ومن خصائص الإيجابية عدم استصغار الأمر، وعدم استكثار الكثير، فربَّ صغير عظمته النية، وربَّ عظيم صغرته النية، وقد تؤتي الكلمة الطيبة ثمارها_بإذن الله تعالى _، ولقد سئل أحد العلماء (إلى متى تظل تكتب العلم؟ فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تكتب بعد)، وما يدري الإنسان متى يقول الكلمة فيهدي الله بها خلقا كثيرا..
وقد أورد الرسول_ صلى الله عليه وسلم _ أن من البر أن يُفرغ أحدكم في دلو أخيه، أو أن يتبسم الإنسان في وجه أخيه، أو حتى أن يلقاه بوجه طلق.."
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره "11 (.... قال ابن مسعود: هذه أحكم آية في القرآن، وصدق، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم، ومن لم يقل به..... وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لما سئل عما في أجر الحمر، قال: (وإن في الحمير مثاقيل ذر كثيرة)...
وأن أم المؤمنين قالت عن صدقة حبة العنب: كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة... وعن سعد بن أبي وقاص عندما دفع لسائل تمرتين: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة. 00)12
وفي استلهام الداعية لمثل هذه النصوص دافع كبير إلى عدم استصغار الأعمال الصغيرة، أو الأقوال العارضة في دعوته، فلا يبخس في الحديث للأهل، أو الكلام لطفل، أو التربيت على كتف غلام، أو التبسم لجار في طريق، أو النصح لمرافق في العمل، أو الاستماع لكلمة أو مقالة، أو التنصت للقرآن الكريم أثناء سياقة السيارة، وشبه ذلك مما يكسب الأجر الكبير، والمثوبة العظيمة، والله يضاعف لمن يشاء.
إن من يعتدي ويكسب إثما ***** وزن مثقِِِِِِال ذرة سيراه
وئجازى بفعله الشر شِِِرا ***** وبفعل الجمِِيل أيضآ جزاه
هكذا في قوله تبِِِارك رلي ***** في (إذا زلزلت) وجل ثناه
وعدم الزهد في القليل أولى من القعود، والسكوت والقعود أولى من الحديث بالباطل، فإن النفوس مجبولة على العمل وحب الحديث، فإذا لم تجتمع على الحق، فرقتها أحاديث الباطل، والشيطان لا يدع الإنسان في عزلة من أمره، فما أن يترك الإنسان العمل الصائب حتى يشغله الشيطان بترهات الباطل، وكم هي التجارب الناطقة من محيط الدعاة، فإن أحاديث الغيبة، وعبارات التهكم والسخرية، وأقوال النقد والتثبيط، لا تتم إلا من القاعدين والكسالى، ولا تنمو إلا في أجواء الراحة والفتور، وخصوصاً عند الشباب، وفي هذا يقول أبو العتاهية في حكمته التي تتردد عبر الأجيال:
إنما الفراغ والشباب والجده **** مفسدة للمرء أي مفسده