الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: فصول في الأمرة والأمير
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: طلابي
 

الفصل الحادي عشر

في أركان الحكم

الفصل الحادي عشر

في أركان الحكم

 

رأينا تعريف الماوردي للامامة وأنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وقلنا إن هذا التعريف كما ينطبق على منصب الامامة العظمى فانه ينطبق كذلك على منصب الرئاسة لكل دولة اسلامية، ومن أجل ذلك كان للحكم في المفهوم الاسلامي أركان كثيرة بعضها تحتاجه حراسة الدين، وبعضها تحتاجه سياسة الدنيا، ولا ينفصل هذا عن هذا في الاسلام، بينما تجد البابوية مثلا تستقل بحراسة الدين المسيحي، والدول العلمانية في عصرنا تستقل بسياسة الدنيا، والأمر عندنا في الاسلام يختلف، واذا كانت التجارب عند الآخرين أقنعتهم بما وصلوا اليه بسبب من طبيعة الدين عندهم، فلم يقم عندنا ما يبرره، بل عندنا ما يفرضه ويحض عليه، فلنبدأ عرض أركان الحكم في اجتهادنا وهو اجتهاد استأنسنا لبعض ما ذكره ابن الأزرق.

 

الركن الأول: الدستور أو القواعد

 

لا بد أن يكون واضحا لدى العامة والخاصة كيف يوجد الامام والأمير وما هي حقوقه وواجباته، وما هي حقوق الناس وواجباتهم، لأنه بدون ذلك لا يقوم نظام الحكم قياما سليما فبدون شعور الناس أن سلطة الحاكم شرعية لا يسلمون لأوامره الا كرها، وحكم بالاكراه لا يدوم، وقد كانت هذه الأمور في زمن الخلافة الراشدة موجودة بشكلها الفطري، فهناك معرفة بفضل الصحبة عامة وبفضل بعض الأصحاب خاصة، وهناك الشورى التي عمقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك الكتاب والسنة، وقد ابنثقت الخلافة الراشدة عن هذا كله، ومع ذلك حدثت هزات عنيفة وقتذاك في المجتمع الاسلامي مما أوصل الى الملك العضوض الذي أوصل بدوره مع غيره الى التمزق الحاضر للأمة الاسلامية، ولم يعد للمسلمين دولة واحدة على رأسها خليفة يسلم له جميع الأمراء وجميع الشعوب المسلمة وجميع المسلمين، وهو وضع يستشعر كل المسلمين ضرورة الانتقال عنه، واذا كانت المسألة في عصرنا من التعقيد في الدرجة القصوى، واذا كانت تجربة الأمة الاسلامية السابقة تقتضي احتياطات، واذا كانت تجارب العالم قد أغنت كيفيات تطبيق الشورى فان الحكم الاسلامي يحتاج الى دستور مرن يحقق هذه المعاني كلها على مستوى الأمة الاسلامية جميعها، كما أن كل قطر اسلامي يحتاج الى مثل هذا الدستور. والتسمية بالدستور تسمية عارضة وقد قالوا لامشاحه في الاصطلاح، فليست العبرة بالتسميات بل العبرة بالمضمون، المهم أن يوجد في الحكم الاسلامي قواعد ضابطة على مستوى الأقطار والأمة، هذه القواعد تحدد كيفية وجود السلطة الشرعية، كما تحدد الهيكل العام للحكم وآلية تعامل السلطة فيما بينها، وآلية تعامل الشعب مع السلطة، وحقوق الجميع وواجباتهم، انه بدون هذه البداية لا يكون وضوح وتبقى ثغرات، والغموض يجر الى الاختلاف، والثغرات معرضة لأن يلجها الاعداء، والأمة بذلك تكون معرضة للزوابع، والحكم بذلك يكون معرضا لهجمات الجهات المتعددة. ثم إنه حتى في نظام اسلامي توجد آراء متعددة في كثير من القضايا، فما لم تتفق الأمة على رأي من هذه الآراء تلتزمه بما يناسب المراحل الحالية للأمة الاسلامية فان كل يوم جديد قد يرينا خارجاً طامعاً باغياً مجتهداً وبهذا تعود الصراعات التي اضعفت المسلمين على أشدها. ونحن هنا أن نقول: إن الكثير من القواعد الدستورية المعاصرة لا حرج فيها من وجهة النظر الاسلامية لأنها تمثل حقاً فطرياً أو تجربة ادارية وكلاهما مقبول اسلامياً، ولذلك فان الذين يخافون من الدستور مخطئون، والذين يتوهمون أن دستورنا سيكون مختلفاً خاطئون، ومع أنه في العادة يذكر الدستور أمهات الأركان التي لا بد منها في حكم، فاننا سنتحدث في الأركان التالية عن كثير من الأمور على أنها أركان مستقلة وهي عادة مما يدخل في مواد الدستور... واذا كان للدستور مثل هذه الأهمية فلا بد من بذل الجهود المستمرة في تطويره ولا بد من بذل الجهود في تدريسه والاقناع به، فالدستور الذي لا يلحظ المستجدات يجمد ويجمَّد، والدستور الذي لا تقتنع به أكثرية الأمة لا تكون له قيمة في الأنفس.

 

الركن الثاني: الشورى: اعتمادها وترتيبها وتنظيمها

 

(1)

اعتماد الشورى في الحكم فريضة شرعية. قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] وقال {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]. قال النووي "ويغني ذلك عن كل شيء فانه اذا أمر الله بها النبي صلى الله عليه وسلم نصا جليا، مع أنه أكمل الخلق، فما الظن بغيره". قال الطرطوشي: "هي ما تعده الحكماء من اساس المملكة، وقواعد السلطنة واليها يحتاج الرئيس والمرؤوس". قال ابن الأزرق: "هو كذلك في الشريعة حرفا بحرف". قال ابن العربي: "المشاورة أصل الدين، وسنة الله في العالمين، وهو حق على عامة الخليقة من الرسول الى أقل خلق بعده في درجاتهم، وهي اجتماع على أمر، يشير كل واحد برأيه، مأخوذ من الاشارة". وفي تفسير قوله تعالى: {وامرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، قال ابن العربي: "اي لا يستبدون بأمر ويتهمون رأيهم، حتى يستعينوا بغيرهم، ممن يظن به أن عنده مدركا لغرضه. قال: وهذه سيرة أولية، وسنة نبوية، وخصلة عند جميع الأمم مرضية".

 

(2)

وحكم مشروعية الشورى كثيرة منها:

أ-      وعي الأمة على قضايا فمن خلال الشورى ترتفع السوية العامة للأمة وتصبح السياسة علم الجميع ويفهم الناس أبعاد القضايا التي يواجهونها.

ب-   اطمئنان الرعية لسلامة السير فمتى عرفت الجماعات والشعوب أن أمورها تنضجها الشورى من أهلها استراحوا للسير وشاركوا في التنفيذ براحة وثقة والا كان القلق والاضطراب وفقدان الثقة التي بدونها لا تفلح أمة ولا ينتج حكم.

ت-   الأمن من ندم الاستبداد بالرأي الظاهر خطؤه، ففي الشهاب: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار.

ث-   احراز الصواب غالباً، فقد كان يقال: من أعطي أربعاً لن يمنع اربعاً: من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب.

ج-   ازدياد العقل بها واستحكامه. قال الطرطوشي: المستشير وإن كان أفضل رأياً من المستشار، فانه يزداد برأيه رأياً، كما تزداد النار بالحطب ضوءاً. قال ابن الأزرق: وقد قيل: المشاورة لقاح العقل، ورائد الصواب، ومن شاور عاقلاً أخذ نصف عقله.

ح-   الفوز بالمدح عند الصواب، وقبول العذر عند الخطأ، قال بطليموس: من آثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطأ عاذراً.

خ-   اغناء التدبير بها فلا خفاء أن احكام التدبير يحتاج الى شورى. قال بعض الحكماء: حق على العاقل الحازم أن يضيف الى رأيه آراء العقلاء، فاذا فعل أمن عثاره ووصل الى اختياره.

د-     التجرد بها عن الهوى الساترة حجبه عن الحق والسداد، وإن كان هناك عقل ورشاد. قال بعض الحكماء: إنما يحتاج اللبيب ذو التجربة الى المشاورة ليتجرد له رأيه من هواه... وقيل لهرمز: "لم كان رأي المستشار افضل من رأي المستشير؟ فقال: لأن رأي المستشار معرى من الهوى".

ذ-     بناء التدبير بها على أرسخ أساس، والعكس بالعكس، ومن ثم قيل: انفاذ الملك للأمور من غير رؤية، كالعبادة من غير نية...

ر-    استمناح الرحمة والبركة. قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "المشورة والمناظرة بابا رحمة، ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم".

ز-    دلالة العمل بها على الهداية والسداد. قال علي رضي الله عنه: "الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، وعن بعض الحكماء: المشورة مع السداد، والسخافة مع الاستبداد.

س- وجدان الصواب بها عند اشكاله. قيل اذا أشكل الرأي على الحازم، كان يمنزلة من أضل لؤلؤة، فجمع ما حول مسقطها، فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض، حتى يخلص له الصواب.

 

(3)

ولأهمية الشورى تجد أن أكثر خلق الله استشارة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتجد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصحاب العجب العجاب من توسيع دائرة الشورى حتى إنها في بعض الأحوال كانت تعمم على الأحداث وعلى النساء في خدورهن. ولو أن الخلافة الراشدة استمرت في هذه الأمة لوجدنا نماذج من الشورى كثيرة، ولكنا أغنى خلق الله بالسوابق الدستورية والعملية في شأن الشورى ولكن باغتيال الخلافة الراشدة ووجود الملك العضوض لم تأخذ قضية الشورى مداها في تاريخنا، على أن تاريخنا مع ذلك امتلأ بقصص الشورى.

وقد ارتبط التقدم المدني في العالم بوجود الشورى في الحكم على مستوياته المتعددة وذلك كله يعتبر تجارب يمكن للأمة الاسلامية أن تستفيد منها في تطبيق الشورى على أوسع نطاق، مع ملاحظة أن الشورى ليست في ما حكمت به النصوص بل هي في الأمور التي تتراوح بها المصلحة وفي القضايا التي اختلف بها الفقهاء أي أقوالهم يختار كقانون عام للأمة.

 

(4)

ومهمة الأمير ترتيب أمر الشورى وتنظيمها فينظم كيفية اختيار الأمة أو الجماعة لممثليها، ويرتب أمر استشارة كل مجموعة بما يخص شؤونهم، ويرتب أمر المستشارين الخاصين المختصين، وكل ذلك له أصول في السنة وفي حياة الصحابة. فعلى مستوى الأمة الإسلامية والخلافة لا حرج أن يوجد مجلس نواب ومجلس شيوخ، وينبغي أن يوجد مستشارون خاصون للامام، وعلى مستوى الأقطار لا حرج أن يوجد مجلس نواب ومجلس شيوخ وينبغي أن يكون للأمير مستشارون خاصون، وهذا لا ينفي أن يكون للأمير استشاراته الخاصة الواسعة الزائدة على الاستشارات الرسمية المتعارف عليها. قال ابن حزم: "واذا نزلت بالسلطان معضلة ليس عنده فيها يقين، شاور من أصحابه وولاة جنوده، من يرجو عنده فرجا من ذلك، ويشاور في الحروب أهل الحرب وسياستها ويسأل عن كل علم أربابه، ولا يتكل على رأي أحد، ولا يطلعهم على ما يختار من رأيهم، فاذا انقضى ما عندهم أنفذ مما سمع منهم". أقول: من حق الجهة الرسمية ذات العلاقة أن تعرف وأن تقتنع والمفروض أن تنظم هذه الأمور بما يناسب الجمع بين الشورى والسرية والأمن، وتجارب البشر في هذا الموضوع كثيرة ولذلك أصوله في السنة النبوية، وهذا يوصلنا بالضرورة الى فكرة تقعيد نظريات الشورى والسير على ضوئها.

 

(5)

وللشورى آداب وللمستشير آداب وللمستشار آداب وللمستشار فيه ضوابط: فمن آداب المستشير:

أ-      أن يصدق في التعريف بقصده من الأمر المُستشار فيه، بحيث لا يترك شيئاً مما يعلم فيه من مصلحة أو مفسدة. أشار اليه النووي.

ب-   أن لا يلتمس الرخصة من المستشار، مخافة الزلل بمخاطبة الهوى في ذلك، ومن حكم الهند: "أن من التمس من الاخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر".

ت-   أن يستكثر من المشاورين، ما أمكنه استظهاراً على الوثوق بالرأي المشار به عليه. قال النووي: "ويستحب أن يشاور جماعته بالصفة المذكورة، يعني في شروط المستشار، قال: ويستكثير منهم".

ث-   أن يتواضع للمستشار، ولا يترفع عن التنزل له في استهداء ما يشير مما يظهر له صوابه وإن كان السلطان الأعظم. قال ابن رضوان: لا ينبغي للملك عند المشاورة أن يترفع ولا أن يسلك سبيل الهيبة، فان ذلك يقصر لسان الناصح والمشير.

ج-   القبول. قال النووي: "وهو فائدة المشاورة، اذا كان المستشار بالصفة المشروطة فيه، ولم تظهر المفسدة فيما أشار به".

ح-   الاعراض عن ملام المستشار عند ظهور خطئه، قالوا: "اذا أشار عليك أحد برأي، أفضى فيه الى الغلط، وزل عن الصواب، فلا تأخذوا في تأنيبه وتوبيخه فان الآراء ربما خفيت وجوهها، وغابت أسبابها، وليس كل الرأي مقطوعاً به، واذا لمته على غلطه، مع صحة قصده، آذيته وقطعت غيره من النصحاء عن نصحك".

خ-   التأني بالفعل، ريثما تحصل الثقة بالرأي، وتصمم العزيمة عليه. وكان يقال: "كل رأي لم تتمخض فيه الفكرة ليلة كاملة، فهو مولود لغير تمام". وفي محاسن البلاغة: "في الروية تبيان الرأي، وفي تبيان الرأي نصح الاعتزام".

د-     تقديم الاستخارة قبل العزم على امضاء ما تمخضت عنه الشورى، قال ابن الحاج: "الجمع بين الاستخارة والاستشارة من كمال الامتثال للسنة اذ بركتهما ظاهرة، فينبغي ألا يقتصر على أحدهما".

ذ-     ترك الالتفات بعد المشورة والاستخارة الى ما يعرض من ترددات المترددين مع أخذ كلامهم بعين الفحص أو الى ما يعرض من تطيرات وتشاؤمات فكل ذلك ألغته الشريعة.

هناك شورى رسمية تضبطها القواعد المتفق عليها بين الأمة بفئاتها كلها، والشورى الرسمية يمكن أن يشترك فيها مسلمون وغير مسلمين كما يمكن أن تشترك فيها أحزاب المعارضة أو الأحزاب التي لها نظرياتها السياسية أو وجهات نظرها الفقهية وهذه جميعاً تضبطها القواعد الاسلامية المتفق عليها، أما المستشارون الخاصون للأمير فهؤلاء ينبغي أن تتوافر فيهم شروط معينة، من جملتها:

أ-      العقل الكامل بطول التجربة مع الفطنة والذكاء. قيل: لأن الأحمق الجاهل اذا استشرته، زاد في لبسك، وأدخل عليك التخليط في رأيك، ولم يقم بتحقيق نصحك. وكان يقال: احذر مشاورة رجلين: شاب معجب بنفسه، قليل التجارب في عمره أو كبير قد أخذ الدهر من عقله ما أخذ من جسمه.

ب-   الدين والتقوى، قال ابن الحاج: "لأن ذلك عماد كل صلاح، وباب كل نجاح، ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق الغزيمة". قال: "وروى عكرمة بن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أمراً فشاور فيه امرءاً مسلماً وفقه الله لأرشد أموره). قلت وعن عمر رضي الله عنه: "شاور في أمرك من يخاف الله عزّ وجلّ".

ت-   المحبة الحاملة على خلوص النصيحة. قيل لأنه اذا كان كذلك أمنت من غشه، واجتهد لك في نصحه، ونظر في أمرك بجميع أجزاء قلبه. قال ابن الأزرق: ولا يستشار العدو الا في موضع واحد، وهو أن يكون صلاح الرأي بصلاحه، وفساده بفساده، كعدوين في سفينة، يستشير احدهما الآخر في صلاحها، ونجاتها، قال: واحترز أن يكون في عقبى ارشاده شيء يخصك بفساده.

ث-   سلامة الفكر من المكدرات والكدورات، فالمصاب بذلك ليس مظنة الشورى الرشيدة في الغالب، فالجائع حتى يشبع، والعطشان حتى يقنع، والأسير حتى يطلق، والضال حتى يجد، والراغب حتى يمنح، وصاحب الخف الضيق، وحاقن البول، وصاحب المرأة السليطة، ومعلم الصبيان بسبب اقتصاره على خلطتهم والراعي بسبب غزلته، والكثير القعود مع النساء، ومن لا دقيق عنده.

ج-   البراءة، مما له في الأمر المستشار فيه من هوى يساعده وغرض يقصده، لأن الأغراض جاذبة، والهوى معكر، والرأي اذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد.

ح-   الجمع بين العلم بالمستشار فيه، والعمل به.

خ-   تساويه مع المستشير في الطبقة فقد قالوا: ينبغي أن تستعمل مشورة ذوي الرأي من أهل طبقتك ولا تعدل عنه الى رأي ذي طبقة أخرى، فيعدل بك عما تحتاج اليه، وهذا فيما ليس مؤهلاً للرأي فيه الا أناس بأعيانهم.

د-     أن يكتم السر الذي يطلع عليه عند استشارته. قيل: "لأنه اذا اطلع على رأيك بعض أصدقائه أو غيرهم من جلسائه أخبر كل صديق صديقه، وفاه كل جليس الى جليسه، حتى يصل أمرك الى عدوك، ويتصل رأيك بأهل بغضك، فيبتغوا الغوائل، ويفسدوا الرأي قبل احكامه".

ذ-     سلامته من غائلة الحسد. قيل: "لأن الحسد يبعث أهل المحبة على البغضة، وذوي الولاية على البعد والفرقة، وحينئذ يتعمد ضرك بجميع الوجوه التي تتقيها على نفسك، وتكون داعية الى فساد رأيك". ومن وصاياهم: "لا تشاور الا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود".

ر-    عدم استلزام نصحك ضره، أو ضر أحد من الأعزة عليه، قيل: "لأنه اذا أدى نصحك الى ضره أو نغص شيئاً من أمره، لم يفضلك على نفسه، ولم يخصك بنصحه، وكذا إن أضر ذلك باخوانه".

ز-    تنزهه عن معان لا تصلح معها شوراه كالبخل والجبن والحرص فقد كان يقال: "لا تدخل في رأيك بخيلاً فيقصر فعلك، ولا جباناً فيخوفك ما لا تخاف، ولا حريصاً، فيعدك ما لا يرجى".

ومن آداب المستشار:

أ-      بذل الوسع في النصيحة واعمال الفكر في استخراج زبدتها، أشار اليه النووي محتجاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". رواه مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه. وقوله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمن". رواه أبو داوود وغير واحد عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ب-   المبالغة في تقصي ما للأمير وما عليه وارشاد المستشير الى ذلك.

ت-   بذل الوسع في تبين الخطأ وتوضيح ذلك.

ث-   ألا يساير المستشير في أهوائه. وقد كان عمر بن هبيرة يقول: "اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه دون غيره، والانحطاط في هوى مستشيره ومن لا يلتمس خالص مودتي الا بالتأني لموافقة شهوتي، ومن يساعدني على شرور ساعتي، ولا يفكر في عواقب عدتي".

ج-   أن يشير باستصلاح ما شوور فيه لا باعمال واجب المؤاخذة عليه فقد قالوا "اذا شاورك الملك في قوم فحركه على استصلاحهم، ولا تتعمد هفواتهم، فان خطأك في الحض على الإحسان، أسلم من خطئك في التحريك على الإساءة".

ح-   أن يلقي ما يشير به من وراء وراء فقد قالوا: "اذا شاورك من الرؤساء من قد وقفت على فاقته الى رأيك، فلا  تكلمه بكلام أمر ولا مشاور، وأخرج كلامك في معرض مستفهم منه ما سنح لك، ولير فيك الحاجة في عرض كلامك عليه. وينبغي للمشير اذا كان النجاح عقب اشارته، أن لا يكثر من الافتخار برأيه، والاحتجاج على فساد رأي غيره، فان ذلك من سوء الأدب وتقريع الأصحاب ومذموم الاعجاب".

خ-   واذا وفق الله المستشار الى الرأي الصحيح فأدبه أن يشهد لله المنة عليه بالتوفيق لذلك ويحمد الله.

وأما المستشار فيه فهو أحد اثنين:

أ-      ما هو من أمور الدنيا وخفي وجه الصواب فيه فيطلب العثور عليه بالمشورة.

ب-   ما هو من الأمور المشتبهة في الدين: (وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس) فهذه يتذاكر فيها مع أهل العلم حتى يتضح وجه الحق فيها ويدخل في هذا وهذا أمور كثيرة: مواقف سياسية، خطط عسكرية، برامج تطوير، برامج تنمية واعمار، علاقات محلية....

 

الركن الثالث: ترتيب الوزارة واختيار الوزراء

 

بحث الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية في باب تقليد الوزارة اموراً كثيرة لها صلة بالوزارة من وجهة نظر فقهية، وذكر أن الوزارة على نوعين: وزارة تفويض ووزارة تنفيذ وأنه يجوز أن يولى الذمي وزارة تنفيذ والذي اذهب اليه أنه على مستوى وزراء الخلافة لا ينبغي أن يكون وزير ذمي أما على مستوى وزراء الأقطار فبالإمكان ذلك اذا وجدت ضرورة أو مصلحة كأن يراعى التركيب العام للسكان، وقد اشترك ابن الأزرق مع الماوردي في الكثير مما ذكره وزاد عليه اموراً كثيرة وهذه فقرات في شأن الوزارة والوزراء نجمع فيها ما ذكره القدماء وما تقتضيه ضرورات العصر.

 

(1)

كلما توسعت دائرة الملك او تعقدات اسبابه ووسائله واطره وحيثياته اضطر الأمير لمزيد من الوزراء، ونتيجة لتعقيدات عصرنا وكثرة خدماته فقد اصبح تعدد الوزراء هو الأصل، والحكومات نوعان فنوع يكون فيه رئيس الدولة الأعلى هو رئيس الوزراء ونوع يكون فيه رئيس الوزراء غير رئيس الدولة الأعلى، وهذه الحالة نفسها تنقسم الى قسمين فقسم تكون السلطة فيه مركزة بيد رئيس الوزراء والرئيس الأعلى رمز، وقسم تكون السلطة فيه مركزة بيد الرئيس الأعلى وهو يعطي رئيس وزرائه ووزراءه ما يشاء من مسؤوليات.

 

(2)

وأياً ما كانت نوعية الوزارة فلا بد للوزير أن يلاحظ السبب الذي من أجله أصبح وزيراً، والجهة التي قلدته منصب الوزارة، وهذا يقتضي منه آداباً وواجبات، ويحمله مسؤوليات، وأول آدابه وواجباته أن يعرف الحقوق للجهة التي أولته ثقتها فاذا فاته ذلك تعب واتعب إن لم يكن خان واذنب، ولذلك قد يكون من المناسب لأي جهة تريد أن تقدم انساناً لمنصب الوزارة أن تعرفه حقوقه وواجباته وماذا تريده منه وعلى ضوء ذلك يتم التقليد.

 

(3)

ورتبة الوزارة لها شرفها فقد قال الطرطوشي: "أشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ثم الوزارة". ولذلك ينبغي أن يختار لها من هو كالصنو للأمير في كل شيء، فقد ذكر الماوردي أن كل شروط الإمامة معتبرة بالوزير ما عدا شرط النسب على من يقول به وزاد أنه يجب أن تتوافر في الوزير مزيد شروط تناسب عمله واختصاصه، والحكمة واضحة في ذلك لأن الحكمة في نصب الوزير أن الأمير لا بد له من يشاركه في حمل اعباء الولاية فلا بد أن يكون للشريك من الكمالات ما هو للأصل قال ابن الأزرق: "إن اختياره على أكمل الصفات، من اسبق ما يشهد للسلطان باحراز الفضيلة المستولية على ابعد غاية". قالوا: "اول العلامات التي تدل على قوة تمييز السلطان، وجودة عقله، حسن اختياره للوزراء، وجودة انتقائه للجلساء وحرصه على محادثة العقلاء". قال الطرطوشي: "وبهذه الخلال يحمد في الخلق ذكره، ويجل في العين قدره، وترسخ في النفوس عظمته". ومن كلام الحكماء: لا يطمعن ذو الكبر في الثناء ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيء الأدب في الشرف، ولا الشحيح في البر، ولا الحريص في قلة الذنوب، ولا الملك المتهاون الضعيف الوزراء في بقاء الملك. ولأهمية اختيار الوزير وضع العلماء موازين لاختياره، فشرطوا أن تتوافر فيه فضائل نفسية وكمالات بدنية وصفات خارجية:

أما الفضائل النفسية فكثيرة:

احداها: العلم وأوكده العلم بأيام الناس، وسير الملوك، وسياسة الرياسة، وادب الخدمة، ومعرفة الخط والكتابة والحساب.

الثانية: جودة الفهم، لتصور الأمور على حقائقها، ويحكم عليها بما يجب لها، نفياً واثباتاً.

الثالثة: الذكاء والفطنة لئلا تتدلس عليه الأمور فتشتبه، ولا تموه فتلتبس. قيل: ولا يصح مع اشتباهها عزم، ولا يتم مع التباسها حزم.

الرابعة: قوة الحفظ، ليتذكر ما يلقى الى السلطان، أو ينقل عنه، لأنه شاهد له وعليه، وشرط الشهادة العلم بمتعلقها اداء وتحملا.

الخامسة: المعرفة بضروب الجبايات، بحيث لا تخفى عليه وجوه المصلحة فيها، ولا تشتكي الرعية اليه الا علم موجب شكايتها ووجوه مداواتها.

السادسة: الحنكة والتجربة، ليحمل على صحيح الرأي وصواب التدبير.

السابعة: الصبر على تحمل ما يقوم به عن سلطانه لا سيما مباشرة العامة، ففي "محاسن البلاغة" "يحتاج سائس الناس الى سعة الصدر، واستشعار الصبر في احتمال بوادر العامة، وافهام الجاهل، وارضاء المحكوم عليه، والممنوع مما سأل وتعريفه من اين حكم عليه ومنعه ما سأله".

الثامنة: قوة العزيمة على فعل ما ينبغي، بحيث لا يثنيه عنه ضعف نفس، ولا خور طبع.

التاسعة: حب العدل وأهله، وبغض الجور وذويه، ليعطي النصفه لأهله، ويرثي للمظلوم وينصره، وإن في سخط الظالم ارضاء للحق وارغاماً للباطل.

العاشرة: رحمة الخلق ليداوي بها ما يجرحه السلطان بغلظته إن كانت كما كتب معاوية رضي الله عنه الى زياد: إنه لا ينبغي لنا أن نسوس الناس سياسة واحدة لا نلين جميعاً فنجعل الناس في المعصية ولا نشتد جميعاً فنجعل الناس على المهالك ولكن لتكن أنت للشدة والغلظة وأكون أنا للرأفة والرحمة.

الحادية عشرة: النزاهة، قال ابن رضوان: "وهي من آكد شروطه".

الثانية عشرة: طهارة القلب من خبث السريرة، ليكون نقي الجيب ناصح الغيب، قال بعض الملوك لوزيره: لتكن الى ما يسرني منك أسرع مبادرة منك الى انذاري فيما تخاف علي منه. وقال آخر: اعط من أتاك بما تكره، كما تعطي من اتاك بما تحب فإن من انذرك كمن بشرك.

الثالثة عشرة: حسن المعاملة، بسماحة الخلق، ولين الجانب وسهولة اللقاء، واستعمال التواضع. ففي العهود اليونانية: "ان المتواضع المتقلل من الوزراء يكون طويل العمر في وزارته مظفراً بأعدائه قريباً من الأحوال المرضية عند ربه".

الرابعة عشرة: كبر النفس وعلو الهمة، ليحب الكرامة ويأنف من الفضيحة، فتعز به الدولة، ويحمي جانبها من طوارق الذل والمهانة.

الخامسة عشرة: اعتدال الخلق والسيرة. قال الطرطوشي: "من شروطه: أن يكون معتدلاً كليل تهامة، لا حر ولا قر"، حتى اذا انحرفت سيرة السلطان، تطلف هو في ردها الى الاعتدال.

وأما الكلمات البدنية:

فأحدها: تمام الأعضاء لأن النقص فيها شين، يتنزه عنه جمال الملك وزينته.

الثاني: جمال الوجه وبهاؤه، مع البشر والحياء، لدلالة ذلك على شرف النفس عكس القباحة المنفرة، لا سيما مع الصلف والوقاحة.

الثالث: صدق اللسان، لما في الكذب من المفاسد المخلة بمصالح الدين والدنيا.

الرابع: حسن العبارة المؤدية لما في النفس بأوجز لفظ وأوضح بيان.

الخامس: صمت اللسان عن هذر القول وكثرة المزاح، والتعريض بالناس، والاستخفاف بهم، غيبة وحضورا.

السادس: الفروسية، ليحسن بها، مع الشجاعة التي هي أم الفضائل مباشرة الحروب، ومدافعة العدو في موطن اللقاء.

السابع: ظهور اثر العفة عليه في اتقاء شره الأكل والنكاح. ففي الأفلاطونيات: "اقبح ما يشنع على الوزير، تشاغله بلذة، أو شرب أو خروجه، الى طور الغضب، فان واحدة من هذه ، تفسد ناموسه الذي قام به".

وأما الصفات الخارجية:

فاحداها: شرف البيت، وكرم المنشأ، كأن يكون من بيت وزارة، لأنه اذ ذاك وارث حالة نشأة عليها، ودرب على ممارستها.

الثانية: امانة بطانته، وبصيرتها بما يرام منهم في مصلحة الاختصاص به وقد تقدم أن صلاحه مشروط بصلاحهم.

الثالثة: حسن الملبس وجمال الزي، عملا على مشاكلة الرتبة، وابهة المقام، ليجمل في العيون، ويعظم في الصدور.

الرابعة: اباحة مجلسه لذوي المقاصد والحاجات، ليصغي اليهم، ويؤنس من وحشتهم، ويصبر على تحاملهم.

الخامسة: استواء ليله ونهاره في حسن النظر وسداد التدبير قياما بما نصب له، ووفاء بما شرط عليه.

وقد حذر بعضهم من توزير اللئيم. قال الطرطوشي: ليحذر الملك أن يولي الوزارة لئيماً، لأن اللئيم اذا ارتفع جفا اقاربه، وانكر معارفه واستخف بالأشراف، وتكبر على ذوي الفضل والانصاف.

 

(4)

ومن أوائل واجبات الوزير أن يخلص النصيحة للأمير وإن يحسن اختيار بطانته. فعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره به، وإن ذكر اعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه". رواه أبو داوود والنسائي ولفظه: "من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزير صالحاً، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه". وإن من صلاح الوزير، صلاح بطانته واعوانه، ضرورة أن كل ذي بطانة صلاحه متوقف على صلاحها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من وال الا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وقي شرها فقد وقي، وهو الى من يغلب عليه منها". رواه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومما قالوه في الوزير:

"الوزير مع الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه".

"الوزير يصون الملك عن الامتهان ويرفعه عن التبذل في كل مكان".

"الوزير عون على الأمور، وشريك في التدبير، وظهير على السياسة ومفزع عند النازلة".

"يزداد الملك الحازم برأي وزرائه، كما يزداد البحر بموارده من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا ينال بالقوة والجند".

"حياة الملوك وزينتهم وزراؤهم".

 

(5)

وحق الوزير على الأمير شيئان:

أحدهما: مشورته في كل ما يخص شؤون عمله.

والثاني: موافقته على امضاء ما ظهر سداد رأيه فيه لأنه اذا لم يفعل ذلك اضعف مركزه، ولا يطمعن أمير في قوة مركزه اذا أضعف مركز وزرائه، لأن هيبة السلطان بهيبة الوزراء والثقة بالسلطة تكون على قدر الثقة بالوزراء.

 

(6)

هذا وللوزير أدب نفسي لا ينبغي أن يفارقه وأدب مع الأمير لا ينبغي أن يتخلى عنه وأدب مع الناس لا يصح أن يفرط فيه. فمن آدابه النفسية:

أ-      أن يتصرف بمقتضى العدل والنصفة فيملك سائر القلوب، ويظفر منها بالمحبة الصادقة. وبموجب الجور والقهر لا يملك منها الا التصنع في الظاهر، وعندئذ فهي تطلب في السر من تنقاد اليه ظاهراً وباطناً.

ب-   أن يقابل النعمة عليه بالانعام على خلق الله: ذلك أن بقاء النعمة عليه ببقاء النعمة منه واستقامة الأمور على حسب استقامتها به. لأن النعمة من العبد شكران على النعمة عليه، فاذا كفر بها بتركه، فقد عرضها للزوال.

ت-   أن يعمل على اصلاح ما دخل في ولايته فصلاح الأمر به أفضل ما يعتد به في استمرار الوزارة، كشمول الأمن وعموم الرضا ووفاء الذمة وافاضة الاحسان، فبذلك تحسن الأيام ويطيب الذكر، وتملك القلوب، ولا كذلك اذا أعرض عن هذا القصد ونأى عنه بجانبه.

ث-   أن يؤثر التعب على الراحة ذلك أن ايثار الراحة وقت الحاجة الى الحركة، يعقب تعبا لا بد منه وقد لا يفيد التعب وقتذاك، فتحمل التعب ابتداء أولى من النهوض الى تعب لا فائدة فيه البتة.

ج-   الا ينقم لنفسه ممن يهم بزوال نعمته الا اذا تجاوزت الحدود فذلك كفيل بحسن الحراسة من الله تعالى، مع احراز السلامة من التبعة وادخار المثوبة يوم الجزاء.

ح-   أن يقدم تقوى الله واستشعار مراقبته فيما أوجب عليه من طاعة السلطان، ومقابلة ثقته به بما يوفي بحقوقه اللازمة، وحمل الكافة على مقتضى الشرع الذي هو نهاية العدل بينهم، وبذل الوسع فيما تقلد من ذلك، واعتمد عليه في الوفاء به.

خ-   أن يسارع للقيام بأعمال الوقت والوظائف الحاضرة، حذراً من آفات التأخير ومحذور عوائقه، وأيضاً فالوقت الذي تؤخر اليه له عمل آخر يخصه. قالوا: ازدحام الأعمال يستتبع دخول الخلل فيها.

د-     أن يحترز من اغفال شيء تقلده اتكالاً على ثناء الناس عليه بمحاسن القيام بالوظيفة، لأن الثقة بمدح الناس ذهولاً عن المساوئ الباطنة، عدول عن اعتبار ما هو أوفى في المعرفة وأصدق في الدلالة.

ذ-     أن يعتمد عند توزيع وظائف الخدمة على وسيلتين: الكفاية والأمانة، وان كان المتصف بهما بعيداً عن العناية لولاهما، وذلك لما يعود به قبول ما سواهما من التضييع والخيانة مع الرمي بنقيصه الايثار بهوى أو هوادة أوتقصير.

ر-    أن يترفع عن التبذل بكثرة مباشرة العامة، لما في طباعها من اهانة من خالطها وتنقيصه بافراط الدالة عليه، لكن بحيث لا يفرط في غلظة الحجاب. فقد جعل الله لكل شيء قدراً.

وأما آدابه مع أميره فكثيرة:

أ-      اخلاص النية الصالحة في كل ما يلفظ به بين يديه. فقد قالوا: اذا طابق الكلام نية المتكلم، حرك نية السامع، وان خالفها، لم يحسن موقعه، من أريد به. وكل كلام يبرز عليه كسوة القلب الذي برز منه.

ب-   عدوله بالسلطان عن المضرة بالناس، متى سلك طريقها باعمال التلطف له في جذبه بالرفق، مظهراً له أن صورته محبة الاحسان وكراهة الاضرار.

ت-   تنزله في القاء الفائدة للسلطان، بحيث لا يشعر بأنه المفيد له بها. فقد قالوا: ينبغي للوزير أن يخرج افادته للملك في صورة الاستفادة منه، ولا ينسى محله عند رفع السلطان له. وقالوا: اذا شاورك الملك، فلا تكلمه كلام المرشد لمن استهداه، ولير فيك من الحاجة الى عرض ما تشير به عليه أكثر من حظه في فائدة ما بدا منك.

ث-   تنبيه سلطانه على حفظ الشريعة باحياء سننها، وقمع البدع فيها مع احالة ذلك عليه. بعد مبادرته هو الواجب تغيير المنكر بنفسه، ليظهر للناس أن عناية السلطان بذلك فوق ما أهمه هو من العناية به.

ج-   اعمال جهده في التماس عذر السلطان في ما اقر له فيه بالخطأ مع الحذر من التصريح بالموافقة عليه. فقد قالوا: اذا ذكر لك رئيس خطأ، كان منه واعترف به، فأجل فكرك في الاعتذار له منه، واحذر أن تعنفه، ولا تجمع معه على ذمه. واذا أردت تسكين غضب الملك على أحد، فأدخل معه في غيظه وصغر امره وأعلمه أن منزلته دون أن تخرج الملك عن سكينته، ليستريح اليك ويسكن، ثم تترفق له بعد ذلك، كما يعمل الزجاج بآلة الزجاج، ينقلها بعد الخروج من النار، الى موضع حار لئلا يضر بها برد الهواء، على ان هذا المقام دقيق فقد يقع الوزير بالاثم بسببه اذا لم تكن له حسن نية وتحفظ في الكلام واقتصار على القدر الضروري.

ح-   تحضيض من احسن اليه على تحضيض الشكر بالسلطان والاعتراف له بالمنة لما فيه تعظيم مقامه، فقد قالوا: حرض من أحسنت اليه على شكر الملك دونك ليقف على أن سعيك له أكثر من سعيك لنفسك.

خ-   اقتصاره في التصريف بمقتضى الفضائل الملوكية على فضيلتي الصبر والعدل، وما وراء ذلك، فالى السلطان لا له.

د-     مراعاة احوال سلطانه في السر والجهر والغيبة عنه والحضور معه، بحيث لا يخفى عليه شيء من اموره، ولا يغيب عنه قليل منه ولا كثير.

ذ-     معرفة خلق سلطانه، ليسلك في التدبير على حسبها كالسخاء والبخل والقوة على التدبير والضعف والاسترسال وسوء الظن وحسن البشر والانقباض، فالسخي يؤثر الشكر على التوفير، والبخيل يؤثر التوفير على الشكر، والقوي على التدبير يستدعي المشاركة، والضعيف على التدبير يركن الى التفويض والحيلة، والحسن الظن يتمكن معه من احكام أموره، والحسن البشر يزيد في نشاط صاحبه ويملك قلوب الأحرار باقباله، والشديد الانقباض يكل عن السعي في أموره، ويمنع انشراح الصدر لموالاته.

ر-    ورأس الأمور كلها، وملاك هذه الآداب تقوى الله تعالى وذلك في تقديم طاعته وذلك لأمرين:

أحدهما: أن السلطان لا طاعة له في معصية الله تعالى، لما تقرر ذلك شرعاً. وانظر في موعظة الحسن لابن هبيرة وقد سأله عن الكتاب يرد عليه من سلطانه بما فيه مخالفة، هل له سعة في تقديم الطاعة له فقال: "الله أحق أن تطيعه، ولا طاعة له في معصية الله فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله، فان وجدته موافقاً له فخذ به، وإن وجدته مخالفاً فأبعده. يا ابن هبيرة، اتق الله، فانه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك الى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك، وتنزل على عملك، يا ابن هبيرة وإن الله لمنعك من يزيد، وان يزيد لا يمنعك من الله، وإني لأحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين".

الثاني: انه بتقدير ايثاره بالطاعة فهو الذي بتسليطه تعجل العقوبة. فقد قال المقتدر بالله لوزيره علي بن عيسى: اتق الله يعطفني عليك، ولا تعصه فيسلطني عليك، قال المأمون لبعض وزرائه: اياك أن تعصي الله فيما تتقرب به الي، فيسلطني عليك".

وأولى اذا كانت المعصية بالطاعة له في محظور، كما دل عليه حديث: "من اعان ظالماً سلط عليه".

وأما آدابه مع الناس فكثيرة منها:

أ-      تنزيلهم حيث يضعهم الاستحقاق من حظوة المكانة الواضحة عند ذوي الاقدار على موفور الجراية مع ارضاء السلطان في تفضيل الأمراء، فبذلك يؤمن محذور الوقوع في خلل التدبير لسائر الطبقات، وغرور مخالفة قصد السلطان بالجملة.

ب-   ارضاؤهم بحسن الاعتذار لهم بما يصلح قلوبهم، ويسكن في الرضا بما وصلت اليه نفوسهم، مع التلطف في تحسين طاعة السلطان اليهم – ليهدي الله سبحانه – نتيجة قصدك وشكر فضيلة سعيك، فتظفر منه بصفاء النية لك، وتأمينك على جميع الأمور.

ت-   اعلامهم بأنه لا يتصرف الا باذن السلطان ومشورته فيما دق وجل. فقد قالوا: "مكن في نفوسهم أنك لا تعمل الا ما رآه الأمير، ولا تؤثر الا ما رضيه، وإن لك منه منزلة، من زادك عنها فقد أخطر بك، وإن قبولها يزري على اختيارك".

ث-   احالة أصناف من الناس الى الأمير تعظيماً لمقامه ومقامهم مع متابعة ايصال الحقوق لهم كما فرضها الأمير.

ج-   كتم الأسرار السلطانية عنهم ولو تناهوا في الرفعة والجلالة. ففي العهود "لا تفش لأحد وإن عظم قدره لديك سر الملك، واجعل قلبك قبراً له، وإن كثرت عليك أسراره، اثبتها بخطك، بترجمة اخترعتها لا يعرفها سواك، وتصفحها في كل أوقاتك".

ح-   أخذ حاشيته بإنصاف الناس وتخطي العدل فيهم الى الفضل عليهم.

خ-   أغضاؤه عنهم كرما وصفحاً فذلك هو الأقوى الا اذا كانت اساءاتهم تخل بالأمن والنظام ويترتب عليهم ضرر عام.

 

(7)

واذا كانت المعاني التي ذكرناها مطلوبة من كل وزير فهي مطلوبة من باب أولى من رئيس الوزراء، وينبغي في عصرنا أن لا تبقى شعبة رئيسية من شعب الحكم الا ولها وزير يتابعها ويقوم بشأنها.

 

الركن الرابع

القضاء واقامة الحدود وترتيب العقوبات وحل المنازعات

وتقنين الشريعة

 

قال تعالى: {واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] فالعدل مطلب شرعي واقامته تقتضي اقامة الشريعة، واقامة الشريعة تقتضي في عصرنا تقنيناً، وتقتضي قضاءً، وتقتضي رد مظالم، وفي تاريخنا الاسلامي وكتبنا الفقهية وجدت فكرة الاختصاص في القضاء، ووجدت فكرة تعدد القضاة بحسب نوع المخالفات، ووجدت فكرة ديوان المظالم التي كان الخلفاء يتولونها بأنفسهم أحياناً لقطع دابر الظلم وتكميل عمل القضاة. قال الماوردي: "لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضياً على المسجد الجامع يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهم وعشرين ديناراً فما دونها ويفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدر له". وقال: "واذا قلد قاضيان على بلد لم يخل حال تقليدهما من ثلاثة أقسام:...

والقسم الثاني أن يرد الى أحدهما نوع من الأحكام والى الآخر غيره كرد المداينات الى أحدهما والمناكح الى الآخر، فيجوز ذلك ويقتصر كل واحد منهما على النظر في ذلك الحكم الخاص في البلد كله... والتجربة القضائية في العالم أوصلت الى أنواع من المحاكم واختصاصات في القضاء، وكل ذلك اضطرت اليه تعقيدات الحياة الاجتماعية، ونحن في هذا الركن نذكر فقرات توضح المراد منه من وجهة نظر اسلامية:

 

(1)

تحكيم الشريعة الاسلامية فريضة واقامة العدل فريضة قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. وقال تعالى: {واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] فههنا قضيتان: اقامة الشريعة واقامة العدل وللقضاء دخل في هذا وهذا ومما قالوه في اتباع الشريعة: "لا خير الا في اتباع الشريعة وأي ملك أخدم ملكه دينه فهو مستحق للرياسة وأي ملك جعل دينه خادماً لملكه فهو مستخف بناموسه، ومن استخف بالناموس قتله الناموس". ومما قالوه في العدل: بالعدل تتحقق مصالح جمة منها الديني ومنها الدنيوي فمن فوائده الدينية:

أ-      المسابقة به الى المحبة من الله تعالى يوم القيامة. ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس الى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل، وأبغض الناس الى الله يوم القيامة وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر).

ب-   استحقاق التقدم على من يظلهم الله بظله، يوم لا ظل إلا ظله، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل معلق قلبه بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). قال الشيخ عزالدين: بدأ به، لعلو مرتبته.

ت-   استحقاق العلو به على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، ففي الصحيح عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).

ث-   اجابة الدعاء. ففي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، والامام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك، ولو بعد حين).

ج-   ضمان الجنة به، ففي الصحيح: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال".

ومن مصالحه الدنيوية:

أ-      ظهور رجحان العقل به. قيل لبعضهم: من أرجح الملوك عقلاً وأكملهم ادباً وفضلاً؟ قال: من صحب أيامه العدل، وتحرز جهده من الجور، ولقي الناس بالمجاملة، وعاملهم بالمسالمة، ولم يفارق السياسة مع لين في الحكم، وصلابة في الحق، فلا يأمن الجريء بطشه، ولا يخاف البريء سطوته.

ب-   كمال النعمة الطائلة به. قالوا: "اذا رأيت الحكام يتنافسون في العدالة، ويجتنبون الفسوق والجهالة، فتلك نعمة طائلة، وإذا رأيت الجور فاشياً، والعدل مطرحاً منكراً، فتلك نعمة زائلة". قال ابن الأزرق: إن التنافس في خلال الخير من علامات الترشيح للملك.

ت-   دوام الملك به، ففي بعض الحكم، أحق الناس بدوام الملك وباتصال الولاية، أقسطهم بالعدل في الرعية، وأخفهم عنها كلا ومؤونة. ومن أمثالهم: من جعل العدل عدة طالت به المدة.

ث-   ملك سرائر الرعية به، فقد قالوا: من قام من الملوك بالعدل والحق، ملك سرائر رعاياه، ومن قام فيهم بالجور والقهر، لم يمتلك الا الأجساد، ولم ير الا المتصنع، والقلوب عليه مختلفة، فان السرائر تطلب من يمتلكها بالاحسان.

ج-   قيامه في الأرض مقام المطر الوابل، بل هو أنفع، فمن كلامهم: سلطان عادل خير من مطر وابل، وقالوا: عدل السلطان خير من خصب الزمان. وفي بعض الحكم: ما امحلت أرض سال عدل سلطان فيها، ولا محيت بقعة، فاء ظله عليها.

ويكفي أن تعرف مفاسد الجور حتى تدرك مصالح العدل فقد ورد في الجور: إن صاحبه يستحق بسببه:

أ-      شدة العذاب عليه يوم القيامة، ففي رواية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة أمير جائر). قال ابن الأزرق: وعن هذا قال طاووس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، من أشركه الله في ملكه، فجار في حكمه. فاستلقى سليمان على سريره، فما زال باكياً حتى قام جلساؤه.

ب-   رجفة الصراط بأصحابه، فعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: ما أنا مثن على وال خيراً، جائرهم وعادلهم، فقيل له: لم؟ فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يؤتى بالولاة يوم القيامة جائرهم وعادلهم، فيوقفون على الصراط، فيوحي الله تعالى الى الصراط، فيرجف بهم رجفة لا يبقى منهم جائر في حكمه، ولا مرتش في قضائه، ولا ممكن سمعه لأحد الخصمين ما لم يكن للآخر، الا زالت قدماه سبعين عاماً في جهنم).

ت-   مجيء مقترف الاثم به، ويده مغلولة الى عنقه، فعن أبي امامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك، الا أتى الله يوم القيامة، يده الى عنقه، فكه بره أو أوثقه اثمه، اولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة).

ث-   التعرض به للعنة الله وسد باب القبول دونه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الأئمة من قريش ما قاموا فيكم بثلاث، ما إن استرحموا رحموا وما إن حكموا عدلوا، وما إن قالوا أوفوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً).

ج-   حرمان شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بشؤمه. فعن معقل بن يسار رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رجلان من أمتي لا تنالهم شفاعتي، امام مظلوم غشوم، وغال في الدين مارق منه).

وتتحقق بسببه مفاسد جمة فمن مفاسد الجور:

أ-      فوات الطاعة والمحبة. فقد قالوا: اذا رغب الملك عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة. "واعلم أن الطاعة تنقاد للقهر، وأن المحبة لا تنقاد الا للعدل، فغلب العدل على رعيتك تظفر منهم بالمحبة الباقية بعدك".

ب-   فناء الكرامة بسببه ودثورها. فقد قالوا: "واعلم أن كرامة الخوف دائرة وكرامة العدل باقية، فاختر لنفسك فضيلة العدل وبقاء الكرامة".

ت-   تقصير مدة الملك والسلطان. فقد قيل: زمان الجائر من الملوك أقصر من زمان العادل لأن الجائر مفسد، والعادل مصلح، وافساد الشيء اسرع من اصلاحه. ومن كلامهم: ستة أشياء لا ثبات لها: ظل الغمام، وخلة الأشرار، وعشق النساء، والثناء الكاذب، والسلطان الجائر، والمال الكثير.

ث-   شدة الخوف بسببه، وبالعكس في العدل، كما يروى عن يزدجرد، آخر ملوك فارس، أنه بعث رسولاً الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمره أن ينظر في شمائله. فلما دخل المدينة: قال: أين ملككم؟ قالوا: ليس لنا ملك وإنما لنا أمير خرج. فخرج الرجل في أثره، فوجده نائماً في الشمس، ودرته تحت رأسه قد عرق جبينه حتى ابتلت منه الأرض، فلما رآه على حالته، قال: عدلت، فأمنت، فنمت، وصاحبنا جار فخاف، فسهر، أشهد أن الدين دينكم، ولولا أني رسول لأسلمت، وسأعود إن شاء الله.

ج-   ذهاب الرزق بسببه براً وبحراً. حكى الطرطوشي: أنه كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان، فلم تحمل ثمرة واحدة في ذلك العام. قال: "وشهدت أن بالاسكندرية والصيد في الخليج مطالق للرعية، والسمك فيه يغلي الماء به بكثرة، ويصيده الأطفال بالخرق، ثم حجره السلطان ومنع الناس من صيده، فذهب السمك منه، حتى لا يكاد يوجد فيه الا واحدة بعد واحدة الى يومنا هذا".

 

(2)

واذ تبين أن حفظ الشريعة مطلوب، واقامة العدل مطلوبة فمن ههنا تتبين أهمية القضاء وأهمية رد المظالم، ومن ثم كان القضاء ورد المظالم من أركان الحكم الاسلامي خلال التاريخ، وحفظ الشريعة يقتضي حفظ الكليات الست: الدين والنفس والعقل والمال والنسل والعرض كما يقتضي تطبيق أحكام الشريعة في كل الشؤون الشخصية والتجارية والحياتية وهذا يقتضي تقنين الشريعة في عصر معقد كعصرنا يحتاج الناس فيه الى أن يكونوا على بصيرة، ولو أن حكومات العالم الاسلامي اتجهت الى تقنين الشريعة وضبط الأمور بموازينها لوجدت ان في الشريعة من الفسح ما يفوق التصور بحيث لا تحتاج حكومة الى أن تفكر أن تستحدث شيئاً ما يخالف الشريعة الاسلامية ولكن الكثيرين كفروا وعجزوا. وحفظ الشريعة واقامة العدل يستوجبان وجود العقوبة، والعقوبات التي تحفظ الشريعة وتقيم العدل ثلاثة أنواع:

الحدود والقصاص والتعزيرات وهذا كذلك ينبغي أن يحدد بقوانين، والقضاء ورد المظالم هما المسؤولان عن ذلك كله.

 

(3)

وقد استقر في عصرنا أن من موجبات نزاهة القضاء استقلاله وحماية القائمين به، وليس ذلك جديداً على تفكير المسلمين فلم يزل القاضي العادل مستقلاً ومحمياً في التاريخ الاسلامي كما استقرت في عصرنا فكرة درجات القضاء ووجود المحاكم المتعددة للتسهيل ولضمان العدل وقد رأينا أن ذلك مما فعله المسلمون وبالمناسبة نقول: لقد أجاز فقهاء المسلمين أن يتولى القضاء بين غير المسلمين ناس من دينهم قال الماوردي: وقال أبو حنيفة: "يجوز تقليد الكافر القضاء بين أهل دينه". وفي عصرنا وجد ما يسمى بالمحكمة العليا التي تختص بفصل القضاء في المخالفات الدستورية أو بمحاكمات رئيس الدولة أو أنواع من الناس وكل ذلك لا حرج فيه.

 

(4)

ومن مفاخر تاريخنا أنه وجد بجانب القضاء نظام ولاية المظالم ليكمل نقص أو قصور أو عجز القضاء. قال الماوردي: "ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد لأنهم في الصدر الأول مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف الى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم، وإنما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء، فان تجور من جفاة اعرابهم متجور ثناه الوعظ أن يدبر وقاده العنف أن يحسن، فاقتصر خلفاء السنة على فصل التشاجر بينهم بالحكم والقضاء تعييناً للحق في جهته لانقيادهم الى التزامه، واحتاج علي رضي الله عنه حين تأخرت امامته واختلط الناس فيها وتجوروا الى فضل صرامة في السياسة، وزيادة تيقظ في الوصول الى غوامض الأحكام، فكان أول من سلك هذه الطريقة واستقل بها ولم يخرج فيها الى نظر المظالم المحض لاستغنائه عنها.

ثم انتشر الأمر بعده حتى تجاهر الناس بالظلم والتغالب ولم يكفهم زواجر العظة عن التمانع والتجاذب، فاحتاجوا في ردع المتغلبين وانصاف المغلوبين الى نظر المظالم الذي يمتزج به قوة السلطان بنصف القضاء، فكان أول من أفرد للظلامات يوماً يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان، فكان اذا وقف منها على كل مشكل أو احتاج فيها الى حكم منفذ رده الى قاضيه أبي ادريس الأودي فنفذ فيه أحكامه، فكان أبو ادريس هو المباشر وعبد الملك بن مروان هو الآمر. ثم زاد من جور الولاة وظلم العتاة ما لم يكفهم عنه الا أقوى الأيدي وأنفذ الأوامر، فكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله أول من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها وراعى السنن العادلة وأعادها، ورد مظالم بني أمية على أهلها حتى قيل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ: إنا نخاف عليك من ردها العواقب. فقال كل يوم اتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته، ثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة، فكان أول من جلس لها المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون فآخر من جلس لها المهتدي حتى عادت الأملاك الى مستحقيها. وقد كان ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعم الصلاح الا بمراعاته ولا يتم التناصف الا بمباشرته. فاذا نظر في المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوماً معروفاً يقصده فيه المتظلمون ويراجعه فيه المتنازعون، ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول اليه من السياسة والتدبير الا أن يكون من عمال المظالم المنفردين لها فيكون مندوباً للنظر في جميع الأيام. وليكن سهل الحجاب نزه الأصحاب.

ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغني عنهم ولا ينتظم نظره الا بهم، أحدهم: الحماة والأعوان لجذب القوي وتقويم الجريء. والصنف الثاني: القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم. والصنف الثالث: الفقهاء ليرجع اليهم فيما أشكل ويسألهم عما اشتبه وأعضل. والصنف الرابع: الكتاب ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق. والصنف الخامس: الشهود ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم، فاذا استكمل مجلس المظالم بمن ذكرنا من الأصناف الخمسة شرع حينئذٍ في نظرها.

 

الركن الخامس: الجيش

 

من مهمات الأمير ضبط النظام في الداخل وصد الهجوم من الخارج وهذا يقتضي أجهزة أمن قوية وأجهزة مخابرات قوية ووجود جيش قوي فهذه ثلاثة أركان نذكر منها ههنا ركن الجيش:

 

الجيش:

قال ابن الأزرق: "اتفق حكماء العرب والعجم على هذه الكلمة: الملك بناء، والجند أساسه. فاذا قوي الأساس، تم البناء. واذا ضعف الأساس، انهار البناء، فلا سلطان الا بجند". "واذا كان من الملك بهذه المنزلة، فالعناية به لا شك متأكدة، لا سيما حيث الجهاد والرباط" ومن أهم ما يلحظه الأمير في شأن الجيش:

حسن اختيار القادة قال الطرطوشي: "الشأن كل الشأن في استجادة القواد وانتخاب الأمراء وأصحاب الألوية" ومن أهم ما يشترط في قائد الجيش أن يتصف بأربعة أوصاف: الشجاعة والحزم وحسن التدبير وحسن المواساة للاتباع. فمن كلامهم:

"أسد يقود الف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد".

"القائد الحازم كالتاجر الحاذق، إن رأى ربحاً تجر، والا تحفظ برأس ماله، ولا يطلب الغنيمة حتى يحرز السلامة".

"رئيس العسكر إن لم يكن شجاعاً مدبراً كان على من معه آفة، ولمن ليس معه عوناً".

"لا يصلح لقيادة الجيوش الا من اشتهر بحسن المواساة للاتباع وسخاء النفس ببذل المال".

"ويستحب في القائد أن يكون شريفاً متواضعاً ناصحاً خبيراً بالحرب ممارساً لها، عارفاً بمواضع الفرص من غير تعزير، لين الأكتاف للجند، مقوماً لهم على صالح الأدب، مانعاً لهم من الاعتداء على الرعية، شاغلاً لهم بما يراد بهم".

ومن أهم ما يلاحظه الأمير في جيشه احسان تدريبه وتسليحه وضبط انضباطه وطاعته، فهذه مما لا يجوز أن يتساهل في واحد منها. وبعد ذلك يلزم في شأن الجيش أمور:

أ-      انصافهم من مرتباتهم، فقد قيل: من أهم الأمور الانصاف لارباب المرتبات من غير مطل، اذ لا بد من اعطائها، فتعجيلها لحين وجوبها أحسن، لأن تأخيرها يحوجهم الى المداينات فيضعفها وتقل فائدة العطاء عند التأخير.

ب-   تفقدهم بالنظر فيهم، اثباتاً واسقاطاً. قال الطرطوشي: "ينبغي للملك أن يتفقد جنوده، كتفقد صاحب البستان بستانه، في قلع ما لا ينفع من العشب، ومع ذلك يضر بالنبات النافع.

ت-   تمكين المحبة والهيبة للأمير في قلوبهم بآن واحد.

ث-   تعاهد هندامهم.

ج-   معرفة مالهم من حقوق الخدمة، فقد قيل: يجب على السلطان أن يعرف لكل واحد منهم حق نجدته ولا ينسى له محمود أفعاله، وليعلمهم بالغرض الذي يجرون اليه في خدمته، والقدر الذي يستحقون عليه من كرامته، وإن لم يعلمهم ذلك بلسانه، أعلمهم اياه بعادته.

ح-   تسريح من وجوده في الجيش يفسده كالفوضوي والداعية الى تغيير النظام وناشر البدعة. قال ابن الأزرق: "حفظهم عن مضرة من يرى نفسه فوق غنائه، فيحذر منه ما يعظم به موقع ضرره. وقد قالوا: "واحذر منهم من كان عنده أكثر من موقعه، في الدفاع عنك، ولم يستح من التزيد في ملابسه، واقتضى أضعاف ما أبلى، وشكى البخس في يسير ما يتعذر عليه، وقايس بين سيرة صاحبه وسيرة أعدائه وأظهر الكراهة لما هو فيه، وكان التطوف والثقل غالبين عليه، فانه من مواد الفتن وعقد الضلال.

خ-   عدم ايثار بعضهم بما لا يليق به، ولا يستحق بعمله. قالوا: لأن ذلك مفسد للمفضل، والمفضل عليه، فالأول، لثقته أن ذلك بالهوى، فيخاف انتقاله عنه، والثاني، لاعلامه أن غيره آثر منه بغير استحقاق، فيتكل على المصادفة، وترك الجد الذي ينال به المنزلة. وقد قيل: منع الجميع أرضى للجميع.

د-     عدم اذلالهم أو ادلالهم بما يخشى به عايتهم وفسادهم.

ذ-     عدم تسليطهم على الرعية بالعنف والتحامل. فقد قيل: لا يمكن أهل الغناء منهم من التدلل عليه، ولا من الافتيات على رعيته، وليرضهم رياضة، تؤدي بكل واحد منهم الى الوقوف عند حكمه، والمبادرة الى امثتال أمره.

ر-    منع اشتغالهم بالتجارة وكسب المستغلات فقد قالوا: "وامنعهم من المتاجر والمستغلات، وما يتكسب به من لا سلاح له ولا قوة، وليكن اكتسابهم من الجهاد عن المملكة والاغارة على أعدائها".

ز-    الاستفادة من أوقات السلم في التدريب والاعداد والتخطيط. فقد قالوا: "من أضاع الجند في السلم لم يجدهم في الحرب".

 

الركن السادس: الشرطة

 

قال ابن خلدون: "وكان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم استبراء وحداً لأن تهمتها لا نظر للشرع فيها ولا في استيفاء حدودها، وللسياسة نظر في استبراء موجباتها باقرار يكره عليه عند قيام القرائن، لما توجبه المصلحة العامة في ذلك". قال ابن الأزرق: "تلك المصلحة العامة في الجملة لا يختلف فيها نظر الشرع والسياسة في استبرائهم الجرائم". وقال ابن خلدون: "وعند تنزه القاضي عن ذلك، اقيم له صاحب هذه الوظيفة، وربما جعل له النظر في الدماء والحدود باطلاق دون القاضي، ونوهوا بهذه الرتبة، وقلدوها كبار القواد وعظماء الخاصة من الموالي".

وقال ابن خلدون: "ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالأندلس، ونوعت الى شرطة كبرى وصغرى، وجعل حكم الصغرى على العامة فقط، وجعل حكم الكبرى على الخاصة وذوي المراتب السلطانية، والضرب على أيديهم، وعلى أيدي اقاربهم، ونصب له كرسي بباب السلطان، ورجال يتبوؤون المقاعد بين يديه، لا يبرحون عنها الا في تصريفه، وكانت ولايتها للأكابر من رجالات الدولة، حتى كانت ترشيحاً للوزارة والحجابة. قال: واما في دولة الموحدين بالمغرب، فكان لها حظ من التنوية، وإن لم تكن عامة". وكذلك هي في دولة الترك، لما يظهر فيهم من الصلابة والمضاء في الأحكام لقطع مواد الفساد، وتخريب مواطن الفسوق، وتفريق مجامعه، مع اقامة الحدود الشرعية والسياسية، كما تقتضيه رعاية المصالح العامة في المدينة، والله مقلب الليل والنهار.

وقد قالوا: "يجب على الامام أن يولي ذلك ثقة ديناً، صارماً في الحقوق والحدود، متيقظاً غير مغفل".

 

الركن السابع: المخابرات

 

قال الجاحظ: "من أخلاق الملك البحث عن سائر خاصته وعامته، ولا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسة وانتظام ملكه من الفحص عن ذلك، ومتى غفل عنه فليس له من التسمية بالملك الذي معناه المبالغة في الرعاية، الا مجرد الذكر فقط. ثم استظهر على قوله بأمرين:

أحدهما: أن الرعية لا تسكن قلوبها بجلالة ملكها، حتى يكون أعلم الناس بأفاعيلها، وأكثر بحثاً عن أسرارها.

الثاني: انه يقال إن الملك لا تطول مدته الا اذا كانت فيه أربع خصال: ألا يرضى للرعية الا ما يرضاه لنفسه، وأن لا يسوف عملاً يخاف عاقبته، وأن يجعل ولي عهده من ترضاه رعاياه، لا لأمر تهواه نفسه، وأن يفحص عن الرعية فحص المرضعة عن منام رضيعها".

قال ابن الأزرق: "وقد تجد مصداق هذا ويشهد له أنا لم نر مدة طالت لملك عربي ولا عجمي الا لمن فحص فيها عن الأسرار وبحث عن خفي الأخبار حتى يكون من أمور رعيته على مثل وضح النهار". أقول: إن مهمة المخابرات الأولى هي رصد الأعداء والمتآمرين واستكشاف الأذى والتآمر قبل وقوعه على السلطة العادلة، وهذا واجب كل مسلم، ولا حرج على من شارك فيه بشكل منظم أو عفوي، وهذا معيار يعرف به الجائز من المحرم، فالتجسس على المسلمين لكشف عوراتهم وهتك أسرارهم، أو التجسس عليهم لحساب الكفر والكافرين أو المارقين والفاسقين والجائرين فذلك هو المحرم، اما ملاحقة أهل الريب ومعرفة تآمرهم، وايصال الكلمة التي يتوقع أن يكون فيها ضرر على أمن الأمة فتلك اقامة لركن في الحكم لا يقوم الحكم الا به، وعلى السلطة العادلة أن تبين الحدود الجائزة وغير الجائزة وان تربي مخابراتها على ألا يتجاوزوا الحدود العادلة، وعلى هذا فيجب أن يتكون جهاز المخابرات في دول العدل من أكثر الناس كفاءة وعلماً وشجاعةً والتزاماً اسلامياً.

 

الركن الثامن: الترتيبات الادارية وتقليد الاكفياء الأمناء

 

على أي مستوى من مستويات العمل لا بد من هيكل اداري يقوم بكل الواجبات التي تحتاجها الأمرة، وكما أنه من الخطأ الكبير أن يكون هذا الجهاز أكبر من اللازم فمن الخطأ الكبير أن أصغر من اللازم لما يترتب على ذلك من عجز وتقصير في الواجب، فعلى كل أمير أن يضع الهيكل الاداري اللازم وان يتخير له الأكفياء الأمناء أو يرسم الطريق لانتخاب الأكفياء الأمناء، ولباب ذلك الحفظ والأمانة والقوة والعلم: "إني حفيظ عليم". "إن خير من استأجرت القوي الأمين". قال الطرطوشي: "منزلة العمال من الوالي، بمنزلة السلاح من المقاتل، والرجال والآلات للصناع لا يسد بعضها مسد بعض، فمنهم للرأي والمشورة، ومباشرة الحرب، وجمع المال، والحجابة، والدعاء والعلم والفتيا، ولا يقوم للملك ملك، ما لم تجتمع هذه الصفات". قال ابن حزم: "يلزم الامام أن يتخير ولاته وعماله، لتعذر مباشرته لجميع الأمور ولئلا يشتغل عن التدبير".

قال ابن الأزرق: من الأوصاف المعتبرة في صحة هذا التخير وكماله أمور:

أحدها: الدين الوازع عن الجور والخيانة العائد وبالهما على الدولة والرعايا. قال المأمون: "ما فتق على فتق قط الا وجدت سببه جور الولاة".

الثاني: الكفاية المأمون بها محذور التضييع والتفرد والتفريط، فقد قالوا: "تجنب استعمال من كان حظه من السلامة والصيانة، أكثر من حظه من الكفاية والشهامة، فان تضييعه عليك أكثر من استدراكه لك، وتغريره يزيد على احسانه اليك".

الثالث: الجمع بين وصفي الشدة واللين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ينبغي أن يكون في الوالي من الشدة، ما يكون ضرب الرقاب عنده في الحق، كقتل عصفور، ويكون فيه من الرقة والحنو والرحمة والرأفة، ما يجزع من قتل عصفور.

الرابع: التواضع عن رفعة السيادة الذاتية. قال بعض الخلفاء: "دلوني على رجل استعمله على أمر قد أهمني، قالوا: وكيف تريده؟ قال: اذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأميرهم، وإن كان أميرهم كان كرجل منهم. قالوا: ما نعلمه الا الربيع بن زياد الحارثي، قال صدقتم وهو لها".

الخامس: التجربة الحاصلة بتقدم الولاية الحميدة السيرة، فقد قيل: "ينبغي للملك أن يتخير لولاية الأعمال من تقدمت له فيها تجربة وسيرة حميدة ولا يعدل عنه ما وجده".

 

ومن جوامع ما يحذر في شأنهم أمران:

أحدهما: اتصافهم بما يحمل على سوء السيرة المضرة بهم أولاً، وبنظام الخلق بعد ثانياً:

الثاني: تلبيسهم على الأمير في التقرب اليه، بما يعتقد صلاحه، وهو في الحقيقة أعظم فساد يجر اليه، قالوا: واحذر أن يتفنك من قلدته في اجتلاب الحظ لك، واتباعه رضاك، بسخط رعيتك، والتماسه التوفير عليك، بالاجحاف بها، والتحرز في عمارة بلادها، فان هذا قد عاداك من حيث يتوهم أنه أولاك.

قال ابن الأزرق: "من مستحسن السيرة معهم تفقدهم بأحد أمرين":

الأمر الأول: بث العيون عليهم، ليطلع بذلك على حقيقة حالهم. فقد قالوا: "وابعث على عمالك بحضرتك وقاصيتك، عيوناً ينهون اليك ما وقفوا عليه من زللهم وفجورهم، وما شجر بين رعيتك وبينهم، ومر من وكلته بذلك، الا ينهي اليك منه الا ما يقوم بنصيحته، وتوعد الكاذب بغاية العقوبة. وأعرض ما أنهى اليك عنهم على خيرتك، فمن رفع اليك عنه، وتأكدت مما نسب اليه فأمض أمره بما يوجبه العدل له، وعليه، وإن عثرت على عين ينقل كذباً ويتهم ظلماً، فعاقبه على ذلك عقوبة تردع من سواه عن سلوك نهجه، وتجنب استعماله ما بقيت".

الأمر الثاني: استقدام من يعتد به من أهل عمالتهم، ليتعرف من ناحيتهم مثل ما تنهي اليه العيون المبثوثة من لدنه، منضماً لما في هذا الأمر الآخر من وضوح الشهادة.

قال ابن حزم: "يلزم الامام أهل كل جهة من جهات بلده، ان يفد عليه من خيارهم وعلمائهم ليستخبرهم عن حال الأمير والناس ويكسوهم ويصلحهم كما كان عليه السلام يفعل. فاذا وفدوا عليه، انفرد بهم واحداً بعد واحد حتى يقف على الحق من الباطل في أمر الناس وأمر ولاته وجميع أحوال عماله.

 

الركن التاسع: اصطفاء البطانة والخاصة ورعايتهم

 

في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، الا كانت له بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر، وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله). وفيه عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف بعده من خليفة الا له بطانتات بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، فمن وقي شرها، فقد وقي). ولذلك كان من واجبات الأمير اصطفاء بطانة وخاصة من أهل الخير فمن فوائد بطانة الخير: دلالة صحبتهم على حال من صحبهم. ففي الأمثال: "يظن المرء ما يظن بخليله". وقال الطرطوشي: "واعلم أنه ليس الدخان على النار، بأدل من الصاحب على الصاحب". ثم إنه بصلاح بطانة الأمير تصلح سائر البطانات الى أن يعم الصلاح سائر الرعية.

ومن مفاسد بطانة الشر مسارقة طباعهم على تدرج خفي، وانتقال غير مشعور به، فقد كان يقال: احذروا ذوي الطبائع المرذولة، كي لا تسرق طباعكم منها وأنتم لا تعلمون وعن سعيد بن المسيب: "لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله". ومواصفات البطانة الصالحة:

أ-      الدين وهو موجب أمرهم بالخير، ومعونتهم عليه لا كالفسق الحامل على الاشارة بالشر وقد قال الله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15]. وقال: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة الدنيا} [النجم: 29].

ب-   العقل والتجربة: قال الطرطوشي ينبغي للملك أن يجالس أهل العقل وذوي الرأي والحسب والتجربة والعبر. فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "مجالسة العقلاء تزيد من الشرف".

ت-   حسن الأدب مع الأمير، فقد قالوا: "إن مما يجب على الملك أن يلزم من بحضرته الوقار واظهار الحشمة. ومتى ظهر من أحد استخفاف عوقب عليه. وان كان مما يلطف محله كانت عقوبته اقصاءه عن المجلس زماناً، حتى ينتهي عن استخفافه، وإن صح عن أحد انه فعل ذلك قصداً لا للاستخفاف والمحطة أبعد ابعاداً طويلاً بعد العقوبة.

هذا ومن أدب الأمير مع بطانته وخاصته:

أ-      أن يحترمهم في خلوته وجلوته فيما بينه وبينهم وفيما بينهم وبين الناس قال الجاحظ: "ومن أخلاق الملك السعيد أن يحرص على احياء بطانته، حرصه على احياء نفسه اذ كان بهم نظام ملكه وبقاء عزه". وقال المرادي: اجعل جلوسك للخاصة أبسط منه للعامة والقهم بالتحية واظهر لهم المودة وعاشرهم بلين الكلمة، وترفيع المنزلة وتحفظ معهم من السقط، واقسم بشرك بينهم على أقدار منازلهم، ولا سيما في محافلهم ومجامعهم، ولا تنقص الكريم من قدره، فان ذلك موجب لحقده ومشعر له أنك جاهل لحقه ولا ترفع اللئيم فوق منزلته فان ذلك موجب لتمرده.

ب-   أن يتفقد حاجاتهم ويسد خلتهم.

ت-   أن يعفو عمن بدرت منه الزلة اذا لم تكن خلقاً له قال ابن الأزرق: "من تحقق خلوص الثقة به من الخاصة، ثم ندرت منه زلة، حقه أن لا يؤاخذ فيها بعقاب ذوي التهمة".

ث-   ألا يخرج معهم عن دائرة المزاح المأذون شرعاً فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول الا حقاً.

ج-   والا يلاعب الأمير بطانته الا بما لا حرج فيه كالرمي.

ح-   ومن أعظم ما يلحظه الأمير مع بطانته: ادامة تشريفهم بزيارته لهم في منازلهم تفضلاً منه، وانعاماً، وقد قسمها الجاحظ الى أربع: للمؤاكلة تأنيساً بالمزور، وللعيادة في المريض، وللتعزية في المصيبة، وللتعظيم فقد وهي أرفعها. قال ابن رضوان: "وبقي قسم خامس وهو أفضلها واكرمها أثراً في الدارين، وهي الزيارة لاحتساب الأجر وجبر قلب المزور". قال: "ويشترك في ذلك الخواص وغيرهم".

 

الركن العاشر: النهوض بالعلوم والطب

 

في الاسلام علوم مفروضة فرض عين وعلوم مفروضة فرض كفاية. والعلوم المفروضة فرض كفاية هي كل العلوم التي تحتاجها اقامة الدنيا او اقامة الدين وعلى هذا فمن واجبات الأمراء ترتيب أمور التعليم فلا يبقى فرض كفاية الا وقد وجد من يتقنه ليسد حاجة الأمة فيه. وينبغي أن توضع سياسة تصل بها فروض العين الى كل مسلم ومسلمة، بواسطة نظام تعليمي متكامل تتكامل فيه مهمات المسجد بمهمات المدرسة على ضوء تخطيط شامل، وهذا يقتضي احصاءاً شاملاً لكل العلوم التي تحتاجها الأمة، والعدد اللازم في كل علم لسد حاجاتها، وعلى ضوء ذلك يسار بسياسة تعليمية مبرمجة للوصول الى الكمال فمثلاً تحصى أنواع الاختصاصات في الطب، ويحصى العدد اللازم من كل اختصاص لتغطية حاجات الأمة، ويسار في سياسة تعليمية للوصول الى ذلك، وقل هذا في كل اختصاص من الذرة الى صناعة الثياب، وبقدر ما يوجد عند الأمة اختصاصيون على مستوى عال، وبقدر ما تستكمل الأمة الاختصاصات اللازمة لها تكون الأمة سائرة في طريق التقدم المدني. وبقدر ما تتعاون المدرسة مع المسجد والبيت يوجد جيل رفيع التهذيب عارف بالله.

 

الركن الحادي عشر: النهوض بالعمران

 

من أهم أركان النهوض بالعمران البشري الذي يدخل فيه احياء الأرض بالزراعة، واستخراج موادها الخام، وتحريك الحياة التجارية فيها، ليكثر المال ويفيض فتغطي حاجات الانسان الأساسية من مطعم ومسكن وملبس وزوجة، وعلى الأمير ترتيب كل ما يلزم لذلك واجتناب كل ما يؤثر على ذلك. قال ابن حزم: "يأخذ السلطان الناس بالعمارة وكثرة الغراس، ويقطعهم الاقطاعات في الأرض الموات ويجعل لكل أحد ملك ما عمره، ويعينه على ذلك فيه، لترخص الأسعار، ويعيش الناس والحيوان ويعظم الأجر، ويكثر الأغنياء وما تجب فيه الزكاة".

وقال ابن خلدون: "أقوى الأسباب في الاعتمار، تقليل مقدار الوظائف (أي الضرائب) على المعتمرين ما أمكن، فبذلك تنشط النفوس اليه، ليقينها بادراك المنفعة فيه". ومن أشد الأشياء افساداً للعمران ما ذكره ابن الأزرق بقوله: "التسلط على الناس في شراء ما بأيديهم بأبخس ثمن، ثم فرضه عليهم بأرفع قيمة".

 

الركن الثاني عشر: تشييد الأوابد

 

دأب الملوك في كل العصور أن يخلدواة اسماءهم من خلال تشييد المباني العظام والآثار الفخام من مثل بناء الأهرام وسد الصين العظيم الى غير ذلك، ولملوك المسلمين وأمرائهم في ذلك القدح المعلى مع اختلاف القصد واختلاف البناء، فلم يزل ملوك المسلمين وامراؤهم يشيدون الأوابد ولكن بنية صالحة وباختيار لنوع الأوابد بما يحقق مصلحة المسلمين في حاضر ومستقبل. قال تعالى عن سليمان عليه السلام: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات} [سبأ: 13]. وقال تعالى عن ذي القرنين: {آتوني زبر الحديد حتى اذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى اذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطراً فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً} [الكهف: 96]. وقد درج أمراء المسلمين على تشييد الأوابد أخذاً من قوله تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} [يس: 12]. ولذلك حرصوا أن تكون أوابدهم فيما يستمر أجره كالمساجد والمدارس والمستشفيات والجسور والحصون والقلاع والسدود وتفننوا في الوقف والخدمات وفتح القنوات واقامة الرباطات والمنازل للغرباء وأجروا على ذلك الجرايات، ونقلوا المياه في جوف الأرض من قطر الى قطر، هذا عدا عن اختطاط صهاريج الماء ووضع جباب في الطرق ولخلفاء المسلمين وأمرائهم وسلاطينهم ما لا يحصى من ذلك ونرجو أن يتأسى السلف بالخلف فيختاروا من الأوابد ما تكثر الحاجة اليه، وما ترتاح النفوس بمثله، ويكثر الدعاء بالخير لأصحابه.

 

الركن الثالث عشر: النهوض بالحياة الاقتصادية وبخزينة الدولة

 

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: إن قوة الحياة الاقتصادية تكمن بالتراتيب الاقتصادية الحرة والمشروعة والمحوطة بسياج العدل. ومن الآفات التي تفسد الحياة الاقتصادية تجارة السلطان. قال ابن الأزرق: "وهي من أعظم الآفات المضرة للرعية المفسدة للجباية، والحامل عليها نقص الجباية، فيقدم السلطان على استحداث التجارة باكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله، وشراء البضائع المترصد بها ارتفاع الأسعار ظناً منه أنه بذلك يجبر نقص الجباية ويستجلب الفوائد الكثيرة. قال ابن خلدون: "وهنا غلط عظيم وادخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة". وملخص هذه الأضرار:

أولاً: مضايقة الفلاحين والتجار في شراء الحيوان والبضائع، اذ لا يكاد واحد منهم يحصل على غرض من ذلك مع مرافقة السلطان له، اذ ماله أعظم بكثير، ويدخل عليه من الغم ما يضعف به أمله في الاكتساب.

الثاني: إن السلطان قد ينزع الكثير من ذلك اذا ما تعرض له بالغضب أو بأيسر ثمن، لفقد من ينافسه، فيبخس ثمنه على بائعه.

الثالث: إن ما يحصل له من مستغلات الفلاحة وبضائع التجارة، لا ينتظر به فراغ الأسواق، لما تدعوه اليه تكاليف الدولة، فيكلف التجار والفلاحين شراءه بأرفع قيمة، ويستخلص به ما عندهم من الفائض فيبقى بأيديهم عروضاً خامدة وسلعاً بائرة.

الرابع: إنهم والحالة هذه، ربما تدعوهم الضرورة فيبيعون تلك السلع بأبخس ثمن، لكساد سوقها، وربما يتكرر ذلك على التاجر أو الفلاح منهم حتى يذهب رأس ماله. ووبال المضايقة به عائد على الجباية بالنقص والفساد، فان معظمها إنما هو من التجار والفلاحين، لا سيما بعد وضع المكوس ونموها بالعوائد، فاذا انقبض الفلاح عن الفلاحة، وقعد التاجر عن التجارة، ذهبت الجباية جملة، أو دخلها النقص المتفاحش.

قال ابن خلدون: "فاذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية، وبين هذه الأرباح القليلة، وجدها بالنسبة اليها أقل من القليل".

الخامسة: إنه على تقدير حصول الفائدة بالتجارة، فانه يذهب بها حظ عظيم من الجباية، عندما يكون غير السلطان هو الذي يعاني البيع والشراء.

المسألة الثانية: أن تكون الجباية من الأمة مقصورة على قدر الحاجة. قال ابن الأزرق: "والمعتبر منها شرعاً على ما قرره الغزالي وابن العربي، ما وظف على الأموال للضرورة الداعية اليه عند خلو بيت المال من القدر المحتاج اليه، في اقامة المصالح التي في اختلافها خراب النظام". قال الغزالي: "وإنما لم ينقل ذلك عن الأولين لاتساع بيت المال في زمانهم". قال: "وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد". قال الشيخ الامام أبو اسحاق الشاطبي: "وشرط ذلك عندهم عدالة الامام، وايقاع التصرف في أخذ المال واعطائه على الوجه المشروع". والأصل في الجباية من الأمة أن يكون مردودها عائداً الى مصلحة الأمة بل حفظ مالها في النهاية يتوقف عليه. قال ابن الأزرق: اذا كان القصد بهذه الوظيفة حفظ المال فمن الحق فيه بعد ذلك كما قال الطرطوشي: أن يؤخذ من حق ويوضع في حق، ويمنع من سرف، ولا يؤخذ من الرعية الا مما فضل من معاشها ومصالحها، ثم ينفق في الوجوه التي يعود عليها نفعها. وقد قالوا: "واعلم أن الذي يجب من الخراج لك، هو ما وظفته الشريعة عليهم فيما بأيديهم، فان اجتيح بآفة قصرت بتلك الوظيفة، كان لك ما فضل من مؤونتها. وكل ما قصر عن ذلك فانه داعية اختلال وتعطيل عمارتهم".

المسألة الثالثة: قال ابن الأزرق: "الرفق في استجباء مال الجباية والخراج واجب، ونفعه في ذلك مشهود به. قال الطرطوشي: "مر جباة الأموال بالرفق، ومجانبة الخرق، فان العلقة تنال من الدم بغير أذى ولا سماع ما لا تناله البعوضة بلسعتها وصوتها. قال وفي منثور الحكم: من جاوز في الحلب، حلب الدم. وفي المثل: اذا استقصى العجل مص أمه وقصته".

المسألة الرابعة: قال ابن الأزرق: "يجب أن يكون الاعتداد بما يبقى بأيدي الرعية، فوق ما يستخلص منها لبيت المال لأنها مادة وفوره ونمائه. قال الطرطوشي: كن بما يبقى في أيدي رعيتك افرح منك بما تأخذ منها. فلا يقل مع الصلاح شيء، ولا يبقى مع الفساد شيء، وصيانة القليل، تربية للجليل، فلا مال لأخرق ولا عيلة لمصلح.

المسألة الخامسة: قال ابن الأزرق: "التعدي في جباية المال بما يخل بحفظ العمارة، قاض بخراب الدول. وقد قال جعفر بن يحيى: الخراج عمود الملك وما استغزر بمثل العدل، وما استفزر بمثل الظلم، وأسرع الأمور في خراب البلاد وتعطيل الأرضين، وانكسار الخراج، الجور والتحامل".

 

الركن الرابع عشر: اقامة المساجد واحياؤها بالعلم والذكر

 

قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله} [التوبة: 18] فعمارة المساجد حساً ومعنى علامة الايمان، وحكومة لا تعمر المساجد حساً ومعنى ظالمة: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114]. إن الخلافة نيابة عن الشراع في حفظ الدين وسياسة الدنيا، وكل أمير مطالب بشيء من ذلك ولا يتم حفظ الدين ولا تساس الدنيا به الا اذا كثرت المساجد وعمرت. وعمارتها تكون باقامة الصلاة فيها وباقامة حلقات العلم والذكر، وهذا يقتضي من الأمير أن يرتب أمر الأذان وامامة الصلاة وأن يرتب أمر التدريس في المساجد وأمر خطب الجمعة والعيدين، وبمقدار ما تحكم هذه الأمور يقوم الاسلام وتساس الأمة به وترتاح البلاد والعباد، وهذا لا يتم الا بانتقاء دقيق للمدرسين والمؤذنين ورعاة المساجد والخطباء، إن هذا الأمر ينبغي أن توجه له كثير من الجهود، والأصل أن يؤم الناس الأمراء ثم تسوهل في هذا الأصل لأسباب أمنية في الابتداء، وعلى كل فمن واجبات الأمير ترتيب هذه الأمور.

قال ابن حزم: ينبغي للامام أن يولي الصلاة رجلاً قارئاً للقرآن حافظاً له، عالماً بأحكام الصلاة والطهارة، فاضلاً في دينه، خطيباً فصيحاً، معروفاً فقيهاً في جميع ذلك. وقال: ويأخذهم الامام باقامة مؤذن راتب لكل مسجد، فان لم يكن فيهم من يقوم بذلك ولا بالصلاة، تكفل لهم بامام ومؤذن، يجري عليهما ما يكفيهما إن كانا فقيرين. وقد ذكر ابن الحاج بعض ما يشترط في أئمة الصلاة فذكر مجموعة أمور:

أحدها: أن ينوي عند ولايتها مع اخلاص النية مع الله تعالى، أنه يقوم بما وجب على المسلمين أن يوفوا به، قال:لأن الامامة من أكبر مهمات الدين، وفرض على الكفاية.

الثاني: أن يتحفظ على منصبها من الأمور التي تزري بصاحبها، كالمزاح، وكثرة الضحك لا سيما مع الأجانب، والمشي في الأسواق لغير عذر شرعي، ونحو ذلك.

الثالث: أن يكون أعظم الجماعة خوفاً وقلقاً، وأكثرهم علماً وخشية، قال: فقد ورد أن الصلاة ترفع على أتقى قلب رجل من الجماعة، فينبغي أن يكون متصفاً بذلك، ليحصل جميع من خلفه في صحيفته وفي خفارته.

الرابع: أن لا يرى لنفسه فضلاً على من تقدمه، بل يرى الفضل عليه، ويتخوف على ذمته. قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: (الامام ضامن والمؤذن مؤتمن).

الخامس: أن يكون أكبر اهتمامه التحفظ من البدع المحدثة لأنه علم للعامة في الاقتداء به، خصوصاً ما يقع من ذلك في المسجد الذي هو من رعيته.

وأما احياء المساجد بحلقات العلم والذكر فذلك مطلب آخر، فبذلك يحيا الاسلام ويستمر، وعلى الأمراء أن يتخيروا للتدريس من اجتمع له علم وحال، وكان أهلاً للاقتداء كما أن عليهم ألا يبقوا شعبة من شعب العلوم الاسلامية الا ويكلفون من يدرسها، وقد درج أمراء اليمن قديماً على الزام العامة أن يتعلموا وهذا مفخرة من مفاخر من ابتدأه وأمضاه، وهكذا من خلال اختيار المدرسين وتعدد أنواع العطاء العلمي ومن خلال الزام المسلمين بالعلم يظهر الفضل ويعم الخير فلا تظهر معادن النفوس الا من خلال كلمات الحكمة تلقى اليها. قال عليه الصلاة والسلام: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجاذب[1] أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا[2] وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى انما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل ومثل من لم يرفع بذلك رأساً[3] ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). رواية البخاري.

ولكن كلمات الحكمة اذا لم تخرج من معادنها لا تؤتي ثمارها، ولذلك قال ابن الأزرق: "على الامام أن يبالغ في تصفح من يقدمه لذلك صوناً لاجتهاد الأئمة عن التقصير. فقديماً تشكى العلماء من ذلك، ومن اهمال النظر في هذا الأمر بالجملة، هذا ربيعة يقول وقد سئل عن بكائه: أبكاني استفتاء من لا علم له، ويقول: بعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق.

 

الركن الخامس عشر: الفتيا

 

لصعوبة الفتيا وخطورة أمرها ولاحتياج المفتين الى زمن طويل للبحث، وحتى لا يفتي الناس الا من هو أهل للفتيا، وجد منصب الفتيا في الدولة الاسلامية، وفي عصرنا حيث تعقدت الحياة وكثرت العلاقات فقد أصبح هذا المنصب من الأهمية بالمكان الكبير لكن الأنظمة الفاسدة أماتته ولم تبق له حياة. إن الدولة المعاصرة والانسان المعاصر يحتاجان الى عدد من المفتين على عدد المذاهب المعروفة لأن مذهباً واحداً لا يسع الناس في عصرنا، وكل مذهب ينبغي أن تكون دائرة فتواه فيها الأصوليون فيه والعلماء بالفروع، حتى اذا وجدت مشكلة أو أرادت الدولة أن تسن قانوناً تستوعب اتجاهات الفقهاء في ذلك ليرى ما هو القول المناسب للعصر أو للمشكلة. قال سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد". والأصل الا يتصدر أحد للفتوى حتى يراه العلماء أهلاً لذلك ويرى نفسه هو أنه أهل لذلك فان لم يوجد من العلماء من يصلح للحكم على توافر شروط الفتوى ورأى في نفسه الجدارة فله أن يفتي والله حسيبه ولأمراء العدل أن يمنعوه من الفتوى اذا وجدوه ليس أهلاً لذلك. هذا وللفتيا شرف عظيم ويكفي من ذلك أن صاحبها قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم، لأمرين:

أحدهما: صريح النص بذلك. ففي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم). ومن ثم قيل المفتي موقع عن الله.

الثاني: نيابته عنه صلى الله عليه وسلم، في تبليغ الأحكام. لقوله: (ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب وقال: بلغوا عني ولو آية). وهو معنى كونه يقوم مقامه صلى الله عليه وسلم في التبليغ والتعليم.

وروى سهل بن عبد الله أنه قال: من أراد أن ينظر الى مجالس الأنبياء عليهم السلام، فلينظر الى مجالس العلماء، يجيء الرجل فيقول: ما تقول في رجل حلف على امرأته بكذا؟ فيقول: طلقت امرأته. وهذا مقام الأنبياء، فاعرفوا لهم ذلك.

 

الركن السادس عشر: الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

العلامة التي وضعها القرآن للحكم الاسلامي هي اقامة الصلاة وايتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج: 41]. والصيغة العملية التي لجأ اليها أمراء العدل هي اقامة نظام الحسبة والمحتسب تحقيقاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أوجد عبد العزيز آل سعود هيئة اسماها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحقيق هذا المضمون، ولعل عصرنا يحتاج الى كثير من التأمل لاقامة هذا الركن، فلا يقوم هذا الركن الا بتضافر عدة جهود، والأمر يحتاج الى دراسات مطولة، ونحن هنا نكتفي بالاشارات.

قال ابن خلدون في وظيفة المحتسب: "وهي وظيفة دينية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعين لذلك من يراه أهلاً له فيتعين عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك، ويبحث عن المنكرات، ويعزر ويؤدب على قدرها". وقال الماوردي: "هي واسطة بين المظالم والقضاء. قالوا: "من شروطه: العدالة والنزاهة، القضاء والنصفة". قال ابن رضوان ملخصاً لما شرطوا في متقلدها: "من شروطه: العدالة والنزاهة، ومعرفة فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعرفة طرف من الحساب لاختيار قيم المبيعات ونسب الأسعار، ونحو ذلك، والتيقظ لاقامة الموازين بالقسط، والشعور بغش المنتحلين، والصرامة في الحكم، وعدم الالتفات الى الشفاعات، لأن نظره منوط بحقوق عامة المسلمين، واسقاط حق جماعة لارضاء واحد ليس بصواب".

 

الركن السابع عشر: السكة وضرب النقود

 

ضرب النقود علامة من علامات استقلال الدولة واستقلال اقتصادها، وربط الدولة عملتها بعملة أخرى نوع من أنواع التبعية. قال ابن خلدون: لفظ السكة كان اسماً للطابع، وهي الحديدة المتخذة للختم على الدينار والدرهم، بما ينقش عليها من صور أو كلمات، ثم نقل الى أثرها، وهو النقوش المائلة على الدينار والدرهم، ثم الى القيام على ذلك، والنظر في شروطه ومكملاته، وهي الوظيفة، فصار علماً عليها في عرف الدول. وتحدث ابن خلدون عن السكة قديماً فقال: "هي نظر في حفظ النقود المتعامل بها عن الغش أو النقص، إن كان التعامل بها عدداً، وفي وضع علامة السلطان، دليلñ على الجودة المصطلح على تسميتها اماماً وعياراً، بحيث يعد كل ما نقص عن ذلك زيفاً". وقال: "وهي دينية بهذا الاعتبار، ومندرجة تحت الخلافة وضرورية في الملك، اذ بها يتميز الخالص من البيوع في النقود".

وتحدث عن تاريخها فقال: "كان ملوك العجم ينقشون عليها تماثيل يختص بها، كتمثال السلطان لعهدها، أو تمثال حصن أو حيوان، أو غير ذلك. ولما جاء الاسلام، أغفل ذلك... (لعدم توافر ادواته ولعدم ضرورته)، واقتصروا على التعامل بسكة الفرس الى أن تفاحش غشها، لغفلة الدولة عن ذلك. فأمر عبد الملك الحجاج بضرب الدراهم سنة أربع وسبعين، ثم أمر بضربها في سائر النواحي سنة ست وسبعين، وكتب عليها: "الله أحد الله الصمد". ثم ولي ابن هبيرة العراق في أيام يزيد بن عبد الملك، فجود السكة، ثم بالغ خالد القسري في تجويدها، ثم يوسف بن عمر بعده، وقيل أول من ضرب الدنانير والدراهم مصعب بن الزبير بالعراق سنة سبعين بأمر أخيه عبدالله لما ولي الحجاز، وكتب عليها في أحد الوجهين: بركة، وفي الآخر من الله. ثم غيرها الحجاج بعد ذلك بسنة وكتب عليها: باسم الله – الحجاج". قال ابن الأزرق: "ومن المأثور: انه ما اعتمد أحد الملوك افساد ما يتعامل الناس به في مملكته، وتجوز في أمره، الا سقطت منزلته وانقرض نسله". أقول: ولقد أصبح من المتعارف عليه في عصرنا أن قوة اقتصاد دولة ما مرتبط بقوة عملتها ولذلك فمن أهم ما يحافظ عليه الأمير بعد ضرب السكة والنقود أن تكون القيمة الشرائية لهذه العملة جيدة، وأن تكون قوتها في الموازين العالمية كبيرة.

 

الركن الثامن عشر: ترتيب السياستين الداخلية والخارجية

 

وهذا الركن يقتضي تدبير أمور البيت جميعها وحسن التعامل مع الأوضاع الخارجية، والأول يدخل فيه ترتيب أمور العمل السياسي ومنافذه المشروعة، وهذا يقتضي وجود قانون الأحزاب والانتخابات كما يدخل فيه استشراف الصغيرة والكبيرة من أمور الوطن ورسم السياسة الشرعية لكل جزئية فيها بحيث يرتاح كل مواطن لطريقة تعامل النظام معه وبحيث يشعر كل مواطن ان انسجامه مع النظام يحقق له مصالح أكبر من خروجه عليه مع قطع الطريق على الاخلال بالنظام أو محاربة المبادئ الاسلامية، وأهم شيء في السياسة الخارجية التحالفات الدقيقة الموزونة التي تحقق مصلحة الأمة واقناع الجميع أن التعامل المعقول معنا خير من خصومتنا وعدم اللجوء الى المغامرات والاحراجات. وقد لجأ بعض الحكام الظالمين الى نوع من السياسات الداخلية الظالمة نبه عليها الأئمة ونحن نذكر ههنا طرفاً للتحذير منها: قال ابن الأزرق: السياسة الباطلة شرعاً لا تنحصر امثلتها ويكفي في التنبيه عليها ما يذكر:

المثال الأول: القتل بالرهبة.

قال امام الحرمين: هو لضبط الدول والسياسة من عادات الجبابرة، وما حدث الا بعد العصر الأول. قال ابن الأزرق: وأشد من هذا اعتقاد تحليله، كما ورد الانذار به في حديث ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء، يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع". قال ابن تيمية وهذا الخبر صدق. ثم فسر استحلال القتل باسم الارهاب، لأنه هو الذي يسميه ولاة الظلم سياسة وأبهة للملك.

المثال الثاني: العقوبة بالمال.

قال الامام الغزالي: لا عهد بها في الاسلام، ولا تلائم تصرفات الشرع مع أنها لم تتعين لشرعية العقوبات البدنية بالسجن والضرب وغيرهما. قال ابن الأزرق: وما ورد من ذلك في أول الاسلام فقد اجتمعوا على نسخه. قاله الطحاوي وابن رشد وفي سماع أشهب من كتاب السلطان، أن مالكاً رحمه الله سئل: هل يجوز انتهاب متاع أهل السوق، اذا خالفوا ما أمروا به فقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال انسان، وإن قتل نفساً، وأرى أن يضرب من نهب أو انتهب، يعني الآمر به والطائع له.

والحامل على الحكم بهذه العقوبة، متضمناً لانتفاع الحاكم بها، توهم أن غرم المال أزجر للنفوس من العقوبة بغيره، لعزة المال عليها، وهو غير دقيق، لأن  مخالفة الهوى أشد عليها وأصعب، بدليل أن شهوة القتل أو الزنا، اذا استحكمت، يسهل في تحصيلها بذل المال، فكيف ينهض عن غرمه زاجر عما هو أشد منه، قرر هذا المعنى ابو العباس بن الشماع التونسي قائلاً: ولذلك يجري على السنة العامة، الأموال تحتاج للأمراض او للأغراض. أقول: هناك من الفقهاء من أجاز العقوبة المالية فليس في المسألة اجماع ولكن الراجح من أقوال العلماء منعها: قال الشيخ الامام ابو اسحق الشاطبي: العقوبة في المال عند مالك ضربان:

          أحدهما: عقوبة على الجناية. ولا مرية أنه غير صحيح.

الثاني: اتلاف ما فيه الجناية أو في عوضه عقوبة للجاني، وهي ثابتة عنده لقوله في الزعفران المغشوش، اذا وجد بيد الذي غشه تصدق به على المساكين، قل أو كثر، وعن ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون، يتصدق بما قل منه دون ما كثر. وذلك محكي عن عمر رضي الله عنه في اراقة اللبن المغشوش بالماء.

المثال الثالث: الزيادة على الحدود المقدرة.

نقل الشيخ ابو العباس ابن الشماع عن ابن العربي في كتابه الاستيفاء في القياس، ما حاصله، ان القائل بقصورها عن الوفاء بكف الجنايات، حتى يتجاوز فيها الى قطع من لم تثبت سرقته وقتل من لم يصح قتله، خارج عن دين الاسلام. وأن كونها لا تفي في الردع لأنها لا تستوفي، بل تباع وتشترى". ومن خشيته معرته، وقويت ظنته، حبس حتى يموت. قال: والمحبوسون يجب أن يكونوا أضعاف المقتولين، لأن التهمة أضعف البينات.

 

الركن التاسع عشر: الألقاب والشارات والرايات والأعلام وغير ذلك

 

درجت الأمم على اعتماد رموز كثيرة تبدأ بالاعلام والرايات وتنتهي بالاوسمة ونحن هنا نجمل كعادتنا في هذا الكتاب اذ نكتفي بالاشارات:

1-    الأولية والرايات: إنها من شعار الحروب من عهد الخليقة، فلم تزل الأمم تعقدها في مواطن الحروب والغزوات وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الخلفاء كان الأمر كذلك، وعند انقلاب الخلافة ملكاً، اتخذوها مع ذلك زينة وتنويهاً. فكثيراً ما كان العامل أو قائد الجيش يعقد له الخليفة من العباسيين والعبيديين لواء ويخرج الى عمله أو بعثه في موكب من أصحاب الرايات، فلا يتميز موكب العامل والخليفة الا بكثرة الأولية أو قلتها، أو بما اختص به الخليفة من الألوان لرايته وبنده.

قال ابن الأزرق عن الأولية والرايات: هي ارواح العساكر، وبثباتها ثبات افئدة الجماهير، وحيث انتقلت، انتقلت معها القلوب. وإن ادبرت، تبعتها أنفس الجند. وتلوينها يختلف باختلاف الدول في اختياره، كالسواد في öأيام بني العباس حزناً على شهدائهم من بني هاشم، ونعيا على بني أمية في قتلهم، ولذلك سموا المسودة. والبياض عند الطالبين الخارجين عليهم في كل جهة وعصر، مخالفة لهم، ففي ذلك سموا المبيضة سائر أيام العبيدين، وكذا جميع من خرج عليهم، ولما نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره، عدل الى لون الخضرة، فجعل رايته خضراء. التكثير منها والتقليل يختلف أيضاً بحسب مقاصد الدول في ذلك، فالعبيديون لما خرج منهم العزيز نزار الى فتح الشام، كان له خمسمائة من البنود والموحدون وبنو نصر اقتصروا على سبعة في العدد، تبركاً بالسبعة، قال ابن خلدون: "وزنانة يبلغون فيها الى العشرة والعشرين".

2-    الموسيقى العسكرية والنشيد القومي وقد عبر عن ذلك ابن الأزرق بقوله "قرع الطبول ونفخ الأبواق والقرون. وقد كان المسلمون لأول الملة يتجافون عن ذلك تنزهاً عن غلظة الملك واحتقار الأبهة التي ليست من الحق في شيء، وعند مصير الأمر لمن بعدهم شاركوا فيه ملوك الأمم". وقد ذكر ارسطو في السياسة: أن السر في ذلك ارهاب العدو في الحرب. فان الأصوات الهائلة لها تأثيرها في النفوس بالروعة. قال ابن خلدون: "ولعمري إنه لأمر وجداني في مواطن الحروب يجده كل أحد من نفسه". قال ابن الأزرق: وهذا الذي ذكره إن كان ذكره فهو صحيح في بعض الاعتبارات، وأما الحق في ذلك فهو أن النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب، فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب، ويستميت بالزهو فيه، وهو موجود حتى في الحيوانات العجم، كانفعال الابل بالحداء والخيل بالصفير، ويتأكد ذلك بتناسب الأصوات، كما في الغناء، ولأجله يتخذ العجم في مواطن الحروب الآلة الموسيقية فيحدق المغنون بالسلطان، ليحركوا نفوس الشجعان بطربهم الى الاستماتة. قال ابن خلدون: ولقد رأينا في حروب العرب، المنشد يغني أمام الموكب بالشعر، ويطرب، فتجيش همم الأبطال بما فيهم، ويسارعون الى مجال الحرب، وينبعث كل قرن الى قöرْنöهö، وكذا زنانة يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف، ويغني فيحرك بغنائه الجبال الرواسي، ويبعث على الاستماتة من لا يظن بها.

3-    الخاتم: وهو من الخطط الدينية والوظائف الملوكية والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الاسلام وبعده. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم اراد أن يكتب الى قيصر فقيل له: إن العجم لا يقبلون كتاباً الا أن يكون مختوماً فاتخذ خاتماً من فضة، ونقش عليه: "محمد رسول الله". قال البخاري: جعل الثلاث كلمات في ثلاثة أسطر وختم به. وقال لا ينقش أحد مثله. قال: وتختم به أبو بكر وعمر وعثمان، ثم سقط من يد عثمان في بئر اريس، وكانت قليلة الماء فلم يدرك قعرها بعد، واغتم لذلك، ومن الحديث نأخذ أن مراعاة البروتوكولات العالمية لا حرج فيها اذا لم يترتب على ذلك محظور شرعي.

4-    الطراز أو اللباس الرسمي، وقد درج على ذلك المسلمون دون نكير فكان للسلطان زيه الرسمي وللخليفة كذلك وللعلماء أزياؤهم وذلك لا حرج فيه لتحقق المصلحة فيه.

5-    الدعاء في الخطبة: وقد حدث عند وجود المانع من ولاية السلطان بنفسه الصلاة.

6-    الألقاب والتسميات لرئيس الدولة وعامليها، وطبقات جنودها ومستلزمات ذلك.

7-    الأوسمة والجوائز.

 

الركن العشرون: ترتيب الاعلام

 

ويدخل في ذلك في عصرنا ترتيب أمور النشر والتأليف والصحافة والاذاعة والتلفاز وخطب المساجد بما يحقق مجموعة أمور:

1-     نشر الخبر بشكل مباشر أو غير مباشر بما يناسب تحقيق المنفعة وقطع الضرر أو تقليله.

2-     تمكين المعاني الخيرة والقضاء على النوازع الشريرة.

3-     معالجة قضايا الأمة.

4-     تفويت الفرص على العدو في موضوع الحرب النفسية.

5-     مواجهة الدعايات المعادية.

6-     الاقناع بسلامة سير الحكم.

وينبغي أن يخطط لهذه المعاني وأن يكون هناك ألف باء اعلامي تلتقي عليه الأمة بأحزابها جميعاً سواء كانت في الحكم أو في المعارضة بحيث تلتقي على ما يحقق حرية الكلمة الحق وأمن الأمة والدولة.

 

الركن الحادي والعشرون: تأمين الأمن والكفاية

 

وهذا من أهم واجبات الأمير أن يؤمن للأمة الأمن بالمعنى الواسع فيضع المخططات اللازمة ويقوم بالمشاريع اللازمة ويعد العدة اللازمة لكل طارئ يمكن أن تستأصل به الأمة أو تغلب على أمرها وأن يؤمن لكل فرد في الأمة الأمن والأمان فلا يخاف أن يعتدى عليه من أحد ولا يخشى أن يظلم لا من أجهزة الدولة ولا من قضائها ولا من المتنفذين فيها ولا من الأقوياء كما أنه من أهم واجبات الأمير تأمين كفاية الأمة بالسير بالقدر الممكن في طريق الاكتفاء الذاتي ويدخل في الكفاية تأمين الحد الأدنى لكل مواطن.

 

الركن الثاني والعشرون: تدبير قضايا التوثيق

 

ويدخل في ذلك توثيقات العقود وأهمها عقد الزواج وعقود التملكات وتوثيقات اثبات الهوية ويدخل في ذلك السجلات المدنية وقضايا الجوازات والهويات والجنسية ويدخل في ذلك موضوع الكاتب بالعدل وغير ذلك وإنما نشير في هذا الباب اشارات...

 

هذه بعض أركان الحكم ذكرناها ليتذكر من قدمته الأمة لأمرتها أن واجبه الثاني اقامة ما كانت الامرة من أجله وفي موضوع الحكم إنما كانت الامرة من أجل اقامة هذه الأركان واشباهها فليتذكر الأمير ذلك وبهذا نختم هذا الفصل.



[1]  لا تشرب ماء ولا تنبت.

[2]  دوابهم.

[3]  فتكبر ولم يلتفت اليه من غاية تكبره وهو من دخل في الدين ولم يسمع العلم أو سمعه فلم يعلم به ولم يعلمه فهو كالأرض السبخة.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca