وقد تؤدي الإيجابية إلى الكثير من العمل الإسلامي بذاتها، كما أن لها نتائج باهرة، فمنها وما يتفرع عنها من علم وعمل، ومعذرة واعتذار، فالمعذرة إلى الله_ عز وجل _ من التقصير حيث أداء الواجب جهد الإمكان والاستطاعة، وبالتالي شعور المؤمن بالأداء وحسن النية، إذ أنه يؤدي ما عليه، وليس عليه النتائج، وهذا المعنى هو المطلوب من التكليف،ولقد عذب الله أقواماً تركوا الدعوة للخلق، بحجة أن الموعظة لا تؤثر في قومٍ: الله مهلكهم أو معذبهم، بينما امتدح الله آخرين اعتذروا إلى ربهم، وقاموا بأداء الواجب المعين عليهم، فالمعذرة إلى الله واجب عيني على المؤمن أن يؤديه بإيجابية، دون انتظار لما يعمله الآخرون.
وكذلك الاعتذار للقائد في أداء الواجب، ولو أخذنا قصة الهدهد كمثال على العمل الإيجابي لرأينا فيها من المعذرة والاعتذار الشيء اللطيف، حيث كان علمه نافعاً للقائد معتذراً به إليه، بل كان في العلم، حيث النبأ اليقين، نوع سلطان قوي، ولا يتنافى هذا مع النية، فإن طاعة القائد واجبة، والإيجابية مظهر غير مباشر للطاعة.
(إن سليمان لما توعد الهدهد بأن يعذبه عذابآ شديدآ، أو يذبحه، إنما نجا منه بالعلم، وأقدم عليه في خطابه له بقوله: "أحطت بما لم تحط به " خبرآ، وهذا الخطاب إنما جرأه عليه العلم، وإلا فالهدهد مع ضعفة لا يتمكن من خطابه لسليمان مع قوته، بمثل هذا الخطاب، لولا سلطان العلم)7
إذ لولا إيجابية الهدهد، لما قبل القائد اعتذاره، لأن عموم الارتباط بجماعة المؤمنين يقتضي أداء عمل، ضمن الأهداف المعلومة، وليست بالضرورة أن يكون التابع منفذاً لأوامر فقط، وكذا الدعاة يجب أن لا يقفوا عن حد الواجبات، أو عتبة الأوامر، فالسكون تقصير، والوقوف ضعف، ولكن العمل الإيجابي يدرأ عتب أو ملامة الأمير.
(وفي قوله أصدقت أم كنت من الكاذبين، دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه، وإنما صار صدق الهدهد عذراً لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان- عليه السلام- حبب إليه الجهاد، وفي الصحيح: ليست أحد أحبُّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل. )8