الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: خصائص التصور الإسلامي
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: رمضان
 

كَلöمة فى المنِْهج

||إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم \\

تحديد خصائص التصور الإسلامى ومقوماته(1) ... مسألة ضرورية ، لأسباب كثيرة :

ضرورية لأنه لابد للمسلم من تفسير شامل للوجود ، يتعامل على أساسه مع هذا الوجود.. لابد من تفسير يقرب لإدراكه طبيعة الحقائق الكبرى التى يتعامل معها ، وطبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الحقائق : حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية (وهذه تشتمل على حقيقة الكون .. وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان) .. وما بينها جميعا من تعامل وارتباط .

وضرورية لأنه لابد للمسلم من معرفة حقيقة مركز الإنسان فى هذا الوجود الكونى ، وغاية وجوده الإنسانى .. فمن هذه المعرفة يتبين دور الإنسان فى الكون وحدود اختصاصاته كذلك ، وحدود علاقته بخالقه وخالق هذا الكون جميعا.

وضرورية لأنه بناء على ذلك التفسير الشامل ، وعلى معرفة حقيقة مركز الإنسان فى الوجود الكونى وغاية وجوده الإنسانى ، يتحدد منهج حياته ، ونوع النظام الذى يحقق هذا المنهج ، فنوع النظام الذى يحكم الحياة الإنسانية رهين بذلك التفسير الشامل ، ولابد من أن ينبثق منه انبثاقا ذاتيا

وإلا كان نظاما مفتعلا ، قريب الجذور ، سريع الذبول . والفترة التى يقدر له فيها البقاء ، وهى فترة شقاء للإنسان ، كما أنها فترة صدام بين هذا النظام وبين الفطرة البشرية ، وحاجات الإنسانالحقيقية ! الأمر الذى ينطبق اليوم على جميع الأنظمة فى الأرض كلها - بلا استثناء - وبخاصة فى الأمم التى تسمى متقدمة(2) !

وضرورية لأن هذا الدين جاء لينشئ أمة ذات طابع خاص متميز متفرد ، وهى فى الوقت ذاته أمة جاءت لقيادة البشرية ، وتحقيق منهج الله فى الأرض ، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من القيادات الضالة ، والمناهج الضالة ، والتصورات الضالة - وهو ما تعانى اليوم مثله مع اختلاف فى الصور والأشكال - وإدراك المسلم لطبيعة التصور الإسلامى ، وخصائصه ومقاومته ، هو الذى يكفل له أن يكون عنصرا صالحا فى بناء هذه الأمة ، ذات الطابع الخاص المتفرد المتميز ، وعنصرا قادرا على القيادة والإنقاذ ، فالتصور الاعتقادى هو أداة التوجيه الكبرى ، إلى جانب النظام الواقعى الذى ينبثق منه ، ويقوم على أساسه ، ويتناول النشاط الفردى كله ، والنشاط الجماعى كله ، فى شتى حقول النشاط الإنسانى .

***

ولقد كان القرآن الكريم قد قدم للناس هذا التفسير الشامل ، فى الصورة الكاملة ، التى تقابل كل عناصر الكينونة الإنسانية ، وتلبى كل جوانبها ، وتتعامل مع كل مقوماتها .. تتعامل مع الحس و الفكر و البديهة و البصيرة .. ومع سائر عناصر الإدراك البشرى ،، والكينونة البشرية بوجه عام - كما تتعامل مع الواقع المادى للإنسان ، هذا الواقع الذى ينشئه وضعه الكونى - فى الأسلوب الذى يخاطب ، ويوحى ، وبوجه كل عناصر هذه الكينونة متجمعة ، فى تناسق ، هو تناسق الفطرة كما خرجت من يد بارئها سبحانه žž!

وبهذا التصور المستمد مباشرة من القرآن ، تكيفت الجماعة المسلمة الأولى ، تكيفت ذلك التكيف الفريد .. وتسلمت قيادة البشرية ، وقادتها تلك القياد الفريدة التى لم تعرف لها البشرية من قبل ولا من بعد - نظير . وحققت فى حياة البشرية - سواء فى عالم الضمير والشعور ، أو فى عالم الحركة والواقع - ذلك النموذج الفذ الذى لم يعهده التاريخ ، وكان القرآن هو المرجع الأول لتلك الجماعة ، فمنه انبثقت هى ذاتها .. وكانت أعجب ظاهرة فى تاريخ الحياة البشرية : ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب ž! وبه عاشت . وعليه اعتمدت فى الدرجة الأولى باعتبار أن السنة ليست شيئا آخر سوى الثمرة الكاملة النموذجية للتوجيه القرآنى .. كما لخصتها عائشة - رضى الله عنها -وهى تسأل عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتجيب تلك الإجابة الجامعة الصادقة العميقة : كان خلقه القرآن .. (خرجه النسائى) .

***

ولكن الناس بعدوا عن القرآن ، وعن أسلوبه الخاص ، وعن الحياة فى ظلاله ، عن ملابسة الأحداث والمقومات التى يشابه جوها الجو الذى تنزل فيه القرآن .. وملابسة هذه الأحداث والمقومات ، وتنسم جوها الواقعى ، هو وحده الذى يجعل هذا القرآن مدركا وموحيا كذلك ، فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالى البال من مكان الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقية ، ومن معاناة هذا الأمر العسير الشاق وجرائره وتضحياته وآلامه ، ومعاناة المشاعر المختلفة التى تصاحب تلك المكابدة فى عالم الواقع ، فى مواجهة الجاهلية فى أى زمان !

إن المسألة - فى إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته - ليست هى فهم ألفاظه وعباراته ، ليست هى تفسير القرآن - كما اعتدنا أن نقول ! المسألة ليست هذه إنما هى استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب ، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التى صاحبت نزوله، وصحبت حياة الجماعة المسلمة وهى تتلقاه فى خضم المعترك .. معترك الجهاد .. جهاد النفس وجهاد الناس ، جهاد الشهوات وجهات الأعداء . والبذل والتضحية . والخوف والرجاء . والضعف والقوة . والعثرة والنهوض .. جو مكة ، والدعوة الناشئة ، والقلة والضعف ، والغربة بين الناس .. جو الشعب والحصار ، والجوع والخوف ، والاضطهاد والمطاردة والانقطاع إلا عن الله .. ثم جو المدينة : جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم ، بين الكيد والنفاق ، والتنظيم والكفاح .. جو بدر و أحد و الخندق و الحديبية وجو الفتح و حنين و تبوك .. جو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ فى ثنايا النشأة وفى خلال التنظيم .

فى هذا الجو الذى تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية .. كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحائاتها .. وفى هذا الجو الذى يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب ، ويمنح أسراره ، ويشيع عطره ، ويكون فيه هدى ونور قد كانوا يومئذ يدركون حقيقة قول الله لهم :

||يمنون عليك أن أسلموا . قل : لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (الحجرات : 17) \\

وحقيقة قول الله لهم :

||يَاأَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اسْتَجöيبُوا لöلَّهö وَلöلرَّسُولö إöذَا دَعَاكُمْ لöمَا يُحْيöيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءö وَقَلْبöهö وَأَنَّهُ إöلَيْهö تُحْشَرُونَ(24) وَاتَّقُوا فöتْنَةً لَا تُصöيبَنَّ الَّذöينَ ظَلَمُوا مöنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدöيدُ الْعöقَابö(25)وَاذْكُرُوا إöذْ أَنْتُمْ قَلöيلñ مُسْتَضْعَفُونَ فöي الْأَرْضö تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بöنَصْرöهö وَرَزَقَكُمْ مöنْ الطَّيّöبَاتö لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال : 24 : 26)\\

وحقيقة قول الله لهم :

||ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون .

(آل عمران : 123)\\

وحقيقة قول الله لهم :

||وَلَا تَهöنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ(139)إöنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحñ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحñ مöثْلُهُ وَتöلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَيْنَ النَّاسö وَلöيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا وَيَتَّخöذَ مöنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحöبُّ الظَّالöمöينَ(140) وَلöيُمَحّöصَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافöرöينَ(141)أَمْ حَسöبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذöينَ جَاهَدُوا مöنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابöرöينَ(142)وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مöنْ قَبْلö أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.

(آل عمران : 139-143) \\

وحقيقة قول الله لهم :

||لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فöي مَوَاطöنَ كَثöيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إöذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنö عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بöمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبöرöينَ(25)ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكöينَتَهُ عَلَى رَسُولöهö وَعَلَى الْمُؤْمöنöينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذöينَ كَفَرُوا وَذَلöكَ جَزَاءُ الْكَافöرöينَ . (التوبة : 25 - 26 ) \\

وحقيقة قول الله لهم :

||لَتُبْلَوُنَّ فöي أَمْوَالöكُمْ وَأَنْفُسöكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مöنْ الَّذöينَ أُوتُوا الْكöتَابَ مöنْ قَبْلöكُمْ وَمöنْ الَّذöينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثöيرًا وَإöنْ تَصْبöرُوا وَتَتَّقُوا فَإöنَّ ذَلöكَ مöنْ عَزْمö الْأُمُورö . (آل عمران : 186) \\

كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم فى هذا كله ، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات فى حياتهم عاشوها ، وعن ذكريات فى نفوسهم لم تغب معالمها ، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن ، فهى تعيش فى ذات الجيل ..

والذين يعانون اليوم وغدا مثل هذه الملابسات ، هم الذين يدركون معانى القرآن وإيحاءاته ، وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامى كما جاء بها القرآن ، لأن لها رصيدا حاضرا فى مشاعرهم وفى تجاربهم ، يتلقونها به ، ويدركونها على ضوئه .. وهم قليل ..

ومن ثم لم يكن بد - وقد بعد الناس عن القرآن ببعدهم عن الحياة الواقعية فى مثل جوه - أن نقدم لهم حقائق : التصور الإسلامى عن الله والكون والحياة والإنسان من خلال النصوص القرآنية ، مصحوبة بالشرح والتوجيه ، والتجميع والتبويب ، لا ليغنى هذا غناء القرآن فى مخاطبة القلوب والعقول ، ولكن ليصل الناس بالقرآن - على قدر الإمكان - وليساعدهم على أن يتذوقوه ، ويلتمسوا فيه بأنفسهم حقائق التصور الإسلامى الكبير !

على أننا نحب أن ننبه هنا إلى حقيقة أساسية كبيرة .. إننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي ، مجرد المعرفة الثقافية ... لا نبغى إنشاء فصل فى المكتبة الإسلامية، يضاف إلى ما عرف من قبل باسم الفلسفة الإسلامية . كلا ! إننا لا نهدف إلى مجرد المعرفة الباردة ، التى تتعامل مع الأذهان ، وتحسب فى رصيد الثقافة ! إن هذا الهدف فى اعتبارنا لا يستحق عناء الجهد فيه! إنه هدف تافه رخيص ! إنما نحن نبتغى الحركة من وراء المعرفة . نبتغى أن تستحيل هذه المعرفة قوة دافعة ، لتحقيق مدلولها فى عالم الواقع . نبتغى استجاشة ضمير الإنسان لتحقيق غاية وجوده الإنسانى ، كما يرسمها هذا التصور الربانى ، نبتغى أن ترجع البشرية إلى ربها ، وإلى منهجه الذى أراده لها ، وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التى تتفق مع الكرامة التى كتبها الله للإنسان ، والتى تحققت فى فترة من فترات التاريخ ، على ضوء هذا التصور ، عندما استحال واقعا فى الأرض ، يتمثل فى أمة ، تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء .

***

ولقد وقع - فى طور من أطوار التاريخ الإسلامى - أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية ، المنبثقة من التصور الإسلامى الصحيح ، بألوان الحياة الأخرى التى وجدها الإسلام فى البلاد المفتوحة ، وفيما وراءها كذلك ، ثم بالثقافات السائدة فى تلك البلاد .

واشتغل الناس فى الرقعة الإسلامية - وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد ، واستسلموا لموجات الرخاء .. وجدت فى الوقت ذاته من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأى والمذهبية - كان بعضها فى وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين على ومعاوية - اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث الللاهوتية التى تجمعت حول المسيحية ، والتى ترجمت إلى اللغة العربية .. ونشأ عن هذا الاشتغال الذى لا يخلو من طابع الترف العقلى فى عهد العباسيين وفى الأندلس أيضا، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامى الأصيل ، التصور الذى جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات ، ومن مثل هذه الاتجاهات ، وردها إلى التصور الإسلامى الإيجابى الواقعى ، الذى يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة ، للبناء والتعمير ، والارتفاع والتطهير ، ويصون الطاقة أن تنفق فى الثرثرة كما يصون الإدراك البشرى أن يطوح به فى التيه بلا دليل .

ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لابد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك ، وهذا الانحراف ، بردود إيضاحات وجدل حول ذات الله - سبحانه - وصفاته . وحول القضاء والقدر وحول عمل الإنسان وجزائه ، وحول المعصية والتوبة .. إلى آخر المباحث التى ثار حولها الجدل فى تاريخ الفكر الإسلامى ! ووجدت الفرق المختلفة خوارج وشيعة ومرجئة ، قدرية وجبرية ، سنية ومعتزلة .. إلى آخر هذه الأسماء .

كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية - وبخاصة شروح فلسلفة أرسطو - أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه - وبالمباحث اللاهوتية- الميتافيزيقية - وظنوا أن الفكر الإسلامى لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله ، أو مظاهر أبهته وعظمته ، إلا إذا ارتدى هذا الزى - زى التفلسف والفلسفة - وكانت له فيها مؤلفات ! وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية . فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها . فحاولوا إنشاء فلسفة إسلامية كالفلسفة الإغريقية . وحاولوا إنشاء علم الكلام على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو !

وبدلا من صياغة التصور الإسلامى فى قالب ذاتى مستقل ، وفق طبيعته الكلية ، التى تخاطب الكينونة البشرية جملة ، بكل مقوماتها طاقتها ولا تخاطب الفكر البشرى وحده خطابا باردا مصبوبا فى قالب المنطق الذهنى .. بدلا من هذا فإنهم استعاروا القالب الفلسفى ليصبوا فيه التصور الإسلامى ، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها ، وحاولوا أن يوفقوا بينها وبين التصور الإسلامى أما المصطلحات فقد كادت تكون كلها مستعارة !

ولما كانت هناك جفوة أصلية بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة ، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة ، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التى تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية.. فقد بدت الفلسفة الإسلامية - كما سميت - نشازا كاملا فى لحن العقيدة المتناسق ! ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير ، شاب صفاء التصور الإسلامى، وصغر مساحته ، وأصابه بالسطحية .

ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط . مما جعل تلك الفلسفة الإسلامية ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام . وطبيعته وحقيقته ومنهجه ، وأسلوبة !

وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة - على الأقل ! - سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى الفلسفة الإسلامية أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة .. ولكنى أقرره ، وأنا على يقين جازم بأن التصور الإسلامى لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ ، إلا حين نلقى عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم الفلسفة الإسلامية وبكل مباحث علم الكلام وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة فى شتى العصور أيضا ! ثم نعود إلى القرآن الكريم ، نستمد منه مباشرة مقومات التصور الإسلامى ، مع بيان خصائصه التى تفرده من بين سائر التصورات ، ولا بأس من بعض الموازنات - التى توضح هذه الخصائص - مع التصورات الأخرى - أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقى من القرآن مباشرة ، وتصاغ صياغة مستقلة .. تماما .

ولعله مما يحتم هذا المنهج الذى أشرنا إليه أن ندرك ثلاث حقائق هامة :

||الأولى : \\

أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامى من مخلفات الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحى ، وكان له أثر فى توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه ، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية ، منقولة نقلا مشوها مضطربا فى لغة سقيمة . مما ينشأ عنه اضطراب كثير فى نقل هذه الشروح !

||الثانية: \\

أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامى كانت تنم عن سذاجة كبيرة ، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية ، وعناصرها الوثنية العميقة ، وعدم استقامتها على نظام فكرى واحد ، وأساس منهجى واحد .. مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة .. فالفلسفة الإغريقية نشأت فى وسط وثنى مشحون بالأساطير ، واستمدت جذورها من هذه الوثنية ومن هذه الأساطير ، ولم تخل من العناصر الوثنية الأسطورية قط ، فمن السذاجة والعبث - كان - محاولة التوفيق بينها وبين التصور الإسلامى القائم على أساس التوحيد المطلق العميق التجريد .. ولكن المشتغلين بالفلسفة والجدل من المسلمين ، فهموا - خطأ - تحت تأثير ما نقل إليهم من الشروح المتأخرة المتأثرة بالمسيحية أن الحكماء - وهم فلاسفة الإغريق - لا يمكن أن يكونوا وثنين ، ولا يمكن أن يحيدوا عن التوحيد ! ومن ثم التزموا عمليه توفيق متعسفة بين كلام الحكماء وبين العقيدة الإسلامية . ومن هذه المحاولة كان ما يسمى الفلسفة الإسلامية !

||الثالثة: \\

أن المشكلات الواقعية فى العالم الإسلامى - تلك التى أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان - رضى الله عنه - قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية ، وبالأفهام والمفهومات انحرافا شديدا . فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة ، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية ، بحثا مغرضا فى الغالب ومن ثم لم تعد تلك المصادر - فى ظل تلك الخلافات - تصلح أساسا للتفكير الإسلامى الخالص ، الذى ينبغى أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآنى الثابت ، فى جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية ، ومن ثم يحسن عزل ذلك التراث جملة ! عن مفهومنا الأصيل للإسلام ، ودراسته دراسة تاريخية بحتة ، لبيان زوايا الانحراف فيه ، وأسباب هذا الانحراف ، وتجنب نظائرها فيما نصوغه اليوم من مفهوم التصور الإسلامى ومن أوضاع وأشكال ومقومات النظام الإسلامى أيضا ..

***

ولقد سارت مناهج الفكر الغربى فى طريقها الخاص ، مستمدة ابتداء من الفكر الإغريقى وما فيه من لوثة الوثنية ، ثم مستمدة أخيرا من عدائها للكنيسة ، وللتفكير الكنسى فى الغالب !

وكان الطابع العام لهذا الفكر منذ عصر النهضة ، وهو معارضة الكنيسة الكاثوليكية وتصوراتها - ثم فيما بعد - معارضة الكنيسة إطلاقا ، ومعارضة التصور الدينى جملة .. والتصورات الكنسية - بصفة عامة - لم تكن فى يوم من الأيام تمثل النصرانية الحقيقية . فإن الملابسات التى صاحبت نشأة النصرانية فى ظل الدولة الرومانية الوثنية . ثم التى صاحبت دخول الدولة الرومانية فى النصرانية قد جنت على النصرانية الحقة جناية كبرى ، وحرفتها تحريفا شديدا ، حرفتها ابتداء بما أدخلت فيها من رواسب الوثنية الرومانية ، ثم بما أضافته الكنيسة والمجامع بعد ذلك من التأويلات والإضافات التى ضمت - مع الأسف - إلى الأصل الإلهى فى النصرانية ، لمجاراة الأحداث السياسية ،والاختلافات المذهبية، ولمحاولة تجميع المذاهب وتجميع القطاعات المتعارضة فى الدولة الرومانية فى مذهب واحد يرضى عنه الجميع (1) ! مما جعل النصرانية !مما جعل النصرانية تعبيرا عن التصور الكنسى أكثر مما هى تعبير عن الديانة النصرانية المنزلة من عند الله .

ثم كان من جراء احتضان الكنيسة لهذه التصورات المنحرفة ، ومن جراء احتضانها كذلك لكثير من المعلومات الخاطئة أو الناقصة عن الكون - مما هو من شأن البحوث والدراسات والتجارب البشرية - أن وقفت موقفا عدائيا خشنا من العلماء الطبيعين حين قاموا يصححون هذه المعلومات البشرية الخاطئة أو الناقصة ، ولم تكتف بالهجوم الفكرى عليهم ، بل استخدمت سلطانهم المادى ببشاعة فى التنكيل بكل المخالفين لتوراتها الدينية والعلمية على السواء !

ومنذ ذلك التاريخ ، وإلى اليوم اتخذ الفكر الأوربى موقفا عدائيا لا من الأفكار والتصورات الكنسية التى كانت سائدة يومذاك ، بل من الأفكار والتصورات الدينية على الإطلاق ، بل تجاوز العداء الأفكار والتصورات الدينية إلى منهج التفكير الدينى بجملته ! واتجه الفكر الأوربى إلى ابتداع مناهج ومذاهب للتفكير ، الغرض الأساسى منها هو معارضة منهج الفكر الدينى ، والتخلص من سلطان الكنيسة ، بالتخلص من إله الكنيسة ! ومن كل ما يتعلق به من أفكار ومن مناهج للتفكير أيضا وكمن العداء للدين وللمنهج الدينى ، لا فى الموضوعات والفلسفات والمذاهب التى أنشأها الفكر الأوربى ، بل فى صميم هذا الفكر ، وفى صميم المناهج التى يتخذها للمعرفة .

ومن ثم لم يعد من نتاج الفكر الأوربى ، ولا مناهج التفكير الأوربية تصلح لأن تتخذ أساسا للفكر الإسلامى ، ولا لتجديد هذا الفكر - كما يعبر بعض المفكرين المسلمين أنفسهم .. وسيرى قارئ هذا البحث - بعد الفراغ منه - أنه لا سبيل لاستعارة مناهج الفكر الغربى ، ولا استعارة نتاج هذا الفكر الذى قام على أساس هذه المناهج ، للفكر الإسلامى !

***

منهجنا إذن فى هذا البحث عن : خصائص التصور الإسلامى ومقوماته أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة - بعد الحياة فى ظلال القرآن طويلا - وأن نستحضر - بقدر الإمكان - الجو الذى تنزلت فيه كلمات الله للبشر ، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التى كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدى ، ثم التيه الذى ضلت فيه بعد انحرافها عد الهدى الإلهى !

ومنهجنا فى استلهام القرآن الكريم ، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا ، لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية - من رواسب الثقافات التى لم نستقها من القرآن ذاته - نحاكم إليها نصوصه ، أو نستلهم معانى هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة .

لقد جاء النص القرآنى - ابتداء - لينشئ المقررات الصحيحة التى يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر ، وأن تقوم عليها حياتهم ، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلى الكبير ، وهذه الرعاية من الله ذى الجلال - وهو الغنى عن العالمين - أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل ، ليقوم تصورهم الجديد نظيفا من كل رواسب الجاهليات - قديمها وحديثها على السواء - مستمدا من تعليم الله وحده ، لا من ظنون البشر ، التى لا تغنى من الحق شيئا!

ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى ، إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء ، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا ! وهذا - وحده - هو المنهج الصحيح ، فى مواجهة القرآن الكريم ، وفى استلهامه خصائص التصور الإسلامى ومقوماته .

***

ثم إننا لا نحاول استعارة القالب الفلسفى فى عرض حقائق التصور الإسلامى اقتناعا منا بأن هناك ارتباطا وثيقا بين طبيعة الموضوع وطبيعة القالب وأن الموضوع يتأثر بالقالب ، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه ، إذا عرض فى قالب ، فى طبيعته وفى تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته ! الأمر المتحقق فى موضوع التصور الإسلامى والقلب الفلسفى . والذى يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور كما هى فى النص القرآنى !

نحن نخالف إقبال فى محاولته صياغة التصور الإسلامى فى قالب فلسفى ، مستعار من القوالب المعروفة عند هيجل من العقليين المثاليين وعند أوجست كونت من الوضعيين الحسيين .

إن العقيدة - إطلاقا - والعقيدة الإسلامية - بوجه خاص - تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص ، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء . والإيحاء بالحقائق الكبيرة ، التى لا تتمثل كلها فى العبارة ، ولكن توحى بها العبارة ، كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها . ولا يخاطب الفكر وحده فى الكائن البشرى .. أما الفلسفة فلها أسلوب آخر . إذ هى تحاول أن تحصر الحقيقة فى العبارة . ولما كان نوع الحقائق التى تتصدى لها يستحيل أن ينحصر فى منطوق العبارة - فضلا عن أن جوانب أساسية من هذه الحقائق هى بطبيعتها أكبر من المجال الذى يعمل فيه الفكر البشرى (1) - فإن الفلسفة تنتهى حتما إلى التعقيد والتخليط والجفاف ، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة ž!

ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر فى الحياة البشرية العامة ، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئا مما دفعتها العقيدة ، التى تقدمت البشرية على حدائها فى تيه الزمن ، وظلام الطريق .

لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة ، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها ، ويطفئ إشعاعها وإيجاءها ، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة .

ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف فى كل المباحث لتى تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها ، وفى هذا القالب الذى يضيق عنها .

ولسنا حريصين على أن تكون هناك فلسفة الإسلاميةž ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل فى الفكر الإسلامى ، ولا أن يوجد هذا القالب فى قوالب الأداء الإسلامية ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئا فى نظرنا ، ولا ينقص الفكر الإسلامى بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه !

***

وكلمة أخرى فى المنهج الذى نتوخاه فى هذا البحث أيضا ..

إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا معينا من انحرافات الفكر الإسلامى ، أو الواقع الإسلامى ، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله . بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلى لنا فيما نبذله من جهد فى تقرير

( خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ) .. إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور- فى ذاتها - كما جاء بها القرآن الكريم ، كاملة شاملة ، متوازنة متناسقة تناسق هذا الكون وتوازنه ، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها .

ذلك أن استحضار انحراف معين ، أو نقص معين ، والاستغراق فى دفعه ، وصياغة حقائق التصور الإسلامى للرد عليه .. منهج شديد الخطر ، وله معقباته فى إنشاء انحراف جديد فى التصور الإسلام لدفع انحراف قديم .. والانحراف انحراف على كل حال ! ! !

ونحن نجد نماذج من هذا الخطر فى البحوث التى تكتب بقصد الدفاع عن الإسلام فى وجه المهاجمين له ، الطاعنين فيه ، من المستشرقين والملحدين قديما وحديثا ، كما نجد نماذج منه في البحوث التي تكتب للرد على انحراف معين ، فى بيئة معينة ، فى زمان معين !

يتعمد بعض الصليبيين والصهيونيين مثلا أن يتهم الإسلام بأنه دين السيف ، وأنه انتشر بحد السيف .. فيقوم منا مدافعون عن الإسلام يدفعون عنه هذا الاتهام! وبينما هم مشتطون فى حماسة الدفاع يسقطون قيمة الجهاد فى الإسلام، ويضيقون نطاقه ويعتذرون عن كل حركة من حركاته، بأنها كانت لمجرد الدفاع ! - بمعناه الاصطلاحي الحاضر الضيق ! - وينسون أن للإسلام- بوصفه المنهج الإلهى الأخير للبشرية - حقه الأصيل فى أن يقيم نظامه الخاص فى الأرض ، لتستمتع البشرية كلها بخيرات هذا النظام .. ويستمتع كل فرد - فى داخل هذا النظام - بحرية العقيدة التى يختارها ، حيث لا إكراه فى الدين من ناحية العقيدة .. أما إقامة النظام الإسلامى ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها ، فتقتضى الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته ، وترك الناس أحرارا فى عقائدهم الخاصة فى نطاقه . ولا يتم ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل من يفكر فى الاعتداء على حرية الدعوة وحرية الاعتقاد فى الأرض !

وليس هذا إلا نموذجا واحدا من التشويه للتصور الإسلامى ، فى حماسه الدفاع عنه ضد هجوم ماكر ، على جانب من جوانبه !

أما البحوث التى كتبت للرد على انحراف معين ، فأنشأت هى بدورها انحرافا ، فأقرب ما نتمثل به فى هذا الخصوص ، توجيهات الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ومحاضرات إقبال فى موضوع تحديد الفكر الدينى فى الإسلام(1) .

لقد واجه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، بيئة فكرية جامدة ، أغلقت باب الاجتهاد وأنكرت على العقل دوره فى فهم شريعة الله واستنباط الأحكام منها ، واكتفت بالكتب التى ألفها المتأخرون فى عصور الجمود العقلى وهى - فى الوقت ذاته - تعتمد على الخرافات والتصورات الدينية العامية! كما واجه فترة كان العقل فيها يعبد فى أوربا ويتخذه أهلها إلها ، وخاصة بعد الفتوحات العلمية التى حصل فيها العلم على انتصارات عظيمة ، وبعد فترة كذلك من سيادة الفلسفة العقلية التى تؤله العقل ! وذلك مع هجوم من المستشرقين على التصور الإسلامى ، وعقيدة القضاء والقدر فيه ، وتعطيل العقل البشرى والجهد البشرى عن الإيجابية فى الحياة بسبب هذه العقيدة .. الخ . فلما أراد أن يواجه هذه البيئة الخاصة ، بإثبات قيمة العقل تجاه النص . وإحياء فكرة الاجتهاد ومحاربة الخرافة والجهل والعامية فى الفكر الإسلامى . . ثم إثبات أن الإسلام جعل للعقل قيمته وعمله فى الدين والحياة ، وليس - كما يزعم الإفرنج أنه قضى على المسلمين بالجبر المطلق وفقدان الاختيار .. لما أراد أن يواجه الجمود العقلى فى الشرق ، والفتنة بالعقل فى الغرب ، جعل العقل البشرى ندا للوحى فى هداية الإنسان ، ولم يقف به عند أن يكون جهازا - من أجهزة - فى الكائن البشرى ، يتلقى الوحى ، ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجئ به الوحى . ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه ، ويسلم بما هو فوق إدراكه ، بما أنه - هو والكينونة الإنسانية بجملتها - غير كلى ولا مطلق ، ومحدود بحدود الزمان والمكان ، بينما الوحى يتناول حقائق مطلقة فى بعض الأحيان كحقيقة الألوهية ، وكيفية تعلق الإرادة الإلهية بخلق الحوادث .. وليس على العقل إلا التسليم بهذه الكليات المطلقة، التى لا سبيل له إلى إدراكها (1) !…وساق حجة تبدو منطقية ، ولكنها من فعل الرغبة فى تقويم ذلك الانحراف البيئى الخاص الذى يحتقر العقل ويهمل دوره .. قال رحمه الله فى رسالة التوحيد:

فالوحى بالرسالة الإلهية أثر من أثار الله .. والعقل الإنسانى أثر أيضا من أثار الله فى الوجود ، وأثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض ، ولا يعارض بعضها بعضا .

وهذا صحيح فى عمومه .. ولكن يبقى أن الوحى والعقل ليسا ندين . فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل . وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذى يرجع إليها الآخر .

والميزان الذى يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته ، ويصحح به اختلالاته وانحرافاته . فبينهما - ولا شك - توافق وانسجام ، ولكن على هذا الأساس . لا على أساس أنهما ندان متعادلان ، وكفو أحدهما تماما للآخر ! فضلا على أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له فى دنيا الواقع، وإنما هو مثال !

وقد تأثر تفسير الأستاذ الإمام لجزء عم بهذه النظرة تأثرا واضحا . وتفسير تلميذه المرحوم الشيخ رشيد رضا وتفسير تلميذه الشيخ المغربى لجزء تبارك حتى صرح مرات بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل ! وهو مبدأ خطر . فإطلاق كلمة العقل يرد الأمر إلى شئ غير واقعى ! - كما قلنا - فهناك عقلى وعقلك وعقل فلان وعقل علان .. وليس هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآن إلى مقرراته . وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة ، فإننا ننتهى إلى فوضى !

وقد نشأ هذا كله من الاستغراق فى مواجهة انحراف معين .. ولو أخذ الأمر - فى ذاته - لعرف للعقل مكانه ومجال عمله بدون غلو ولا إفراط ، وبدون تقصير ولا تفريط كذلك وعرف للوحي مجاله . وحفظت النسبة بينهما فى مكانها الصحيح ..

إن العقل ليس منفيا ولا مطرودا ولا مهملا فى مجال التلقى عن الوحى ، وفهم ما يتلقى وإدراك ما من شأنه أن يدركه ، مع التسليم بما هو خارج عن مجاله ، ولكنه كذلك ليس هو الحكم الأخير . وما دام النص محكما ، فالمدلول الصريح للنص من غير تأويل هو الحكم ، وعلى العقل أن يتلقى مقرراته هو من مدلول هذا النص الصريح . ويقيم منهجه على أساسه (وفى صلب هذا البحث تفصيل واف للحد المأمون والمنهج الإسلامى المستقيم) .

ولقد واجه إقبال فى العالم الشرقى بيئة فكرية تائهة ! فى غيبوبة إشراقات التصوف العجمى كما يسميه ! .. فراعه هذا الفناء الذى لا وجود فيه للذاتية الإنسانية . كما راعته السلبية التى لا عمل معها للإنسان ولا أثر فى هذه الأرض - وليس هذا هو الإسلام بطبيعة الحال - كما واجه من ناحية التفكير الحسى فى المذهب الوضعى ، ومذهب التجريبيين فى العالم الغربى ، كذلك واجه ما أعلنه نيتشه فى هكذا قال زرادشت عن مولد الإنسان الأعلى السوبرمتان وموت الإله ! وذلك فى تخبطات الصرع التى كتبها نيتشه وسماها بعضهم فلسفة !

وأراد أن ينفض عن الفكر الإسلامى وعن الحياة الإسلامية ذلك الضياع والفناء والسلبية ، كما أراد أن يثبت للفكر الإسلام واقعية التجربة التى يعتمد عليها المذهب التجريبى ثم المذهب الوضعى !

ولكن النتيجة كانت جموحا فى إبراز الذاتية الإنسانية ، اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلا تأباه طبيعتها ، كما تأباه طبيعة التصور الإسلامى . لإثبات أن الموت ليس نهاية للتجربة ولا حتى القيامة ، فالتجربة والنمو فى الذات الإنسانية مستمران أيضا - عند إقبال - بعد الجنة والنار . مع أن التصور الإسلامى حاسم فى أن الدنيا دار ابتلاء وعمل ، وأن الآخرة دار حساب وجزاء ، وليست هنالك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا فى هذه الدار ، كما أنه لا مجال لعمل جديد فى الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء .. لكن هذا الغلو إنما جاء من الرغبة الجارفة فى إثبات وجود الذاتية ، واستمرارها ، أو الِأنا كما استعار إقبال اصطلاحات هيجل الفلسفية .

ومن ناحية أخرى اضطر إلى إعطاء اصطلاح التجربة مدلولا أوسع مما هو فى الفكر الغربىوفى تاريخ هذا الفكر . لكى يمد مجاله إلى التجربة الروحية التى يزاولها المسلم ويتذوق بها الحقيقة الكبرى فالتجربة بمعناها الاصطلاحى الفلسفى الغربى ، لا يمكن أن تشمل الجانب الروحى أصلا ! لأنها نشأت ابتداء لنبذ كل وسائل المعرفة التى لا تعتمد على التجربة الحسية .

ومحاولة استعارة الاصطلاح الغربى ، هى التى قادت إلى هذه المحاولة . التى يتضح فيها الشد والجذب والجفاف أيضا ، حتى مع شاعرية إقبال الحية المتحركة الرفافة !

ولست أبتغى أن أنقص من قدر تلك الجهود العظيمة المثمرة فى إحياء الفكر الإسلامى وإنهاضه التى بذلها الأستاذ الإمام وتلاميذه ، والتى بذلها إقبال .. رحمهم الله رحمة واسعة .. وإنما فقط التنبيه إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين ، قد تنشئ هى انحرافا آخر ، وأن الأولى فى منهج البحث الإسلامى ، هو عرض حقائق التصور الإسلامى فى تكاملها الشامل ، وفى تناسقها الهادئ ، ووفق طبيعتها الخاصة وأسلوبها الخاص .

***

وأخيرا فإن هذا البحث ليس كتابا فى الفلسفة ولا كتابا فى اللاهوت ولا كتابا فى الميتافيزيقا .. إنه عمل يمليه الواقع . وهو يخاطب الواقع أيضا ..

لقد جاء الإسلام لينقذ البشرية كلها من الركام الذى كان ينوء بأفكارها وحياتها ويثقلها . ومن التيه الذى كانت أفكارها وحياتها شاردة فيه .. ولينشئ لها تصورا خاصا متميزا متفردا . . وحياة أخرى تسير وفق منهج الله القويم .. فإذا بالبشرية كلها اليوم ترتكس إلى التيه وإلى الركام الكريه !

ولقد جاء الإسلام لينشئ أمة ، يسلمها قيادة البشرية ، لتنأى بها عن التيه وعن الركام .. فإذا هذه الأمة اليوم تترك مكان القيادة ، وتترك منهج القيادة ، وتلهث وراء الأمم الضاربة فى التيه ، وفى الركام الكريه !

هذا الكتاب محاولة لتحديد خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ، التى ينبثق منها منهج الحياة الواقعى - كما أراده الله - ودستور النشاط الفكرى والعلمى والفنى ، الذى لابد أن يستمد من التفسير الشامل الذى يقدمه ذلك التصور الأصيل . وكل بحث فى جانب من جوانب الفكرة الإسلامية أو النظام الإسلامى ، لابد له من أن يرتكن أولا إلى فكرة الإسلام .

والحاجة إلى جلاء تلك الفكرة هى حاجة العقل والقلب . وحاجة الحياة والواقع . وحاجة الأمة المسلمة والبشرية كلها على السواء .

وهذا القسم الأول من البحث يتناول خصائص التصور الإسلامى وسيتناول القسم الثانى : مقومات التصور الإسلامى {والله الموفق والهادى والمعين}

[1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في التاريخ... فكرة ومنهاج 

الإسلام ومشكلات الحضارة 

أفراح الروح 

معالم في الطريق 

هذا الدين 

خصائص التصور الإسلامي 

المستقبل لهذا الدين 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca