الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: خصائص التصور الإسلامي
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: رمضان
 

الربانية

القسم الثاني

فإذا نحن تذكرنا أن جميع النزاعات الأوربية ، التى نشأت معادية للدين وللفكر الدينى ، كان منشؤها هو هذا الانحراف ، وهذه الأوضاع التى قامت على أساس هذا الانحراف ..من عقلية مثالية إلى وضعية حسية إلى جدلية مادية .. إذا تذكرنا هذا أدركنا أن هذا البلاء الذى يعم البشرية كلها اليوم ، إنما نشأ من عقابيل تدخل الفكر البشرى ، فى أصل التصور الربانى . وهو بلاء لا يعدله بلاء آخر فى تاريخ البشرية الطويل ..

ولعله يحسن - لتكون هذه النقطة واضحة وضوحا يناسب خطورتها - أن نذكر خلاصة موجزة للخط الذى سار فيه الفكر الأوربى ، بوصفه نتيجة طبيعية مباشرة لانحراف التصور الدينى . بتدخل الفكر البشرى فيه ، وبإخضاعه للعوامل السياسية ، والخلافات العنصرية والمذهبية .

ولعل هذه الخلاصة أن تكشف لنا عن حكمة الله ورعايته فى حفظ أصول التصور الإسلامى بعيدة عن تحريف البشر . وعن خطورة أية محاولة باسم التجديد الدينى أو التطور فى الفكر الدينى أو غيرهما ، لإدخال أى عنصر بشرى على التصور الربانى .. فهذا التصور هو الوحيد الباقى من غير أن يعبث به جهل البشر وقصورهم وهو وحده ملاذ البشرية ، لتفئ إليه فى يوم من الأيام . فتجد عنده الهدى والسكينة والاطمئنان .

وسنكتفى فى هذا التلخيص لخط سير الفكر الأوربى - فى اتجاه مضاد للكنيسة وتفكيرها الدينى- بمقتبسات من الفصل الذى كتبه الدكتور محمد البهى بعنوان : الدين مخدر! فى كتابه الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالاستعمار الغربى :

الصراع بين الدين والعقل والحس فى تاريخ الفكر الغربى : أربع مراحل فى تاريخ التفكير الأوربى ، منذ القرن الرابع عشر إلى الآن ، شهدت فيها العقلية الأوربية صراعا فكريا ، واتجاهات عقلية مختلفة ، تدور حول تبرير مصدر من مصادر المعرفة ، التى عرفتها البشرية فى تاريخها حتى الوقت الحاضر ، وهى : الدين . والعقل . والحس أو الواقع ، وفى كل مرحلة من هذه المراحل ينشأ سؤال عن قيمة أى واحد من هذه الثلاثة كمصدر للمعرفة المؤكدة ، أو اليقينية . ثم يكون الجواب على هذا السؤال إيجابا أو سلبا . ومن السؤال وما يدور حوله من جدل ، وأخذ ورد ، تكون المذاهب الفلسفية التى تعبر عن قيمة المصدر ، الذى وضع للاختبار والتقدير .

سيادة النص أو الدين كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائدا فى توجيه الإنسان فى سلوكه وتنظيم جماعته ، وفى فهمه للطبيعة وكان يقصد بالدين المسيحية ، وكان الكثلكة ، وكانت الكثلكة تعبر عن البابوية . والبابوية نظام كنسى ركز السلطة العليا - باسم الله - فى يد البابا ، وقصر حق تفسير الكتاب المقدس على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى ، وسوى فى الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وإفهام الكنيسة الكاثوليكية ، وجعل عقيدة التثليت عقيدة أصيلة فى المسيحية ، كما جعل الاعتراف بالخطأ وصكوك الغفران من رسوم العبادة وغير ذلك مما يتصل بالكاثوليكية كمذهب وكنظام لاهوتى .

حتى كان القرن الخامس عشر ،وحتى ابتدأت الحروب الصليبية تثمر ثمرتها الإيجابية فى العقلية. الأوربية . فقام مارتين لوثر (Luther) (1453 - 1546م) وكافح تعاليم الشيطان - كما سماها - وهى تعاليم البابوية والكنيسة الكاثوليكية ، فحارب صكوك الغفران ، ونظر إليها كوسائل للرق والعبودية . وحارب عقيدة التثليت ، كما حارب سلطة البابا وجعل السلطة الوحيدة فى المسيحية هى الكتاب المقدس ، وكلمة الله : النص وطالب بالحرية فى بحث الكتاب . ولكن ليست أية حرية على العموم . ومع ذلك جعل الكتاب المقدس نفسه هو مصدر الحقيقة فيما يتصل بالإيمان فى الاعتبار ، سابقا على أى شئ أخر عداه ، من العقل أو الطبيعة .

وجاء بعد لوثر - فى طريقه - كالفن (Calvin) (1509 - 1564م) وأقر لوثر على أن الإنجيل وحده هو المصدر للحقيقة المسيحية وأن عقيدة التثليت لا تقبلها المسيحية الصحيحة .

وبحركة لوثر وكالفن الإصلاحية تعرضت المسيحية للجدل الفكرى ، وأصبحت موضوعا للنقاش العقلى ، والمذاهب الفلسفية .. والمسيحية التى تعرضت لذلك هى المسيحية التى تناولها لوثر بإصلاحه . أى الكاثوليكية البابوية . ومن أنكر من الفلاسفة على الدين أن تكون له سلطة أنكر سلطة البابوية ومن وضع العلاقة بين الدين والعقل كشيئين متقابلين أو متناقضين ، حدد العلاقة بين الكثلكة - وما فيها من عقيدة التثليت ومراسم صكوك الغفران - وبين العقل الإنسانى العام . ومن دافع عن المسيحية من الفلاسفة ، كهيجل ، دافع عن التعاليم النقية للمسيحية التى احتضنها لوثر ، فى مقابل تعاليم الكنيسة الكاثوليكية .

وهكذا كان الدين الذى جعل موضوعا للصراع العقلى الأوربى ، نوعا خاصا من الدين، والذى قبل منه باسم الفلسفة . كان جملة خاصة من تعاليمه . والذى رفض منه باسم الفلسفة أيضا ، كان كذلك جملة خاصة من تعاليمه .

سيادة العقل : استمر اعتبار الوحى ، كمرجع أخير للمعرفة ، على خلاف فى تحديد تعاليمه، حتى كان النصف الثانى من القرن الثامن عشر ، وهو عصر التنوير فى تاريخ الفلسفة الأوربية . وعصر التنوير له طابعه الخاص ، الذى تميز بع العصر السابق عليه والآخر اللاحق له ، وله طابعه المشترك فى الفكر الألمانى والإنجليزى والفرنسى ، فى الفترة الزمنية التى تحدده ، وله فلاسفة فى دوائر الفكر الثلاث كونوا الطابع الفكرى الذى عرف به ..

وطابعه الفكر :

أ-تزايد شعور العقل وإحساسه بنفسه ، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية فى يده، بعد أن تزيل كل عبودية ورثها هو ، حتى لا تحجبه عن التخطيط الواضح لهذا المصير(1) .

ب-الشجاعة والجرأة التى لا تتأرجح فى إخضاع كل حدث تاريخى لامتحان العقل . وكذلك فى تكوين الدولة والجماعة ، والاقتصاد ، والقانون ، والدين ، والتربية ، تكوينا جديدا ، على الأسس السليمة المصفاة ، التى لكل واحد منها ! .

ج-الإيمان بتعاون جميع المصالح والمنافع ، وبالأخوة فى الإنسانية ، على أساس من هذه الثقافة العقلية ، المستمرة فى التطور ..

ومعنى ذلك كله : سيادة العقل - كمصدر للمعرفة - على غيره ، وغيره الذى ينازعه السيادة هو الدين . أى المسيحية الكاثوليكية أولا .. وقد تكون معها البروتستانتية ، كمذهب عرف للإصلاح الدينى هناك .

فللعقل الحق فى الإشراف على كل اتجاهات الحياة ، وما فيها من سياسة ، وقانون ، ودين ، والإنسانية هى هدف الحياة للمجتمع .وكما يسمى هذا العصر بِعصر التنوير يسمى أيضا بِالعصر الإنسانى ، وكذا بعصر Deism أى عصر الإيمان الفلسفى بإله ، ليس له وحى ، وغير خالق للعالم . إذ كل مسميات هذه الأسماء تعتبر من خواصه . فالتنوير لا يقصد به إلا إبعاد الدين عن مجال التوجيه ، وإحلال العقل محله . والإنسانية التى يبشر بها هذا العصر ليست إلا عوضا عن القربى من الله كهف للإنسان فى سلوكه فى الحياة . والإله ، الذى ليس له وحى ولا خلق ، يتفق مع تحكيم العقل وحده ، وطلب سيادته على أحداث الحياة واتجاهاتها .

وإذن فى عصر التنوير كانت الخصومة الفكرية بين الدين والعقل . واتجه التفكير فيه إلى إخضاع الدين للعقل . ولذلك عد زمن هذا العصر فترة سيادة العقل . كما عد العصر السابق عليه فترة سيادة الدين ..

ومن هذا يتضح أن صراع العقل مع الدين ، هو صراع الفكر الإنسانى مع مسيحية الكنيسة. وأن دوافع هذا الصراع هى الظروف التى أقامتها الكنيسة فى الحياة الأوربية . سواء فى مجال التوجيه والبحث ، أو فى مجال السياسة ، أو نطاق العقيدة والإيمان ..

سيادة الحس : انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر تقريبا ، وابتداء عصر آخر من عصور الفكر الأوربى ، وبظهور فجر القرن التاسع عشر . وموضوع الصراع واحد لم يختلف عن ذى قبل ، هو : الدين ، والعقل ، والطبيعة . ولكن تميز القرن التاسع عشر بفلسفة معينة . لأن اتجاه الفكر فيه مال إلى سيادة الطبيعة على الدين والعقل . تميز القرن التاسع عشر بأنه عصر الوضعية (Positivism) والوضعية نظرية فلسفية نشأت فى جائرة المعرفة . وقامت فى جو معين ، على أساس خاص ، أما جوها المعين فهو أولا وبالذات سيطرة الرغبة على بعض العلماء والفلاسفة فى معارضة الكنيسة . والكنيسة تملك نوعا خاصا من المعرفة ، وتستغله فى خصومة المعارضين لنفوذها من العلماء والباحثين .وقد تسرد به على هؤلاء المعارضين فترة من الزمن . وهذا النوع هو المعرفة المسيحية الكاثوليكية بوجه خاص - كما سبق أن ذكر - أو هو المعرفة الدينية ، أو المعرفة الميتافيزيقية بوجه عام . يضاف إلى هذه الرغبة القوية فى معارضة الكنيسة ، ومعارضة ما تملك من معرفة خاصة ، أن فلسفة عصر التنوير وهى الفلسفة العقلية أو المثالية قد أفلست - فى نظر فلاسفة الوضعية - فيما أرادت أن تصل إليه : وهو إبعاد التوجيه الكنسى كلية عن توجيه الإنسان، وتنظيم الجماعة الإنسانية . فقد مالت هذه الفلسفة على عهد هيجل إلى تأييد الوحى والدين من جديد !!!

فالغاية الأولى للمذهب الوضعى ، من منطقه ، هى معارضة الكنيسة ، أو معارضة معرفتها ، ومن باب التغطية باسم العلم ! هى معارضة الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) والمثالية العقلية . وإلا فالمذهب الوضعى فى الوقت الذى ينكر فيه دين الكنيسة يضع دينا جديدا بدله ، هو دين الإنسانية الكبرى ، ويقوم على عبادة وطقوس - كما تقوم المسيحية - وله قداسة واحترام على نحو ماللكثلكة !

وأما الأساس الخاص الذى قامت عليه الوضعية فهو تقدير الطبيعة والطبيعة ، والحقيقة ، والواقع ، والحس .. كلها سواء فى نظر الوضعيين . وتقدير الطبيعة - لا كمصدر مستقل فحسب للمعرفة - بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة . ومعنى تقدير الطبيعة على هذا النحو : أن الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى عقل الإنسان ، وهى التى توحى بها ، وترسم معالمها الواضحة . وهى التى تكون عقل الإنسان . والإنسان - لهذا - لا يملى عليه من خارج الطبيعة ، مما وراءها ، كما لا يملى عليه من ذاته . إذ ما يأتى من ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة ، وليس حقيقة ! وما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة ، وليس حقيقة أيضا ! وبناء على ذلك : الدين وهو وحى ما بعد الطبيعة - خداع . هو وحى ذلك الموجود الذي لا يحدده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية .. وكذلك المثالية العقلية وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعى . إذ هى تصورات الإنسان عن نفسه ، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة ، التى يعيش فيها ، وتدور حوله .

وإذن ما يتحدث به الإنسان ، ككائن شخصى ، عن الإنسان ، كموضوع للوصف . أو ما يتحدث به الإنسان عن الطبيعة التى يعيش فيها ، كموضوع للحكم عليها - مستمدا حديثه عن هذا أو ذاك من معارف الدين ، أو المثالية العقلية - - هو حديث بشىء غير حقيقى عن شيئ حقيقي، هو حديث غير صادق ، خضع فيه الإنسان المتحدث إلى خداع الدين بحكم التقاليد ، أو إلى الوهم بحكم غرور الإنسان بنفسه !

إن عقل الإنسان - أى ما فيه من معرفة - وليد الطبيعة ، التى تتمثل فى : الوراثة ، والبيئة ، والحياة الاقتصادية ، والاجتماعية .. إنه مخلوق . ولكن خالقه الوجود الحسى .. إنه يفكر . ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به .. إنه مقيد مجبر . وصانع القيد والجبر هو حياته المادية … ليس هناك عقل سابق ، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان . عقل الإنسان ومعرفته بوجدان تبعا لوجود الإنسان . هما انطباع لحياته الحسية المادية .

الطبيعة تنطق عن نفسها . ويجب على الإنسان أن يعتمد منطقها . إذا أراد أن يعيش فيها . ومنطقها وحده - لا منطق المؤهلين ، ولا منطق العقليين ، ولا منطق أصحاب النظرية السيكولوجية فى معرفة الإنسان - هو الذى يخط الطريق المستقيم فى حياة الإنسان فيها . وهو الذى يحدد أهدافه فيها !

وطريق الإنسان فى حياته الطبيعية يبتدئ من الفرد ، وينتهى بالجماعة ، وإذن : الفرد نفسه ليس غاية . وحياته التى يعيشها ليست هدفا لسعيه . إنما غايته الأخيرة التى يجب أن يسعى إليها ، ويذهب فيها - كما يذهب العابد الصوفى ، صاحب عقيدة الاتحاد فيما يؤهله ويعبده - هى الجماعة وطالما كانت الجماعة هى غاية الفرد الأخيرة ، فهى معبودة ، وتذهب حريته ، لتبقى لها الحرية ! وتفنى حياته لتبقى لها الحياة!(1) .

الماركسية : -الجدلية المادية - ولماركس نظرية مادية ، تأثر فيها بكومت (من فلاسفة الوضعية) . وهو لا ينكر وجود العقل كما ينكره المذهب المادى الميكانيكى . ولكنه لا يدعى فحسب أن المادة توجد قبل أن يوجد العقل ، بل أيضا المادة أكثر أهمية واعتبارا من العقل . إذ العقل متوقف على المادة فى وجوده ، ولا يمكن أن يوجد منفصلا عنها ، ونتيجة ذلك : أن ماركس لا يرفض فقط أن يبقى العقل (أو الروح) بعد الجسم - كما يذكر الدين - بل يرفض الفكرة الأساسية فى الدين . وهى الإيمان بالله . كموجود أزلى مستقل تماما ومتجردا تماما على المادة .. وكحقيقة واضحة : كل دين بالنسبة لماركس - من حيث المبدأ - لعنة . وهو يحدثنا أن كل دين مخدر للشعب !

وتبعية العقل للمادة ، يصورها ماركس فى صورة : أن العقل انعكاس للمادة ، وليس كما يصرح هيجل بأن المادة انعكاس للعقل ، وهذا يعنى أن العقل نوع من المرآة العاكسة للعالم المادى . وهذا التصور الماركسى للحقيقة المادية على أنها الأصل ، يشمل فى عموم منطق الماركسية للحقيقة المادية ، على أنها الأصل ، يشمل فى عموم منطق الماركسية كل الأحداث الطبيعية وما يحيط بها من وجهة نظر متعددة ، هى القوة المادية الرئيسية أيضا . أما الأحداث السياسية والاجتماعية والأخلاقية، فهى انعكاس للأحداث الاقتصادية الراهنة ، وماركس وإنجلز ، إن وجدا مغزى التاريخ فى أحداث الحياة الاجتماعية بصفة عامة ، لكنهما ينظران إلى الجانب الاقتصادى بالذات ، من بين أحداث هذه الحياة . والأحوال الاقتصادية تبعا لذلك ، هى العوامل المحددة فى كل المجالات الاجتماعية ، وهى التى تكون البواعث الأخيرة ، لكل الأعمال الإنسانية فى تاريخ الجماعة البشرية .

وتغير الأحوال الاقتصادية وتطورها يؤثر لذلك - وحده - على حياة الدولة ، وعلى سياستها ، وكذلك على العلم ، والدين وهكذا كل الإنتاج الثقافى والذهنى فرع عن الحياة الاقتصادية، وكل التاريخ لهذا يجب أن يكون تاريخ اقتصاد (1) .

وهكذا انتهت محاولة الهروب من الكنيسة ، وتصوراتها الدينية لا المحرفة المشوبة بالأفكار البشرية ، وسوء استغلالها لسلطانها باسم الدين .. انتهت أولا إلى الفلسفة العقلية المثالية - على اختلاف اتجاهاتها ما بين معارضة الدين وإعلان سيطرة العقل فى رأى فيشته .. وبين تأييد الدين باعتبار أن الله - سبحانه - عقل ! فى رأى هيجل - ثم انتهت ثانيا إلى الفلسفة الحسية الوضعية على يد كومت واشتين تال . ثم إلى الجدلية المادية على كارل ماركس وزميلة إنجلز .

وكان هذا الحظ الطويل من الانحراف فى الفكر الأوربى نتيجة مباشرة لتشويه التصور الدينى بمقولات وتصورات بشرية ، من صنع الكنائس والمجامع المتوالية هذه المقولات التى استغلتها الكنيسة ذلك الاستغلال المنفر البغيض .

وإلا فإن نظرة إلى هذا التخبط فى خطواته المتعثرة تكشف للباحث المتثبت أن الهاربين من الله - لكى يهربوا من قبضة الكنيسة - لم يصلوا إلى أية حقيقة مضبوطة يصح أن تكون عذرا أو حجة لمن يريد أن يقول : إنه يلجأ إلى هذا هروبا من معميات ما وراء الطبيعة !

وإلا فأى شئ مضبوط وصلت إليه الفلسفة العقلية المثالية مثلا؟ ما هو هذا العقل الذى وكلت إليه أمر المعرفة بعيدا عن الله وعن الطبيعة ؟ ماذا تعرف عن ماهية العقل أو عن خصائصة ؟ و ماذا تعرف عن طريقة عمله وتأثراته وتأثيراته ؟ أين يقع هذا العقل ؟ ما طبيعته ؟ ما قانونه ؟ … كلها أسئلة لا جواب عليه حتى فى القرن العشرين !

ثم هذه المقولات التى ابتدعتها هذه الفلسفة ، وجعلتها حتمية ، وبنت عليها كل قضاياها ؟

مبدأ النقيض الذى قام عليه المذهب - والذى اعتمد عليه كارل ماركس فيما بعد - ما هو؟ ما قيمته الواقعية إنه ليس سوى مقولة عقلية مجردة ، لا تتعامل مع الواقع فى شئ :

استخدم فيشته مبدأ النقيض على النحو التالى :

تصور الإنسان لنفسه - وحده - هو بداية الطريق . وأشبه بالمقدمات التى تستلزم نتائجها ، على النحو الذى حدد به غاية فلسفته . فإذا تصور الإنسان نفسه ، أى إذا أنا تصورت أنا نشأ عنه أن أنا هو أنا وما ليس أنا هو غير أنا ، فهنا أنا وهنا أيضا ليس أنا . ولكن وجود ليس أنا منطو على وجود أنا الحقيقى وإذن أنا باعتبار أنه يطوى فى ذاته وجود ليس أنا هو أنا وليس أنا . وتصور الإنسان لنفسه أنتج إذن خطوات ثلاثا فى الفكر - أو ثلاثية !

وبما أنه ليس هناك فى الأصل ، عندما تصور الإنسان نفسه ، إلا أنا فالأشياء الخارجة عن أنفسنا - أى الأشياء التى هى ليس أنا - نتصورها فقط عن طريق أن أنا يطوى فى نفسه حقيقة

أخرى ، وهى : ليس أنا . وهذه الأشياء الخارجة عن أنفسنا ليست منطوية فقط أنا بل هى عمل لِ أنا ومن إنتاجه (1) !

والآن .. ما الذى يحتم - من الواقع - أن يكون أنا هو وحده الموجود . وأن يكون ليس أنا لا وجود له ابتداء ، إنما هو من عمل أنا ومنطو فى أنا ؟ ومن إنتاجه ؟

ماذا يحتم هذه المقولة من الواقع ؟ لا شئ ! وإنما هو مجرد تحكم عقلى من فيشته لبناء مذهب! ومن هنا يكون هذا الأساس العقلى المثال لا يتعامل مع الواقع فى شئ . وليس له رصيد فى حياة البشر ! وكان من حق المدرسة الوضعية أن تسخر من هذه المثالية التى لا مدلول لها فى دنيا الواقع ، ولا فاعلية فى الناس ! لولا أنها لم تسخر منها لتأتى بما هو خير ، بل بما هو أشد إحالة وأبعد عن الصواب !

إن فيشته يتخذ من المبدأ السابق ، الذى لا رصيد له من الواقع كما رأينا ، قاعدة يثبت بها أن العقل هو الموجود الحقيقى الذى لا يتوقف وجوده على غيره .

ومنطق هذا المبدأ - على هذا النحو الذى استخدمه فيشته - أن العقل مستقل تماما عن غيره. وموجود من أجل نفسه . ووجوده هو وجوده هو ، لا وجود غيره . وماهية العقل تتضح إذن من العقل نفسه . وليست مما هو خارج عنه . إذ لو توقف العقل على غيره الخارجى عنه ، لكان معنى ذلك أن ليس أنا هو نقطة البداية وفى ذلك إلغاء للعقل نفسه ، قبل أن يصل إلى غيره . لأنه لا معنى لوجود ليس أنا إلا نفى وجود أنا أى نفى العقل (2) !

فما الذى يحتم - من الواقع - أن يكون معنى وجود ليس أنا هو نفى وجود أنا ؟ ولماذا هذا التحتيم ؟ إنه مجرد تحكم ينقضه العقل ذاته ، حين يتخلص من إسار المذهب !

فإنه ليس هناك ما يمنع - عقلا - أن يكون أنا موجودا وليس أنا موجودا كذلك ، ولا يتوقف أحدهما على وجود الآخر !!

ولكن المسألة كلها كانت هى إقامة إله آخر ، غير إله الكنيسة ! إله ليس له كهنة ولا كرادلة ولا بابا ولا كنيسة ! ومن ثم أقيم هذا العقل إلها ، لا سدنة له ولا كهنة ! وهذا هو الهدف النهائى المقصود !!!

كذلك استخدم هيجل مبدأ النقيض ، مع استخدام مصطلحات جديدة غير مصطلحات فيشته:

وإذا كان فيشته قد استخدم مبدأ النقيض فى دعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة ، مقابل الدين أو الطبيعة - على نحو ما رأينا - فِهيجل استخدم نفس المبدأ لتأكيد قيمة العقل . ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد ، وتأكيد الوحى كمصدر أخير للحقيقة على اعتبار أن الله عقل . وبدل المصطلحات الثلاثة التى تعرف لِفيشته فى استخدامه مبدأ النقيض ، والتى تعبر عن الخطوات الثلاث للفكر عند تطبيقه - يعبر هيجل عن ذلك بعبارات خاصة به ، هى : الدعوى . ومقابل الدعوى . وجامع الدعوى ومقابلها .

… فقد تصور - فى مجال الفكرة - أن هناك فكرة مطلقة أسماها العقل المطلق ولهذا العقل المطلق وجود ذاتى أزلى قبل خلق الطبيعة وقبل خلق العقل المنتهى . هذا العقل المطلق هو الله . وقد انبثقت منه الطبيعة وهى تغايره . إذ أنها بعيدة متفرقة بينما العقل المطلق واحد وحدة مطلقة من كل قيد .. وبوجود الطبيعة ظهرت أو انتقلت الفكرة فى العقل المطلق غير المحدد ، فيما وجوده مقيد محدد .فالطبيعة هى خروج الفكرة من دائرتها الأولى . ومن أجل ذلك هى ضرورة وصدفة . وليس فيها حرية الاختيار . وتعتبر بذلك مقابلا ونقيضا للفكرة فى العقل المطلق . وإذا كان العقل المطلق دعوى فالطبيعة عندئذ مقابل الدعوى . والفكرة بذلك انتقلت من المطلق إلى المقيد ، أو من النقيض إلى نقيضه . فالفكرة من حيث هى فكرة ، انطوت على نقيضها ، حتى الآن ، ولكن الفكرة فى الطبيعة ، تسعى لتحصيلها وتحقيقها ، وتحصيلها هو العقل المجرد والعقل المجرد هو نهاية الطبيعة وغايتها . وهو عندئذ جامع الدعوى ومقابل الدعوى! (1).

وهذا نموذج كذلك من المثالية التى ضاقت بها الوضعية فى أوربا . وحق لها أن تضيق ! وهى هكذا تتعامل مع تصورات عقلية مجردة ، ومع مصطلحات لا رصيد لها من الواقع ولا علاقة لها بالإنسان الواقعى ولا بالحياة الواقعية !

ولكن السادة الوضعيين حين كفروا بإله الكنيسة ، ثم كفروا بإله العقل ، لم يذهبوا إلى ما أهدى . لقد أقاموا من الطبيعة إلها .. ولكن ما هى هذه الطبيعة ؟ ما هى هذه الطبيعة التى خلقت العقل ، والتى كما يقولون : تنقش الحقيقة فى العقل ؟ أهى كائن محدد ؟ أهى ذات كلية ؟ أم هى هذه الأشياء المتفرقة من أجرام وأشكال وحركات وهيئات ؟ أهى شئ له حقيقة مستقلة عن تصور العقل الإنسانى لها ؟ أم هى الصورة التى تنطبع فى العقل عن المحسوسات التى يدركها ؟ أم هى شئ له حقيقة فى ذاته ، وما ينطبع منها فى العقل قد يطابق حقيقتها وقد لا يطابقها ؟

وإذا كانت هذه الطبيعة هى التى خلقت العقل البشرى ، فهل هى خالق له إيجابية الخلق من العدم ولماذا إذن خلقت العقل فى الإنسان ولم تخلقه فى الحيوان ؟ أو فى النبات ؟ أهى ذات إرادة مميزة مختارة ؟ تختار كائنا بعينه من الكائنات لمنحه هذه المنحة الفريدة ؟

أما إذا كانت حقيقتها لا تتجلى إلا فى الفكر البشرى . أفلا يكون ظهور هذه الحقيقة إذن متوقفا على وجود العقل البشرى ؟ فكيف تكون هذه الطبيعة خالقة له بينما هى لا تظهر إلا فيه؟!

ثم إن هؤلاء السادة يحيلوننا على معمى لا ضابط له ولا حدود .. وهم يشيرون إلى الطبيعة!!!

فما الطبيعة ؟ أهى مادة هذا الكون ؟ وما هى ماهية هذه المادة ؟ إن ما كانوا يسمونه المادة ويحسبونه شيئا ثابتا قد تبين لهم هم أنفسهم أنهم لا يستطيعون تحديد ماهيته . إن المادة تنحل فإذا هى إشعاع . فهل الإشعاع هو الطبيعة . وهو المادة ؟ أم إن المادة - والطبيعة كذلك - هى الصورة التى يتجسم فيها هذا الإشعاع ؟ إنه لا يثبت على حال هذا الإله ! فبينما هو متجسم إذا هو منطلق وبينما هو منطلق إذا هو متجسم ! ففى أى حالة من حالاته يا ترى تكون له القوة الخالقة للعقل البشرى ؟ وهل هو الذى يخلق كذلك صور نفسه المتوالية المتحركة أبدا ؟ من إشعاع إلى ذرات ومن ذرات إلى كتل .. ومن كتل إلى ذرات . ومن ذرات إلى إشعاع ! - ودع عنك الحياة والخلية الحية والحياة المترقية ! - متى يكون لهذا الإله قوة الخلق ؟ فى أى حالاته ؟ ومن الذى خلق الإنسان الذى تخلق الطبيعة عقله ؟ أهى خلقته ابتداء ؟ أم اكتفت بأن تخلق عقله بعد وجوده ؟!

وإذا كانت الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى الإنسان .. فلماذا العقل الإنسانى بالذات ؟ أليست تنطق وتسمعها كل الكائنات الحية ؟ فهل يا ترى تنقش هذه الحقيقة كذلك فى عقول البغال والحمير والببغاوات أو عقل القرد هى ذاتها التى نقشتها فى عقل أوجست كومت أو عقل كارل ماركس ؟!

وإذا كانت الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى العقل الإنساني فما هي الحقيقة الصحيحة ؟ هل كانت هذه الحقيقة والعقل يجزم بأن الأرض مركز الكون ؟ أم وهو يجزم بأنها ليست سوى تابع صغير من توابع الشمس ؟ هل كانت والعقل يجزم بأن المادة هى هذه الأشياء الصلبة المحسة ؟ أم وهو يجزم بأن المادة ليست شيئا سوى طاقه متجمعة ، فى صور متحولة ؟ هل كانت والعقل يجزم بأن الطبيعة ليست سوى عمل العقل ؟ أم هو يجزم بأن العقل ليس شيئا سوى انطباع المادة ؟

أى هذه المقررات العقلية كانت هى الحقيقة التى نقشتها الطبيعة فى العقل البشرى ؟ تراها تخطئ فى النقش ؟ أم أن العقل نفسه هو الذى يشوه النقش ؟ وهل له إذن فاعلية ذاتية وشخصية مستقلة ؟ فى حين يقول السادة الوضعيون : إنه ليس شيئا آخر سرى ما تنقشه هذه الطبيعة ؟!

وندع الحياة ونشأتها وأسرارها - كما قلنا - إلى موضع مناقشة هذا السر فى التصور الإسلامى والتصورات الأخرى .. ندع الحياة وأسرارها فلا نناقشها هنا ونسأل : أى إله هذا الذى يقدمه لنا السادة الماديون ؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا فى عقولنا ولا فى واقعنا منه شيئا مضبوطا فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به . وهو هباء لا يثبت على اللمس ، ولا يثبت على الرؤية ، ولا يثبت على النظر العقلى أيضا ؟ ونحن - والحمد لله - لسنا هاربين من الكنيسة ؟!!

أما هذا المسخ الذى يثير الاشمئزاز فى تصور كارل ماركس وانجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذى تتحرك فيه ، وحصرها فى حجر الاقتصاد فإن الشعور بالاشمئزاز منه يزداد ، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادى نفسه . وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة ، يبدو فيها كلها كأنما هى تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص : فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير الذى لا تروعه عظمة الكون ذاته ، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية .. فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة ، ولكل هذه الروعة ، ليخنس فى جحر الاقتصاد ، والآلة والإنتاج - لا بوصفها غاية للإنسان ومحركا فحسب - ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى - والإله الخالق ، والرب المتصرف ، المصرف لهذه الحياة !

ولكنا بعد ذلك كله فنذكر أن هذا البلاء كله - من مبدئه إلى نهايته - إنما جاء ثمرة طبيعية لانحراف الكنيسة والمجامع بالتصور الربانى . ومحاولة الفكر الأوربى أن يأبق من وجه الكنيسة وإلهها الذى تستطيل به ! فنحمد الله أن ظل التصور الإسلامى الربانى محفوظا ! وإن لم تقم عليه الكنيسة! وإن لم يقع بينه وبين العقل البشرى والعلم البشرى ذلك الصدام ، الذى قاد الفكر الأوربى إلى هذا التيه وهذا الركام !

ونذكر أن التصور الإسلامى يدع للعقل البشرى وللعلم البشرى ميدانه واسعا كاملا - فيما وراء أصل التصور ومقوماته - ولا يقف دون العقل يصده عن البحث فى الكون . بل هو يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه دفعا . ولا يقف دون العلم البشرى فى المجال الكونى . بل هو بكل أمر الخلافة كله - فى حدود التصور الربانى - للعقل البشرى وللعلم البشرى … وندرك مقدار نعمة الله ومقدار رحمته فى تفضله علينا بهذا التصور الربانى ، وفى إبقائه وحفظه على أصله الربانى ..

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error