||فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم\\
من الخاصية الأساسية للتصور الإسلامى - خاصية الربانية - تنبثق سائر الخصائص الأخرى . وبما أنه ربانى صادر من الله ، وظيفة الكينونة الإنسانية فيه هى التلقى والاستجابة والتكيف والتطبيق فى واقع الحياة . وبما أنه ليس نتاج فكر بشرى ، ولا بيئة معينة ، ولا فترة من الزمن خاصة ، ولا عوامل أرضية على وجه العموم .. إنما هو ذلك الهدى الموهوب للإنسان هبة لدنية خالصة من خالق الإنسان .، رحمة بالإنسان ...
بما أنه كذلك ، فمن الخاصية فيه تنشأ خاصية أخرى .. خاصية : الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت .
هناك ثبات فى مقومات هذا التصور الأساسية ، وقسمة الذاتية . فهى لا تغير ولا تتطور ، حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية ، وأشكال الأوضاع العملية .. فهذا التغير فى ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع ، يظل محكوما بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور ..
ولا يقتضى هذا تجميد حركة الفكر والحياة ، ولكنه يقتضى السماح لها بالحركة - بل دفعها إلى الحركة - ولكن داخل هذا الإطار الثابت ، وحول هذا المحور وهذه السمة - سمة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت - هى طابع الصنعة الإلهية فى الكون كله - فيما يبدو لنا - لا فى التصور الإسلامى وحده .
مادة هذا الكون - سواء كانت هى الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها ، أو أية صورة أخرى - ثابتة الماهية . ولكنها تتحرك ، فتتخذ أشكالا دائمة التغير والتحور والتطور .
والذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات فى مدار ثابت .
وكل كوكب وكل نجم له مداره ، يتحرك فيه حول محوره ، حركة منتظمة ، محكومة بنظام خاص .
وإنسانية هذا الإنسان ، المستمدة من كونه مخلوقا فيه نفخة من روح الله اكتسب بها إنسانيته المتميزة عن سائر طبائع المخلوقات حوله .. إنسانية هذا الإنسان ثابتة (1) . ولكن هذا الإنسان يمر بأطوار جنينية شتى من النطفة إلى الشيخوخة ! ويمر بأطوار اجتماعية شتى ، يرتقى فيها وبنحط حسب اقترابه وابتعاده من مصدر إنسانيته . ولكن هذه الأطوار وتلك لا تخرجه من حقيقة إنسانيته الثابتة . ونوازعها وطاقاتها واستعداداتها المنبثقة من حقيقة إنسانيته .
ونوزع هذا الإنسان إلى الحركة لتغيير الواقع الأراضى وتطويره .. حقيقة ثابتة كذلك .. منبثقة أولا من الطبيعة الكونية العامة ، الممثلة فى حركة المادة الكونية الأولى وحركة سائر الأجرام فى الكون . ومنبثقة ثانيا من فطرة هذا الإنسان . وهى مقتضى وظيفته فى خلافة الأرض . فهذه الخلافة تقتضى الحركة لتطوير الواقع الأرضى وترقيته .. أما أشكال هذه الحركة فتتوزع وتتغير وتتطور(2) .
وهكذا تبدو سمة : الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت سمة عميقة فى الصنعة الإلهية كلها . ومن ثم فهى بارزة عميقة فى طبيعة التصور الإسلامى .
ونحن نسبق السياق هنا ، فنستعرض نماذج من المقومات والقيم الثابتة فى هذا التصور (سيجئ تفصيل الكلام عنها فى موضعه فى القسم الثانى من هذا البحث) وهى التى تمثل المحور الثابت الذى يدور عليه المنهج الإسلامى فى إطاره الثابت . إن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية – وهى قاعدة التصور الإسلامى – ثابت الحقيقة ، وثابت المفهوم أيضا . وغير قابل للتغير ولا للتطوير :
حقيقة وجود الله ، وسرمديته ، ووحدانيته – بكل إشعاعاتها – وقدرته وهيمتنه ، وتدبيره لأمر الخلق ، وطلاقة مشيئته .. إنى أخر صفات الله الفاعلة فى الكون والحياة والناس ..
وحقيقة أن الكون كله – أشياءه وأحياءه – من خلق الله وإبداعه . أراده الله – سبحانه – فكان . وليس لشئ ولا لحى فى هذا الكون ، أثاره من أمر الخلق فى هذا الكون ، ولا التدبير ولا الهيمنة . ولا مشاركة فى شئ من خصائص الألوهية بحال ..
وحقيقة العبودية لله .. عبودية الأشياء والأحياء . . وعموم هذه العبودية للناس جميعا . بما فيهم الرسل – عليهم الصلاة والسلام – عبودية مطلقة ، لا تتلبس بها أثارة من خصائص الألوهية . مع تساويهم فى هذه العبودية .
وحقيقة أن الإيمان بالله – بصفته التى وصف بها نفسه – وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .. شرط لصحة الأعمال وقبولها . وإلا فهى باطلة من الأساس ، غير قابلة للتصحيح ، ومردودة غير محتسبة وغير مقبولة ..
وحقيقة أن الله لا يقبل من الناس دينا سواه . وأن الإسلام معناه إفراد الله – سبحانه – بالألوهية وكل خصائصها . والاستسلام لمشيئته ، والرضى بالتحاكم إلى أمره ومنهجه وشريعته . وأن هذا هو دينه الذى ارتضاه .لا أى دين سواه .
وحقيقة أن الإنسان – بجنسه – مخلوق مكرم على سائر الخلائق فى الأرض مستحلف من الله فيها . مسخر له كل ما فيها . ومن ثم فليست هناك قيمة مادية فى هذه الأرض تعلو قيمة هذا الإنسان، أو تهدر من أجلها قيمته .. وحقيقة أن الناس من أصل واحد . ومن ثم فهم - من هذه الناحية - متساوون وأن القيمة الوحيدة التى يتفاضلون بها - فيما بينهم - هى التقوى والعمل الصالح . لا أية قيمة أخرى ، من نسب ، أو مال ، أو مركز ، أو طبقة ، أو جنس .. إلى أخر القيم الأرضية.
وحقيقة أن غاية الوجود الإنسانى هى العبادة لله .. بمعنى العبودية المطلقة لله وحده . بكل مقتضيات العبودية ، وأولها الائتمار بأمره - وحده - فى كل أمور الحياة صغيرها وكبيرها والتوجه إليه - وحده - بكل نية وكل حركة ، وكل خالجة وكل عمل . والخلافة فى الأرض وفق منهجه - أو بتعبير القرآن وفق دينه إذ هما تعبيران مترادفان عن حقيقة واحدة ..
وحقيقة أن رابطة التجمع الإنسانى هى العقيدة ، وهى هذا المنهج الإلهى .. لا الجنس ، ولا القوم ولا الأرض ولا اللون ولا الطبقة ولا المصالح الاقتصادية أو السياسية ولا أى اعتبار آخر من الاعتبارات الأرضية ..
وحقيقة أن الدنيا دار ابتلاء وعمل . وأن الآخرة حساب وجزاء . وأن الإنسان مبتلى وممتحن فى كل حركة وفى كل عمل وفى كل خير يناله أو شر ، وفى كل نعمة وفى كل ضر .. وأن مرد الأمور كلها إلى الله ..
… هذه وأمثالها من المقومات والقيم - التى سنعرض لها بالتفصيل فى مواضعها فى القسم الثانى من هذا البحث - كلها ثابتة ، غير قابلة للتغير ولا للتطور .. ثابتة لتحرك ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع فى إطارها ، وتظل مشدودة إليها ، ولتراعى مقتضياتها فى كل تطور لأوضاع الحياة ، وفى كل ارتباط يقوم فى المجتمع ، وفى كل تنظيم لأحوال الناس أفرادا وجماعات ، فى جميع الأحوال والأطوار .
وقد تتسع المساحة التى تتجلى فيها مدلولات هذه المقومات والقيم ، كلما اتسعت جوانب الحياة الواقعية ، وكلما اتسع مجال العلم الإنسانى ، وكلما تعددت المفاهيم التى تتجلى فيها هذه المقومات والقيم . ولكن أصلها يظل ثابتا ، وتتحرك فى إطاره تلك المدلولات والمفاهيم .
حقيقة أن الإنسان مستخلف فى هذه الأرض - مثلا - تتجلى فى صور شتى .. تتجلى فى صورته وهو يزرع الأرض . لأن أوضاع حياته ومدى تجاربه تجعل الزراعة هى التى تفى فى ذلك الطور باحتياجاته الضرورية ، وبها تتحقق الخلافة .. وتتجلى كذلك فى صورته وهو يفجر الذرة ، ويرسل الأقمار الصناعية لتكشف له طبيعة الغلاف الجوى للأرض ، أو طبيعة الكواكب والتوابع من حوله .. وهذه وتلك - وما بينهما وما بعدهما - صور من صور الخلافة فى الأرض ، قابلة دائما للزيادة والاتساع . ولكن حقيقة الخلافة فى الأرض ثابتة على كل حال ، يقتضى مفهومها الثابت ألا يحال بين الإنسان ومزاولة حقه فى الخلافة وفق منهج الله المرسوم . وألا يعلو شئ فى هذه الأرض على الإنسان وألا تهدر قيمته الإنسان لينشئ قمرا صناعيا ، أو ليضاعف الإنتاج المادى ! فهو سيد الأقمار الصناعية ، وسيد الإنتاج المادى !
وحقيقة أن غاية الوجود الإنسانى هى العبادة - مثلا - تتمثل فى كل نشاط يتجه به الإنسان إلى الله . وألوان النشاط غير محدودة . فهى تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. وتتمثل فى عبوديته لله وحده ، بالتحاكم إلى منهجه وحده ، فى كل شئون الحياة ، وهذه الشئون غير محدودة ، فهى كذلك تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. ولكن حقيقة الغاية ثابتة لا تتغير ، فإذا لم يتجه إلى الله بكل نشاط ، وإذا لم يتحاكم إلى منهج الله فى كل شأن ، فقد أخل بهذه الحقيقة الثابتة ، وخرج على غاية وجوده الإنسانى . واعتبر عمله باطلا غير قابل للتصحيح المستأنف ، ولا بالقبول من المؤمنين .
وهكذا - على هذا النحو - تتسع مساحة مدلولات هذه المقومات ، وتتنوع الصور التى تتجلى فيها .. ولكنها ثابتة فى التصور الإسلامى ، لا يتناولها التغير ولا التطور على كل حال .
وقيمة وجود تصور ثابت للمقومات والقيم على هذا النحو ، هى ضبط الحركة البشرية ، والتطورات الحيوية ، فلا تمضى شاردة على غير هدى - كما وقع فى الحياة الأوربية عندما أفلتت من عروة العقيدة - فانتهت إلى تلك النهاية البائسة ، ذات البريق الخادع والألاء الكاذب ، الذى يخفى فى طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس .
وقيمته هى وجود الميزان الثابت الذى يرجع إليه الإنسان بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات ، وبكل ما يجد فى حياته من ملابسات وظروف وارتباطات . فيزنها بهذا الميزان الثابت ، ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب .. ومن ثم يظل دائما فى الدائرة المأمونة ، لا يشرد إلى التيه ، الذى لا دليل فيه من نجم ثابت ، ولا من معالم هادية فى الطريق !
وقيمته هى وجود مقوم للفكر الإنسانى مقوم منضبط بذاته . يمكن أن ينضبط به الفكر الإنسانى ، فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات . وإذا لم يكن هذا المقوم الضابط ثابتا ، فكيف ينضبط به شئ إطلاقا ! إذا دار مع الفكر البشرى - كيفما دار - ودار مع الواقع البشرى - كيفما دار - فكيف تصبح عملية الضبط ممكنة . وهى لا ترجع إلى ضابط ثابت . يمسك بهذا الفكر الدوار؟ أو بهذا الواقع الدوار ؟!
إنها ضرورة من ضرورات صيانة النفس البشرية ، والحياة البشرية ، أن تتحرك داخل إطار ثابت ، وأن تدور على محور لا يدور ! إنها على هذا النحو تمضى على السنة الكونية الظاهرة فى الكون كله ، والتى لا تختلف فى جرم من الأجرام !
إنها ضرورة لا تظهر كما تظهر اليوم ، وقد تركت البشرية هذا الأصل الثابت ، وأفلت زمامها من كل ما يشدها إلى محور .وأصبحت بجرم فلكى خرج من مداره ، وفارق محوره الذى يدور عليه فى هذا المدار ويوشك أن يصطدم فيدمر نفسه ويصيب الكون كله بالدمار .
||ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. \\
(المؤمنون : 71)
والعاقل الواعى الذى لم يأخذه الدوار الذى يأخذ البشرية اليوم . حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط فى تصوراتها ، وأنظمتها وأوضاعها ، وتقاليدها وعاداتها وحركاتها كلها تخبطا منكرا شنيعا .. يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس ! وتتشنج فى حركاتها وتتخبط وتتبلط كالممسوس .. يراها تغير أزياءها فى الفكر والاعتقاد ، كما تغير أزياءها فى الملابس ، وفق أهواء بيوت الأزياء !.. يراها تصرخ من الألم ، وتجرى كالمطارد ، وتضحك كالمجنون ، وتعربد كالسكير ، وتبحث عن لا شئ ! وتجرى وراء أخيله ! وتقذف بأثمن ما تملك ، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار !
لعنة ! لعنة كالتى تتحدث عنها الأساطير !
إنها تقتل الإنسان وتحوله إلى آلة .. لتضاعف الإنتاج !
إنها تقضى على مقوماته الإنسان وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعانى السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات ، ومنتجى الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء .
وتنظر إلى وجوه الناس ، ونظراتهم وحركاتهم وأزيائهم وأفكارهم وآرائهم ودعواتهم . فيخيل إليك أنهم هاربون ! مطاردون ! لا يلوون على شئ ولا يتثبتون من شئ ! ولا يتريثون ليروا شيئا ما رؤية واضحة صحيحة .. وهم هاربون فعلا ! هاربون من أنفسهم التى بين جنوبهم ! هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة ، التى لا تستقر على شئ ثابت ولا تدور على محور ثابت ، ولا تتحرك فى إطار ثابت .. والنفس البشرية لا تستطيع أن تعيش وحدها شاذة عن نظام الكون كله . ولا تملك أن تسعد وهى هكذا شاردة تائهة ، لا تطمئن إلى دليل هاد ، ولا تستقر على قرار مربح ž
وحول هذه البشرية المنكودة زمرة من المستنفعين بهذه الحيرة الطاغية ، وهذا الشرود القاتل .. زمرة من المرابين ، ومنتجى السينما ، وصانعى الأزياء والصحفيين ، والكتاب . يهتفون لها بالمزيد من الصرع والتخبط والدوار ، كلما تعبت وكلت خطاها ، وحنت إلى المدار المنضبط والمحور الثابت ، وحاولت أن تعود žž.
زمرة تهتف لها .. التطور .. الانطلاق .. التجديد .. بلا ضوابط ولا حدود .. وتدفعها بكلتا يديها إلى المتاهة كلما قاربت من المثابة .. باسم التطور .. وباسم الانطلاق .. وباسم التجديد ..
إنها الجريمة . الجريمة المنكرة فى حق البشرية كلها وفى حق هذا الجيل المنكود (1) .
وفكرة التطور المطلق لكل الأوضاع ، ولكل القيم ، ولأصل التصور الذى ترجع إليه القيم . فكرة تناقض - كما قلنا - الأصل الواضح فى بناء الكون ، وفى بناء الفطرة ، ومن ثم ينشأ عنها الفساد الذى لا عاصم منه .. إنها تمنح حق الوجود ، ومبرر الوجود ، لكل تصور ، ولكل قيمة ، ولكل وضع ، ولكل نظام . ما دام تاليا فى الوجود الزمنى ž، وهو مبرر تافه ، عرضى لا ينبغى أن يكون له وزن فى الحكم على تصور أو وضع أو قيمة . إنما ينبغى أن يكون الوزن لمقومات ذاتية فى ذات الوضع أو ذات النظام .
ونحن نعرف أن الفكر الأوربى - فى هروبه من الكنيسة ، ورغبته الخفية والظاهرة فى خلع نيرها . قد مال إلى نفى فكرة الثبات - على الإطلاق - واستعاض عنها فكرة التطور - على الإطلاق - لم يستثن منها أصل العقيدة والشريعة . بل لقد كانت فكرة ثبات مقومات العقيدة والشريعة بالذات هى التى يريد التلفت منها والتملص والخلاص ž.
وسلوك الفكر الغربى هذا المسلك مفهوم لنا جيدا من خلال الاستعراض السابق . وما يفسره - وإن لم يكن له ما يبرره على إطلاقه - ونحن لا نشتد فى لوم الفكر الغربى على موقفه هذا . وإن لم يكن موقفا خاطئا معيبا . فقد صادف عقيدة محرفة مشوهة مشوبة بالوثنيات والأساطير منذ اللحظة الأولى . ثم واجه كنيسة مستبدة فاسدة فى الوقت ذاته ، تستطيل على الفكر والعلم والناس باسم هذه الخرافات التى تجعلها أساس العقيدة الثابتة ž.
نحن لا نشتد فى لوم الفكر الغربى على هذا الموقف . ولكننا - فى الوقت ذاته - يجب أن نفطن إلى الأسباب الحقيقية لجنوح الفكر الغربى - أو جموحه - لتغليب فكرة التطور المطلق ، الذى لا يتقيد بأى أصل ثابت ، ولا بأية قيمة ثابتة ، ولا بأية حقيقة ثابتة ، فليست هذه حقيقة علمية وإنما هى شهوة جامحة ، وهوى شارد ، مبعثه الرغبة فى التملص من وثاق الكنيسة الجبار .
إن دارون - وهو يقرر مذهب التطور فى خط سير الحياة - لم يكن يبحث ، ولم يكن بحثه يتناول ، إلا جزئية سطحية من جزئيات هذا الكون ، تبدأ بعد وجود الحياة . ولا تمتد إلى مصدر الحياة ، ولا إلى الإرادة التى صدرت عنها الحياة .. وحتى على فرض صحة نظريته - والآن توجه معاول الهدم إلى صلب النظرية (1) - فإن خط التطور يثبت أن هناك إرادة ثابتة من ورائه . وأنه يتم وفق خط مرسوم لا مجال للمصادفة فيه . وأنه جزء من الحركة التى قانون م قوانين الكون . وحركة الكون كما قلنا ليست فوضى ، وإنما هى تتم حول قاعدة ثابتة وتتم فى إطار ثابت ž.
وعلى أية حال فلم يكن لا المنهج العلمى ولا الحقائق العلمية هى التى أملت على دارون - حين لم يهتد إلى سر الحياة ، ولم يستطع تعليلها علميا - أن يهرب من ردها إلى الله . ووجودها ذاته يحتم الاعتراف بأن موجدها لابد أن يكون مريدا مختارا فيما يريد ، عليما خبيرا ، قادرا على تحقيق ما يريد .. ولكن دارون كان هاربا من الله لأنه كان هاربا من الكنيسة وإلهها الذى تصول باسمه وتجول .. ومن ثم رد الحياة إلى الطبيعة - التى لا حد لقدرتها كما يقول ، ومن ثم حاول أن يوهم أن لا ثبات لشىء - على الإطلاق - بينما بحثه كله كان فى دائرة خط سير الحياة . بعد وجود الحياة . ولم يكن يتناول كل شئ على الإطلاق (2) .
والمذهب الماركسى ، هو أشد المذاهب الوضعية معارضة لحقيقة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت ، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة البارزة فى طبيعة الكون المادى ذاته ، يفقد المذهب ركيزته الأولى التى يقوم عليها ، ويحطم دعواه فى التقدمية كما يفهمها ž.
وماركس له جدل (Dialektik) ومنطق استخدم فيه مبدأ النقيض الذى عرف للفيلسوفيين الألمانيين قبله : نيتشه وهيجل . ولكن استخدمه فى مجال آخر غير مجال التصور عند نيتشه وغير مجال الفكرة عند هيجل استخدمه فى مجال الاقتصاد مستندا إلى تاريخ الجماعة .
فكلشئ فى نظره يتضمن نقيضه . بحث أن كل شئ يهدم نفسه .. وهذا هو التصوير العام لمبدأ النقيض .. ولكن ماركس يستخدمه للتدليل على وقوع انهيار الجماعات التى قامت على الرأسمالية . فالجماعات السابقة عليها . وهى دول الملوك ، والجماعات الإقطاعية (أصحاب المزارع الكبيرة) انهارت - بناء على تفكير ماركس - لأنها تضمنت عنصر المقابلة أو النقيض . وعلى هذا النحو كذلك ستنهار هذه الجماعة الحديثة الرأسمالية وتتحول إلى المقابل والنقيض . وهو الجماعة الشيوعية ذات الطبقة الواحدة من العمال .
ومع أن مبدأ النقيض لا يقف بتحول الشئ إلى مقابله فقط . بل سيتحول الشئ ومقابله إلى جامع لهما . ثم هذا الجامع يصير إلى شئ يتحول أيضا إلى مقابلة . ثم إلى جامع .. وهكذا . مع أن منطق هذا المبدأ هو الاستمرار فى التحول .. فالماركسية تقف بترقب تحول الجماعة . ولا تتحدث - فضلا عن أن تترقب - عن انهيار الجماعة الشيوعية وسقوطها ، وهدم نفسها فى جماعة مقابلة . بناء على أن كل شئ يتضمن نقيض نفسه ، وفيه عامل الهدم لنفسه !!!
… وكنتيجة لهذا ( أى التحول الدائم الذى يقف به ماركس عند الشيوعية تحكما وهوى ) أن الذى يعتقد بالقيم الأزلية هو مصدق بأشياء لا توجد . حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن بعض القيم للوقت الحاضر ، أو للحال الراهن ، يجب أن يحتفظ بها ، هم مصدقون بما لا يقع . فإذا اعتقد شخص أن كل شئ يتغير .. السذاجة أن يكون محافظا !
وعلى نحو صنيع هيجل فى صياغة مبدأ النقيض ، توضح الماركسية أن كل شئ يتضمن قوتين رئيسيتين متقابلتين : واحدة تسمى الدعوى والأخرى تسمى مقابل الدعوى وهاتان القوتان تهدم إحداهما الأخرى . ولكن ينشأ من الهدم حالة جديدة تسمى جامع الدعوى ومقابلها ثم يسقط هذا الجامع ويتحول إلى مقابلة . وعندئذ نحصل على دعوى ومقابل الدعوى من جديد . ثم ينشأ من تقابلهما وتناقضهما جامع جديد . فى تسلسل لا نهاية له (1) .
وصياغة مبدأ النقيض فى هذه العبارات تناسب تطبيقه فى دائرة الجماعة التى اختارتها الماركسية مجالا للتطبيق . كما تناسب الصراع بين الطبقات فى الجماعة ، التى حرصت هى أيضا على أن يكون مصطلحا لها ، بدلا عن التقابل بين الشئ ومقابله ، الذى اصطلح عليه نيتشه وهيجل من قبل فى شرح النقيض .
واستخدم مبدأ النقيض فى دائرة الجماعة - كما اختارت الماركسية - يعطيها دليلا على الشيوعية - كجماعة - هى أسمى فى القيمة من كل جماعة وجدت سابقا ! فالجماعة ذات النظام الملكى سقطت ، وتحولت إلى الجانب المقابل - وهو حكام الملك من جانب والعبيد والفقراء من جانب آخر - ومن الكفاح بين الفريقين المتقابلين تكون الجامع بين الشئ ومقابله - وهو الجماعة الإقطاعية - وبعد ذلك سقط الإقطاع فى القوة المقابلة - وهى قوة الملاك من جانب والفلاحين من جانب آخر نشأت الرأسمالية .. وتريد الماركسية أن تقول الآن : إن الرأسمالية (فى الصناعة) ستسقط فى القوة المقابلة - وهى قوة العمال من جانب وأصحاب العمل من جانب آخر والجماعة الجديدة هى الجماعة الاشتراكية الماركسية ذات الطبقة الواحدة !
ولكن أيقف مبدأ النقيض عند هذه الجماعة الجديدة ؟ أم ستسقط هى بدورها فى مقابل لها - كما هى ضرورة منطق هذا المبدأ - كضرورة حتمية فى الوجود ؟!
وانتقال الجماعة من حال إلى حال يصحبه فى نظر الماركسية التطور فى القيمة فالإقطاع أسمى من دولة الملك . والرأسمالية أسمى من الإقطاع . والشيوعية أسمى من الجماعات الرأسمالية !
وادعاء أن كل جماعة أسمى من سابقتها مصدر براق للدعاية الشيوعية . وكثير من الناس يصيرون أتباعا للشيوعية ، لأنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل عالم أحسن من أى عالم وجد قبل ذلك (1) !!!
وظاهر من هذا العرض لأصول المذهب الماركسى أنه قائم على التحكم الذى تمليه الرغبة فى الوصول إلى نتائج معينة مرسومة من قبل ! لا على الواقع . ولا على تتبع هذا الواقع .