** يتميز تقويم الدعاية لنفسه بأحد أمرين ، أولهما : نقد ذاته ، وتجريح نفسه ، ولومها أمام الناس ، بل والحديث عن نقاصه، وذنوبه ، ومحاولة إبداء التواضع باتهام نفسه بالعبارات القاسية، وإضافة خصائص النقص ذاته، وهذا مما لا يجوز شرعاً فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل : لقست نفسي) (1).
مما يدل على كراهية مثل هذه الأقوال ، وهي ليست من التواضع – وإن كان صاحبها صادقا – لما في ذلك أثر تربوي على النفس في إضافتها للصفات القبيحة ، وفي هذا الحديث:
( إن المرء يطلب الخير حتى بالفآل الحسن، ويصف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما ، ويدفع الشر عن نفسه ما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة.. ويلتحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حالة، لا يقول : لست بطيب، بل يقول: ضعيف) (2) .
أما إذا كان نقد النفس يحمل بين طياته نية فاسدة كمحاولة إظهار فضل النفس وتواضعها ،وابتعادها عن المدح والثناء، أو لاستجلاب المدح بطريقة ملتوية ، فالأمر أقبح وأسوأ ، وهو من الرباء المبطن، والتكلف المذموم، والتفاخر المغلف.
ومما ورد الحسن: ( ذم الرجل نفسه في العلانية، مدح له في السر).
وكان يقول : ( من أظهر عيب نفسه فقد زكاها ) (3).
** وقد يحصل أحيانا أن ينفد المرء نفسه حتى ينسحب من تكليف، أو نتيجة ضعف ثقة بالنفس، أو أن الشيطان يزين له الأمر ويأتي له عن طريق التقوى والإيمان ليبعده عن فعل الخير، كما قد ينقد نفر آخر أنفسهم من أجل أن ينكر عليهم المقابل هذا النقد، فيأخذ الذام لنفسه بالمفهوم المضاد فيفرح طربا حيث استجلب لنفسه المدح المبطن عن طريق متلو، أما إذا أراد الإنسان معاتبة نفسه ، ورد كيد الشيطان ، ومحاسبة ذاته فهاذ كله شيء حسن، ولا بد للمؤمن منه، ولكن بشرط أن يفعله ما بينه وبين الله تعالى، وإلا تحول إلى نوع من الغرور حتى يقع في تلبيس الشيطان، ويتحول من غرور إلى أخر ، بل هذه هي المحاسبة الحقة، وفيها رد لكيد الشيطان ، ومجانية للرباء الخفي والمحاسبة لابد منها لصدق المراقبة ، ومن حاسب نفسه في الدنيا ، خف يوم القيامة حسابه ، وحسن مقلبه ، ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته، وهذه المحاسبة تكون بعد العمل ومع النفس.
قال تعالى : ( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله ، ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) (4).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ).
وقال الحسن رضي الله عنه : ( المؤمن قوام على نفسه ، يحاسب نفسه ) (5) .
** ومن مقتضيات المحاسبة الشرعية توبيخ النفس ومعاتبتها وذمها، لتقويمها وقودها لعباده ربها، ومنعها عن شهواتها ، وفطامها عن لذاتها، فقد خلقت النفس أمارة بالسوء ، فهذا النقد للنفس والمعاتبة في الخلوات هو المطلوب، ويزداد عز المؤمن ، وتطمئن نفسه بزيادة المعاتبة لها، واستصغار عمله إمام الباري عز وجل فالنفس.
( إن لازمتها بالتوبيخ والمعانية والعذل والملامة ، كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ، ورجوت أن تصبر النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة تذكيرها ومعاتبتها ، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل بوعظ نفسك ... ) (6) .