||وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون\\
التوحيد هو المقوم الأول للتصور الإسلامى ، بما أنه هو الحقيقة الأساسية العقيدة الإسلامية ، ولكنه كذلك هو إحدى خصائص هذا التصور ، بما أن التصور الإسلامي يتفرد بهذه الصورة الخالصة من التوحيد ، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في الأرض جميعاً .. وبهذا الاعتبار نتحدث هنا عن التوحيد ضمن خصائص التصور الإسلامي كما سنتحدث عنه في القسم الثاني من هذا البحث ، ضمن مقومات التصور الإسلامي ..
نتحدث عنه هنا ضمن الخصائص ، لنبين نوع تفرد التصور الإسلامي بهذه الخاصية ، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في جنبات الأرض .
ونبادر فتقرر أن التوحيد كان هو الخاصية البارزة في كل دين جاء به من عند الله رسول. كما أنه كان المقوم الأول في دين الله كله .. وأن الإسلام – على إطلاقه – كان هو الدين الذي جاء به كل رسول . بما أن الدين هو إسلام الوجه لله وحده ، واتباع منهج الله _وحده- في كل شؤون الحياة ، والتلقى من الله – وحده- في هذه الشؤون كلها ، والعبودية لله وحده بطاعة منهجه وشريعته ونظامه ، والعبادة لله وحده سواء في الشعائر التعبدية أو في نظام الحياة الواقعية .. ولكن التحريفات والانحرافات التي وقعت في تصورات أتباع الرسل ، إلى جانب طغيان الجاهليات على الديانات ، لم تبق في الأرض كلها من تصور دينى صحيح ، إلا التصور الذي جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – وحفظ الله أصوله ، فلم تمتد إليها يد التحريف ولم تمسها كذل الجاهليات التي طغت على حياة الناس .. ومن ثم أصبح التوحيد خاصية من خصائص هذا الدين .
هنالك اعتبار آخر يجعل من حقنا أن نقرر هذه الحقيقة .. حقيقة أن التوحيد خاصية لهذا التصور . وهو المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في العقيدة الإسلامية ، والجوانب التي تمتد إليها في هذا التصور ، وفيما يقوم على هذا التصور من مشاعر وأخلاق وسلوك وتنظيم لجوانب الحياة الواقعية .. فقد امتدت هذه الحقيقة إلى تصور المسلم للكون كله ، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة فيه ، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة في حياته هو بحذافيرها . كما امتدت إلى تنظيم جوانب الحياة الإنسانية كلها : خافيها وظاهرها . صغيرها وكبيرها . حقيرها وجليلها . شعائرها وشرائعها . اعتقاديها وعمليها .فرديها وجماعيها. دنيويها وأخرويها .. بحيث لا تفلت ذرة واحدة منها من عقيدة التوحيد الشاملة .. كما سبق أن بينا في خاصية الشمول .. وكما سنبين بالتفصيل في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن حقيقة الألوهية .
* * *
يقوم التصور الإسلامى على أساس أن هناك ألوهية وعبودية .. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه وعبودية يشترك فيها كل عداه وكل ما عداه .. وكما يتفرد اله- سبحانه – بالألوهية ، كذلك يتفرد –تبعا ًلهذا- بكل خصائص الألوهية .. وكما يشترك كل حي وكل شيء-بعد ذلك- في العبودية ، كذلك يتجرد كل حى وكل شيء من خصائص الألوهية .. فهناك إذن وجودان متميزان . وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله . والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق ، والإله بالعبيد ..
هذه هي القاعدة الأولى في التصور الإسلامي .. ومنها تبثق وعليها تقوم سائر القواعد الأخرى . وقيام التصور الإسلامي على هذه القاعدة الأساسية هو الذي يجعلها إحدى خصائصه كما أسلفنا .
ولقد سبق القول بأن التوحيد كان هو قاعدة كل ديانة جاء بها من عند الله رسول . والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة ، ويؤكدها ، ويكررها في قصة كل رسول ، كما يقررها إجمالاً على وجه القطع واليقين :
)لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم )
(الأعراف :59)
(وإلى عاد أخاهم هودا . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ؟)
(الأعراف:65)
(وإلى ثمود أخاهم صالحاً . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم ..)
(الأعراف:73)
( وإلى مدين أخاهم شعيباً . قال: يا قوم اعبدوا الله مالكم إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم )
(الأعراف:85)
(وَهَلْ أَتَاكَ حَدöيثُ مُوسَى(9) إöذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لöأَهْلöهö امْكُثُوا إöنّöي آنَسْتُ نَارًا لَعَلّöي آتöيكُمْ مöنْهَا بöقَبَسٍ أَوْ أَجöدُ عَلَى النَّارö هُدًى(10)فَلَمَّا أَتَاهَا نُودöي يَامُوسَى(11)إöنّöي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إöنَّكَ بöالْوَادöي الْمُقَدَّسö طُوًى(12)وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمöعْ لöمَا يُوحَى(13)إöنَّنöي أَنَا اللَّهُ لَا إöلَهَ إöلَّا أَنَا فَاعْبُدْنöي وَأَقöمْ الصَّلَاةَ لöذöكْرöي)
(طه:9-14)
(وَإöذْ قَالَ اللَّهُ يَاعöيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لöلنَّاسö اتَّخöذُونöي وَأُمّöي إöلَهَيْنö مöنْ دُونö اللَّهö قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لöي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لöي بöحَقٍّ إöنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلöمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فöي نَفْسöي وَلَا أَعْلَمُ مَا فöي نَفْسöكَ إöنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبö(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إöلَّا مَا أَمَرْتَنöي بöهö أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبّöي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهöمْ شَهöيدًا مَا دُمْتُ فöيهöمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنöي كُنتَ أَنْتَ الرَّقöيبَ عَلَيْهöمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ شَهöيدñ(117)إöنْ تُعَذّöبْهُمْ فَإöنَّهُمْ عöبَادُكَ وَإöنْ تَغْفöرْ لَهُمْ فَإöنَّكَ أَنْتَ الْعَزöيزُ الْحَكöيمُ )
(المائدة:116-118)
ولكن هذا التوحيد الذي جاء به الرسل جميعاً ، حرف ودخلت فيه الأساطير في شتى المعتقدات . سواء في الديانات التي تنسب إلى السماء ، أو في الوثنيات التي اختلطت فيها يقايا الديانات السماوية بالأساطير في شتى الأزمان . والتي ذكرنا طرفاً منها في فصل تيه وركام .. وأطرافاً أخرى في بعض الفصول السابقة من هذا البحث .
* * *
ولكى ندرك حقيقة أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي – وقبل أن نعرض المساحة التي تشغلها حقيقة التوحيد في هذا التصور – يحسن أن نلم ببعض التصورات الأخرى فيما يختص بتصور الألوهية والعبودية .. وبخاصة بعض التصورات التي اشتملت على تصور وجودين متميزين ، أو على نوع من التوحيد للإله :
الهندوكية مثلاً اعترفت بواحد هو وحده الموجود وهو براهما وجعلت من صفاته : التفرد بالكمال ، والتفرد بالخير ، والتفرد بالدوام، والتفرد بالأزلية ..
وجعلت ما عدا هذا الواحد الموجود عدماً لا وجود له .. فهذه الأكوان وما فيها عدم !
ولكنها من جانب آخر جعلت الوجود الذي هو الخير والكمال يحل في العدم الذي هو الشر والنقص .. فبراهما حال في كل جزء من أجزاء هذا العالم – الذي هو عدم – فكل جزء من أجزاء هذا العالم – بما في ذلك الإنسان – مؤلف إذن من وجود وعدم . من خير وشر. من كمال ونقص . من بقاء وفناء !
ومهمة الهندوكى المؤمن إذن هي المحاولة المستمرة لتخليص الوجود والخير والكمال والبقاء الذي في كيانه ، من العدم والشر والنقص والفناء ، ليصير براهماً .. ومن هنا حرصه على إفناء جسمه – الذي هو العدم – لينطلق الوجود الحال فيه ، ويصبح طليقاً .. وهذه هي درجة النرفانا وهي تمثل الخلاص والعودة براهما !
ومع ذلك فقد شاب هذا التوحيد – على ما به من حلول – شائبة من التثليث .. إذا اعتبر براهما صورة من ثلاث للإله الواحد : الإله براهما في صورة الخالق . والإله فشنو في صورة الحافظ . والإله سيفاً في صورة الهادم .
ثم جعلوا الكارما هي القدر الغالب على الآلهة وعلى الأفلاك . وهو الذي يكرر على العلم دورات الخلق والفناء .. فلم تسلم عقيدة التوحيد حتى في صورتها تلك المليئة بالإحالات !
واشتملت ديانة إخناتون على لون من التوحيد . إذا وصف إخناتون إلهه أتون بأوصاف الوحدانية ، والفاعلية ، ومنها خلق هذا الكون وحفظه وتدبيره . وكان هذا أعلى تصور عرفته البشرية في غير الديانات السماوية – وإن كان ينبغي ألا تغفل أثر عقائد الديانات السماوية في عقيدة إخناتون هذه – ولكن مع ذلك شابتها شائبة من عقائد الوثنية . إذ جعل هذه الشمس المادية رمزاً لإلهه ، وجعل اسمها مرادفاً لاسمه فاختلطت عقيدة التوحيد بهذا الأثر الوثنى الغريب !
وفرق أرسطو بين إله واجب الوجود وكون ممكن الوجود .. غير أنه جعل إلهه هذا الواحد ، سلبياً تجاه الكون . فهو أولاً لم يخلق الكون . ولا علاقة له بتدبيره . إنما هذا الكون يتحرك بشوق كامن فيه إلى واجب الوجود ، تقل من حالة مكان الوجود إلى حالة الوجود
وكان التوحيد ديانة إبراهيم عليه السلام ، ووصى به إسماعيل وإسحاق . وكان يعقوب ابن إسحاق يدين بالتوحيد ، ووصى به بنية كذلك في ساعة موته ، كما يحكى ذلك القرآن الكريم:
(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مöلَّةö إöبْرَاهöيمَ إöلَّا مَنْ سَفöهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فöي الدُّنْيَا وَإöنَّهُ فöي الْآخöرَةö لَمöنْ الصَّالöحöينَ(130)إöذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلöمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لöرَبّö الْعَالَمöينَ(131) وَوَصَّى بöهَا إöبْرَاهöيمُ بَنöيهö وَيَعْقُوبُ يَابَنöيَّ إöنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدّöينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إöلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلöمُونَ(132)أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إöذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إöذْ قَالَ لöبَنöيهö مَا تَعْبُدُونَ مöنْ بَعْدöي قَالُوا نَعْبُدُ إöلَهَكَ وَإöلَهَ آبَائöكَ إöبْرَاهöيمَ وَإöسْمَاعöيلَ وَإöسْحَاقَ إöلَهًا وَاحöدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلöمُونَ ) .
( البقرة : 130 – 133 )
فلما جاء موسى رسولاً لبنى إسرائيل جاء بالتوحيد – وما تزال اليهودية تعتبر ديانة توحيد إلا أن بنى إسرائيل من قبل موسى ومن بعده ، شوهوا هذا التوحيد ، وحرفوا الكلم عن مواضعه . فجعلوا إلهاً خاصاً لبنى إسرائيل وحدوه ولكنهم جعلوه إلهاً قومياً ينصرهم على أصحاب الآلهة الآخرين ! وذلك فوق ما افتروا على إله إسرائيل ذاته فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه . وهو لا يعذبنا بذنوبنا ، وقالوا عزيز ابن الله وقالوا عنه : إن له أبناء تزاوجوا مع بنات الناس فولدوا العمالقة ، الذين خاف الإله منهم أن يصبحوا آلهة مثله ، فنزل وبلبل ألسنتهم ! وقالوا : إن يعقوب صارع هذا الإله مرة ، وضربه فخلع حقوه ! وقالوا عنه : إنه يتمشى في ظلال الحديقة ويتبرد بهوائها ، وقالوا عنه ريح الشواء .. إلى آخر هذه الأساطير التي شوهت وطمست عقيدة التوحيد .
وجاء عيسى عليه السلام بالتوحيد .. ثم انتهت عقائد النصارى إلى التثليث ، الذي يحاولون أن يصفوه بالتوحيد ، بين الأقاليم الثلاثة . الأب ، والابن ، والروح القدس . مع الاختلاف على طبيعة الأقنوم الابن ومشيئته .. مما يجعل التوحيد في هذه الديانة ، كما تفرقت بها الطوائف ، دعوى لا حقيقة لها من واقع التصورات المتنوعة للكنائس المتعددة(1)
* * *
وهكذا نستطيع أن نقول باطمئنان : إن التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الذي بقى قائما على أساس التوحيد الكامل الخالص . وإن التوحيد خاصية من خصائص هذا التصور ، تفرده وتميزه بين سائر المعتقدات السائدة في الأرض كلها على العموم .
والآن – بعد هذا البيان – نستطيع أن نبين – في اختصار – طبيعة وحدود هذا التوحيد .
تقرر العقيدة الإسلامية – كما – تقدم – أن هناك ألوهية وعبودية . ألوهية يتفرد بها الله – سبحانه – ويشترك فيها كل حي وكل شيء . كما تقرر تفرد الله – سبحانه- بخصائص الألوهية ، وتجرد العبيد من هذه الخصائص .. ومن ثم على ترتب على هذا التصور كل مقتضياته وكل نتائجه في الحياة الإنسانية ..
فالله – سبحانه – واحد في ذاته ، متفرد في كل خصائصه .
(قل:هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ، ولم يولد . ولم يكن له كفواً أحد)
(سورة الإخلاص)
)ليس كمثله شيء )
(الشورى:11)
(فلا تضربوا لله الأمثال )
(النحل:74)
والله – سبحانه- خالق كل شيء :
( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه . وهو على كل شيء وكيل )
(الأنعام:102)
(وخلق كل شيء فقدره تقديراً)
(الفرقان:2)
(قل : أرأيتم ما تدعون من دون الله . أرونى ماذا خلقوا من الأرض ؟ أم لهم شرك في السماوات ! أئتونى بكتاب من قبل هذا أو أثاره من علم إن كنتم صادقين )
(الأحقاف:4)
والله-سبحانه-هو مالك كل شيء:
(قل : لمن ما في السماوات والأرض ؟ قل لله )
(الأنعام:12)
(ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما(
(المائدة:17)
(الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ( (الفرقان:2)
والله-سبحانه-هو الرازق لكل من خلق وكل ما خلق :
( يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم . هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ؟ لا إله إلا هو ، فأنى تؤفكون ؟)
(فاطر:3)
)وكأى من دابة لا تحمل رزقها . الله يرزقها وإياكم )
(العنكبوت:60)
) وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها ، كل فى كتاب مبين ( . . .
( هود : 6 )
والله سبحانه – هو مدبر كل شيء ، ومصرف كل شيء ، وحافظ كل شيء:
( إن الله يملك السماوات والأرض أن تزولا . ولأن زالتا إن أمسكها من أحد من بعده ).
( فاطر : 41 )
(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره)
(الروم:25)
(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (
(يس:12)
والله-سبحانه-هو صاحب السلطان المسيطر القاهر على كل شيء:
(وهو القاهر فوق عباده ، ويرسل عليكم حفظة ، حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ، وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ، ألا له الحكم ، وهو أسرع الحاسبين(
(الأنعام:61-62)
(قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ، أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض (1) ، انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون)
(الأنعام:65)
(قل أرأيتم :إن أن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم ، من إله غير الله يأتيكم به ؟)
(الأنعام:46)
وكل خلائق الله – سبحانه- تقر له بالعبودية والطاعة والقنوت :
).. ثم استوى إلى السماء وهي دخان .فقال لها وللأرض : ائتينا طوعاً أو كرهاً .قالتا أتينا طائعين)
(فصلت:11)
(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره . ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون . وله من في السماوات والأرض . كل له قانتون )
(الروم:25-26)
(ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهو لا يستكبرون (النحل:49)
(وإن من شيء إلا يسبح بحمد)
(الإسراء:44)
ونكتفي بهذا القدر من مجالات التوحيد في التصور الإسلامى ، حيث يتبين منها إفراد الله- سبحانه- بالألوهية ، وتقرير عبودية كل من عدا الله وكل ما عداه لألوهيته . وقيام العلاقات بين الخلق والخالق على أساس العبودية وحدها .لا على أساس نسب ولا صهر . ولا مشاركة ولا مشابهة ، في ذات ولا صفة ولا في اختصاص ... وهذا القد يكفى في بيان أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامى . وهي الحقيقة التي نريد تقريرها في القسم الأول من البحث . أما تفصيل هذه الحقيقة فموضعه في القسم الثاني عند الكلام عن حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية.
غير أن الحديث عن خاصية التوحيد لا يتم حتى نشير كذلك – بمثل هذا الاختصار – إلى مقتضيات هذا التوحيد المطلق الكامل الشامل الحاسم الدقيق ، في الحياة الإنسانية .. وهذه المقتضيات تمثل كذلك كيف أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي :
إن مقتضيات توحيد الألوهية – في التصور الإسلامي – إفراد الله – سبحانه- بخصائص الألوهية في تصريف حياة البشر ، كإفراده – سبحانه- بخصائص الألوهية في اعتقادهم وتصورهم ، وفي ضمائرهم وشعائرهم على السواء .
وكما أن المسلم يعتقد أن لا إله إلا الله ، وان لا معبود إلا الله ، وان لا خالق إلا الله ، وان لا رازق إلا الله ، وان لا نافع أو ضار إلا الله ، وان لا متصرف في شأنه – وفي شأن الكون كله – إلا الله .. فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية ، ويتوجه لله وحده بالطلب والرجاء ، ويتوجه لله وحده بالخشية والتقوى ..
كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله ، وان لا مشرع إلا الله ، وان لا منظم لحياة البشر وعلاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببنى الإنسان من جنسه إلا الله .. فيلتقى من الله وحده التوجيه والتشريع ، ومنهج الحياة ، ونظام المعيشة ، وقواعد الارتباطات ، وميزان القيم والاعتبارات .. سواء..
فالتوجه إلى الله وحده بالشعائر التعبدية ، والطلب والرجاء والخشية والتقوى ، كالتلقى من الله وحده في التشريع والتوجيه ، ومنهج الحياة ونظام المعيشة ، وقواعد الارتباطات وميزان القيم والاعتبارات .. كلاهما من مقتضيات التوحيد – كما هو في التصور الإسلامي – وكلاهما يصور المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في ضمير المسلم وفي حياته على السواء ..
والقرآن الكريم يربط بين عقيدة التوحيد وبين مقتضياتها في الضمير وفي الحياة ربطاً وثيقاً ، ويرتب على وحدانية الألوهية والربوبية ووحدانية الفاعلية والسلطان في هذا الوجود ، كل ما يكلفه المسلم : سواء ما يكلفه من شعور في الضمير ، أو ما يكلفه من شعائر في العبادة ، أو ما يكلفه من التزام في الشريعة .. وفي السياق الواحد يرد ذكر التوحيد ، وآثار الفاعلية والسلطان ، في الكون وفي الحياة الدنيا والآخرة ، ويكرر معها الأمر باتباع شريعة الله ، باعتباره مقتضى توحيد الألوهية والسلطان :
وَإöلَهُكُمْ إöلَهñ وَاحöدñ لَا إöلَهَ إöلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحöيمُ(163)إöنَّ فöي خَلْقö السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَاخْتöلَافö اللَّيْلö وَالنَّهَارö وَالْفُلْكö الَّتöي تَجْرöي فöي الْبَحْرö بöمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مöنْ السَّمَاءö مöنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بöهö الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا وَبَثَّ فöيهَا مöنْ كُلّö دَابَّةٍ وَتَصْرöيفö الرّöيَاحö وَالسَّحَابö الْمُسَخَّرö بَيْنَ السَّمَاءö وَالْأَرْضö لَآيَاتٍ لöقَوْمٍ يَعْقöلُونَ(164)وَمöنْ النَّاسö مَنْ يَتَّخöذُ مöنْ دُونö اللَّهö أَندَادًا يُحöبُّونَهُمْ كَحُبّö اللَّهö وَالَّذöينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لöلَّهö وَلَوْ يَرَى الَّذöينَ ظَلَمُوا إöذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لöلَّهö جَمöيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدöيدُ الْعَذَابö(165) إöذْ تَبَرَّأَ الَّذöينَ اتُّبöعُوا مöنْ الَّذöينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بöهöمْ الْأَسْبَابُ(166)وَقَالَ الَّذöينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مöنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مöنَّا كَذَلöكَ يُرöيهöمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهöمْ وَمَا هُمْ بöخَارöجöينَ مöنْ النَّارö(167)يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مöمَّا فöي الْأَرْضö حَلَالًا طَيّöبًا وَلَا تَتَّبöعُوا خُطُوَاتö الشَّيْطَانö إöنَّهُ لَكُمْ عَدُوّñ مُبöينñ(168)إöنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بöالسُّوءö وَالْفَحْشَاءö وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهö مَا لَا تَعْلَمُونَ(169) وَإöذَا قöيلَ لَهُمْ اتَّبöعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبöعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهö آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقöلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170)وَمَثَلُ الَّذöينَ كَفَرُوا كَمَثَلö الَّذöي يَنْعöقُ بöمَا لَا يَسْمَعُ إöلَّا دُعَاءً وَنöدَاءً صُمّñ بُكْمñ عُمْيñ فَهُمْ لَا يَعْقöلُونَ(171)يَاأَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا كُلُوا مöنْ طَيّöبَاتö مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لöلَّهö إöنْ كُنتُمْ إöيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172)إöنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخöنزöيرö وَمَا أُهöلَّ بöهö لöغَيْرö اللَّهö فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إöثْمَ عَلَيْهö إöنَّ اللَّهَ غَفُورñ رَحöيمñ …
(البقرة:163-173)
وبالتأمل في السياق القرآنى نجد أنه بدأ بتقرير وحدانية الله ، ووحدة الألوهية . ثم أتبع هذا التقرير بعرض المشاهد الكونية التي تتجلى فيها القدرة الإلهية . ثم أعقبها بعرض مشاهد القيامة التي يتجلى فيها السلطان الذي لا سلطان غيره .. فلما انتهى من ذلك كله أمر الناس باتباع شريعة الله في التحليل والتحريم ، ونهاهم عن اتباع الشيطان ، وندد بمن يتلقون في هذا الشأن عن عرف الجاهلية ، حيث لا يجوز التلقى فيه إلا من الله . ثم أمر الذين آمنوا أن يأكلوا من الطيبات التي الله حلها . إن كانوا يعبدون الله وحده – وبين لهم ما شرع لهم حرمته لأنه هو وحده الذي يحلل ويحرم كما أنه هو وحده الذي يعبد ، وهو وحده الذي يصرف هذا الكون ، وهو وحده صاحب السلطان يوم القيامة.وتوحيده سبحانه-لا يتم حتى يتجلى في الشعائر وفي الشرائع وفي الدينونة سواء .
ومثل هذا السياق القرآني المتماسك المتشابك يرد كثيراً في القرآن للدلالة على معنى التوحيد ومجاه . ولعله يحسن أن نذكر هنا مثالاً آخر يزيد الأمر جلاء ، ويبين كذلك طريقة القرآن في عرض خصائص التصور الإسلامي ومقوماته عرضاً شاملاً متكاملاً :
وَكَذَلöكَ أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبöيًّا لöتُنْذöرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذöرَ يَوْمَ الْجَمْعö لَا رَيْبَ فöيهö فَرöيقñ فöي الْجَنَّةö وَفَرöيقñ فöي السَّعöيرö(7)وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحöدَةً وَلَكöنْ يُدْخöلُ مَنْ يَشَاءُ فöي رَحْمَتöهö وَالظَّالöمُونَ مَا لَهُمْ مöنْ وَلöيٍّ وَلَا نَصöيرٍ(8)أَمْ اتَّخَذُوا مöنْ دُونöهö أَوْلöيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلöيُّ وَهُوَ يُحْيö المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ(9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فöيهö مöنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إöلَى اللَّهö ذَلöكُمْ اللَّهُ رَبّöي عَلَيْهö تَوَكَّلْتُ وَإöلَيْهö أُنöيبُ(10)فَاطöرُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö جَعَلَ لَكُمْ مöنْ أَنْفُسöكُمْ أَزْوَاجًا وَمöنْ الْأَنْعَامö أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فöيهö لَيْسَ كَمöثْلöهö شَيْءñ وَهُوَ السَّمöيعُ البَصöيرُ(11)لَهُ مَقَالöيدُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö يَبْسُطُ الرّöزْقَ لöمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدöرُ إöنَّهُ بöكُلّö شَيْءٍ عَلöيمñ(12)شَرَعَ لَكُمْ مöنْ الدّöينö مَا وَصَّى بöهö نُوحًا وَالَّذöي أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بöهö إöبْرَاهöيمَ وَمُوسَى وَعöيسَى أَنْ أَقöيمُوا الدّöينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فöيهö كَبُرَ عَلَى الْمُشْرöكöينَ مَا تَدْعُوهُمْ إöلَيْهö اللَّهُ يَجْتَبöي إöلَيْهö مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدöي إöلَيْهö مَنْ يُنöيبُ(13)وَمَا تَفَرَّقُوا إöلَّا مöنْ بَعْدö مَا جَاءَهُمْ الْعöلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلöمَةñ سَبَقَتْ مöنْ رَبّöكَ إöلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضöيَ بَيْنَهُمْ وَإöنَّ الَّذöينَ أُورöثُوا الْكöتَابَ مöنْ بَعْدöهöمْ لَفöي شَكٍّ مöنْهُ مُرöيبٍ(14)فَلöذَلöكَ فَادْعُ وَاسْتَقöمْ كَمَا أُمöرْتَ وَلَا تَتَّبöعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بöمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مöنْ كöتَابٍ وَأُمöرْتُ لöأَعْدöلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإöلَيْهö الْمَصöيرُ..
(الشورى7-15)
وبالتأمل في هذا السياق نجد أنه بدأ بتقرير الوحى والرسالة ، لينذر الرسول بيوم الجمع والدينونة في الآخرة . واختلاف مصائر المؤمنين والظالمين في الآخرة وفاقاً لاختلاف طرائقهم في الدنيا . وإعلان وحدانية السلطان في يوم الحساب . ثم أتبع ذلك ببيان وحدة الولاية ووحدة القدرة المتجلية في إحياء الموتى . ثم أعقب هذا بتقرير وحدة الحاكمية وقصرها على الله – سبحانه- كما أن عليه وحده التوكل ، وإليه وحده تكون الإنابة ...ثم عرض مظاهر قدرته في فطر السماوات والأرض وخلق الناس أزواجاً والأنعام ، مع تفرده سبحانه . ليس كمثله شيء ..وتفرد سلطانه له مقاليد السماوات والأرض وتفره بالرزق : يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .. ثم عقب على هذا التفرد في الذات في الذات والصفات والفاعلية والسلطان بأنه هو وحده الشارع لا منذ هذه الرسالة ولكن منذ فجر الرسالة : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ونص على أن الشرع هو الدين والاستقامة عليه ونهاه عن اتباع أهواء الناس . وقرن إقراره بالإيمان إلى أمره بالعدل – وهو الحكم بين الناس وفق ما شرع الله – وانهى السياق بالمفاصلة الكاملة بين المؤمنين الحاكمين بما شرع الله من الدين وغيرهم ، والرجعة في النهاية إلى الله الذي إليه المصير ...
ونحسب أن في هذين النموذجين الكفاية لبيان ذلك الارتباط الكامل في التصور الإسلامي بين توحيد الألوهية والحاكمية ، ولبيان معنى التوحيد ومجاله في الحياة الإنسانية ، ولتقرير أن التوحيد بهذا المعنى وفي هذا المجال خاصية من خصائص التصور الإسلامي .
ويبقى يبعد هذا البيان لمعنى التوحيد في التصور الإسلامي ولمجاله في الحياة الإنسانية أن نقول : إن هذا التصور ينشئ في العقل والقلب آثاراً متفردة ، لا ينشئها تصور آخر ، كما أنه ينشئ في الحياة الإنسانية مثل هذه الآثار كذلك .
إنه ينشئ في القلب والعقل حالة من الانضباط لا تتأرجح معها الصور ، ولا تهتز معها القيم ، ولا يتميع فيها التصور ولا السلوك .
فالذي يتصور الألوهية على هذا النحو ، ويدرك حدود العبودية كذلك ، يتحدد اتجاهه ، كما يتحدد سلوكه ، ويعرف على وجه الضبط والدقة : من هو ؟ وما غاية وجوده ؟ وما حدود سلطاته ؟ كما يدرك حقيقة كل شيء في هذا الكون ، وحقيقة القوة الفاعلة فيه . ومن ثم يتصور الأشياء ويتعامل معها في حدود مضبوطة ، لا تميع فيها ولا تأرجح . ومن ثم يتصور الأشياء ويتعامل معها في حدود مضبوطة ، لا تميع فيها ولا تأرجح . وانضباط التصور ينشئ انضباطاً في طبيعة العقل وموازينه ، وانضباط في طبيعة القلب وقيمه ، والتعامل مع سنن الله بعد ذلك والتلقي عنها يزيد هذا الانضباط ويحكمه ويقويه .
ندرك هذا حين نوازن بين المسلم الذي يتعامل مع ربه الواحد الخالق الرازق القادر القاهر المدبر المتصرف ، وبين غيره من أصحاب التصورات التي أشرنا إليها .سواء من يتعامل مع الهين متضادين : إله للخير وإله للشر ! ومن يتعامل مع إله موجود ولكنه حال في العدم ! ومن يتعامل مع إله لا يعنيه من أمره ولا من أمر هذا الكون شيء ! ومن يتعامل مع إله (المادة) الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يثبت على حال ! إلى آخر الركام الذي لا يستقر العقل أو القلب منه على قرار .
***