولها تطبيقات فروعية كثيرة، وهي: التفريق بين الابتداء والانتهاء، يتسامح في البقاء والانتهاء، ما لا يتسامح في الابتداء.

فنحن منهيون ابتداء أن نزوج المرأة لكافر، كما قال تعالى: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم" ]البقرة: 221[.

وهذا مما لا يجوز التهاون فيه، فلا نزوج مسلمة ابتداء لغير مسلم.

ولكن نحن هنا لم نزوجها، بل وجدناها متزوجة قبل أن تدخل في ديننا، ويحكم عليها شرعنا، وهنا يختلف الأمر في البقاء عنه في الابتداء.

 

ثلاثة أقوال معتبرة:

فلدينا إذن ثلاثة أقوال معتبرة، يمكن لأهل الفتوى الاستناد إليها لعلاج هذه المشكلة التي قد تقف عقبة في سبيل دخول الكثيرات في الإسلام.

القول الأول: هو قول سيدنا علي – رضي الله عنه – وكرم الله وجهه، وهو: أن زوجها أحق بها ما لم تخرج من مصرها. وهنا نجد المرأة باقية في وطنها ومصرها ولم تهاجر منه، لا إلى دار الإسلام ولا غيرها. وقول علي هذا ثابت عنه، لم يختلف عليه فيه، ووافقه عليه اثنان من أئمة التابعين: الشعبي وإبراهيم.

والقول الثاني: هو ما روي عن سيدنا عمر – رضي الله عنه -: من إقراره بعض النساء إذا أسلمن عند أزواجهن غير المسلمين أو تخييرهن، كما رواه عنه أكثر من مصدر، ولم يخالف ذلك إلا رواية واحدة، لها ملابسات خاصة. فإما أن نرجح الروايات الأكثر، أو نقول: إن للإمام أو القاضي فسحة في الإبقاء، أو التخيير للمرأة، أو التفريق بينها وبين زوجها. وفق ما يراه من المصلحة في ذلك، وقد يختلف هذا من حالة إلى أخرى.

والقول الثالث: هو قول الزهري: إنهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان، أي ما لم يصدر حكمñ قضائي بالتفريق بينهما.

 

جواز الفتوى بأقوال الصحابة والتابعين:

ولقد ذهب بعض العلماء – في العصور التي غلب فيها على الفقه التقليد والعصبية المذهبية – إلى أنه لا يجوز للعالم الإفتاء بأقوال الصحابة – رضي الله عنهم – من الخلفاء الراشدين المهديين أمثال عمر وعلي، وغيرهما من فقهاء الصحابة أمثال: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم – رضي الله عنهم -. ويزعمون أن أقوال الصحابة وردت مطلقة غير مقيدة، ومجملة غير مفصلة، فلا يجوز أن تكون مصدر للفتوى، مع أن كثيراً مما ورد عن أئمتهم يكون مطلقاً ومجملاً.

ولقد أصل الإمام ابن القيم مشروعية الفتوى بالآثار الصحابية والتابعية في كتابه (إعلام الموقعين) فقال رحمه الله:

في جواز إن الفتوى بالآثار السلفية، والفتاوى الصحابية، أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول – صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله – وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا، وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص، ولكن المفضَّلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم، فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين، ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم، بل يترك قول ابن المبارك والأوزاعي وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم، بل لا يلتفت إلى قول ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد وأمثالهم، بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشريح وأبي وائل وجعفر ابن محمد وأضرابهم مما يسوغ الأخذ به، بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأضرابهم، فلا يدري ما عذره غداً عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟ فكيف إذا عين الأخذ بها حكماً وإفتاء، ومنع الأخذ بقول الصحابة واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟ تالله لقد أخذ بالمثل المشهور "رمتني بدائها وانسلت"، وسمى ورثة الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ويقول ويعلن: إنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا، ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة. وهذا كلام من أخذ به وتقلده ولاّه الله ما تولى، ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى، والذي ندين الله به ضد هذا القول[17].

هذا ولا أنسى أن أنوه هنا بالدراسة المتعمقة والمطولة التي قدمها الأخ الباحث المحقق الشيخ (عبدالله الجديع) للمجلس الأردني للإفتاء والبحوث، وانتهى فيها إلى ما انتهيت إليه، وأوسع منه. وقد لخص بحثه نهايته في هذه النقاط التي أذكرها هنا للإفادة منها، والاعتبار بها. وهذه هي النتائج كما عرضها:

1-    ليس في المسألة نصّ قاطع.

2-    ليس فيها إجماع.

3-  عقود النكاح الواقعة قبل الإسلام صحيحة معتبرة بعد الإسلام، لا تبطل إلا بيقين، وليس اختلاف الدين مبطلاً بيقين، لعدم النص ولوجود الخلاف.

4-  أفادت الأدلة من الكتاب والسنة أن مكث الزوج مع زوجته مع اختلاف الدين الطارئ بعد الزواج لا يقدح في أصل الدين، ولا توصف به العلاقة بينهما بالفاسد.

5-    إبطال العلاقة بين الزوجين لاختلاف الدين بإسلام أحدهما بعد الزواج لا يقع بمجرد الإسلام.

6-  على كثرة من دخل الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يأت ولا في سُنّة عملية واحدة أن النبي صلى الله عليه وسلم فرّق بين امرأة وزوجها، أو رجل وامرأته لكون أحدهما أسلم دون الآخر، أو قبل الآخر كما لم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بذلك، بل صح عنه خلاف ذلك، كما في شأن ابنته زينب، فإنها مكثت في عصمة زوجها أبي العاص حتى أسلم قُبيل فتح مكة بعدما نزلت آية الممتحنة، وغاية ما وقع أنها هاجرت وتركته بمكة بعد غزوة بدر، وما أبطلت الهجرة عقد النكاح بينهما.

7-  التعلق بآية الممتحنة في إبطال العلاقة الزوجية باختلاف الدين ليس صواباً، إنما الآية في قطع العلاقات بين المسلمة والزوج المحارب لدينها، وبين المسلم وزوجته المحاربة لدينه، لا في مطلق الكفار.

8-  رفعت آية الممتحنة الجُناح في نكاح المؤمنة المهاجرة إن كانت ذات زوج كافر محارب، ولم تُلزم بذلك، لما وقع في قصة زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، فدلّ على أن عقد النكاح مع الزوج الكافر يتحول من عقد لازم إلى عقد جائز، والعلّة: تعذّر رجوعها إلى زوجها المحارب وما يَرöدُ عليها من الحرج بفوات الزوج.

9-  منعت الآية إمساك الرجل المسلم زوجته الكافرة التي لم تهاجر إليه من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو هربت منه مرتدة إلى الكفار المحاربين، والمعنى: خشية أن تبقى علاقة الزوجية من الميل إلى الكفار كالذي وقع من حاطب من أبي بلتعة حين كتب إلى المشركين بسرّ المسلمين بسبب أرحام له بمكة، كذلك لما يقع به من ضرر بها بتعليقها دون زوج.

10-   إذا أسلم أحد الزوجين وليس الكافر منهما محارباً جاز مكثهما جميعاً لا يفرّق بينهما بمجرد اختلاف الدين، كما دلّ عليه العمل في حق من أسلم قبل الهجرة بمكة، ومن أسلم في فتح مكة، وبه قضى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في خلافته دون مخالف، وأفتى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

11-       اختلاف الدين بإسلام أحد الزوجين سبب يُجيز فسخ عقد النكاح بينهما ولا يوجبه، كما دلّ عليه قضاء عمر وإقرار الصحابة.

12-   مقتضى إباحة مُكث الزوج بعد إسلامه مع زوجة كافرة غير محاربة لدينه، أو مُكث الزوجة بعد إسلامها مع زوج كافر غير محارب لدينها: أنّ عشرتهما الزوجية مباحة، لأن الإبقاء على صحة عقد النكاح بينهما يوجب العشرة بالمعروف، والوطء من ذلك.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، آمين...



[1] الكلام في الزوجة المشتركة، كما كان حال أهل مكة وجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. أما الزوجة الكتابية، فإن إسلام زوجها لا يضرها، إذ له أن يتزوجها ابتداء، فلا حرج في استمرارها معه بقاء.

[2] الطلقاء هم الذين أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم سراحهم ومنحهم الحرية يوم فتح مكة، وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

[3] انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم ج1 / 318-326 بتحقيق د. صبحي الصالح طبعة جامعة دمشق.

[4] في الأصل هنا كلمة غير مفهومة.

[5] أحكام الذمة لابن القيم السابق ذكره (2 / 338-344).

[6] مصنف ابن أبي شيبة (18301) بتحقيق مختار الندوي، نشر الدار السلفية بالهند (بومباي).

[7] مصنف ابن أبي شيبة (18302)، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (3 / 260): (هو أحق بنكاحها، ما كانت في دار هجرتها).

[8] مصنف عبدالرزاق، الأثر رقم (10084) بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي نشر المكتب الإسلامي – بيروت.

[9] مصنف ابن أبي شيبة (18306).

[10] المصدر السابق (18303)

[11] الأثر (10083) من مصنف عبدالرزاق.

[12] مصنف ابن أبي شيبة (18307).

[13] المصدر السابق (18305).

[14] الأثر (10085) من مصنف عبدالرزاق.

[15] مصنف ابن أبي شيبة (18304).

[16] شرح معاني الآثار للطحاوي (3 / 259).

[17] انظر: إعلام الموقعين (4 / 95 – 96)، طبعة دار الحديث بمصر.

|السابق| [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في فقه الأقليات المسلمة 

النية والإخلاص 

التوكل 

الإيمان والحياة 

الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca