** من خلال استقراء النصوص السابقة وغيرها ، يتبين جواز مدح النفس عند المصلحة والحاجة ، وهو ما يحتاجه الدعاة أيضا في مناسبات شتى وظروف مختلفة، فلا بد من فهم هذه الظروف والملابسات التي تجوز مثل هذا الأمر حتى لا يمتنع عنها الداعية تورعا أو حياء ، أو ينتقد عليا القائد أو الأمير جهلا أو تنقصيا ، وبذلك تفوت مصالح راجحة على الدعوة. وسوف نقتصر هنا على ثلاثة نصوص تشمل أكثر هذه الظروف والأحوال التي يجوز فيها مدح النفس ،ثم نذكر بعدها الحالات بشكلها التفصيلي:
الأول: ما ذكره الإمام النووي في كتابة ( الأذكار) .
( .... والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية ، ذلك بأن يكون أمرا بمعروف ، أو ناهيا عن منكر ، أو ناصحا ، أو مشيراً بمصلحة ، أو معلما أو مؤدبا ، أو واعظا ، أو مذكرا ، أو مصلحا بين اثنين ، أو يدفع عن نفسه شراً، أو نحو ذلك فيذكر محاسنه ناويا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله، واعتماد ما يذكره ، أو هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به ، أو نحو ذلك... ) (18) .
الثاني: ما ذكره سلطان العلماء، العز بن عبد السلام في ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام).
( ولا يمدح المرء نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، مثل أن يكون خاطبا إلى قوم فيرغبهم في نكاحه، أو ليعرف أهليته للولايات الشرعية والمناصب الدينية، ليقوم بما فرض الله عليه عينا أو كفاية، كقول يوسف عليه السلام : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليهم ).
وقد يمدح المرء نفسه ليقتدي فيما مدح به نفسه كقول عثمان – رضي الله عنه : " ما تعنيت مد أسلمت ولا تمنيت ...) منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وهذا مختص بالأقوياء الذي يأمنون التسميع ويقتدي بأمثالهم ، وعلى الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة إلا بما فيه جلب مصلحة عاجلة أو آجله ، أو درء مفسدة عاجلة أو آجلة ، مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير.. ) (19)
الثالث: ما قاله ابن القيم بعد حديثه عن العلم، واستدلاله لجواز إخبار المرء بما عنده منه:
(..... ومنه قول يوسف الصديق – عليه السلام – ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) فمن أخبر عن نفسه يمثل ذلك ليكثر به ما يحبه الله ورسوله من الخير فهو محمود، وهذا غير ما أخبر بذلك ليتكثر به عند الناس ويتعظم ، وهذا ما يجازيه الله بمقت الناس له وصغره في عيونهم ، والأول بكثرة في قلبوهم وعيونهم، وإنما الأعمال بالنيات ، وكذلك إذا ثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر، أو ليستوفي بذلك حقا له يحتاج فيه إلى التعريف بحاله، أو ليقطع عنه أطماع السلفة فيه، أو عند خطبته إلى من لا يعرف حاله ... ) (20) .