||وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون\\
والخاصية الخامسة البارزة فى التصور الإسلامى هى .. الإيجابية .. الإيجابية الفاعلة فى علاقة الله – سبحانه – بالكون والحياة و الإنسان . والإيجابية الفاعلة كذلك من ناحية الإنسان ذاته . فى حدود المجل الإنسانى .. كما أشرنا إلى ذلك من قبل إشارات مجملة ..
إن الصفات الإلهية فى التصور الإسلامى ليست صفات سلبية . والكمال الإلهى ليس فى الصورة السلبية التى جالت فى تصور أرسطو . وليست مقصورة على بعض جوانب الخلق والتدبير كما تصور الفرس فى صفات هرمز إله النور والخير واختصاصاته وصفات أهرمان إله الظلام والشر واختصاصاته . وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين . وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين . وليست محدودة بحدود شعب كتصورات بنى إسرائيل ، وليست مختلطة أو متلبسة بإرادة كينونة أخرى ، كبعض تصورات الفرق المسيحية . وليست معدومة على الإطلاق ، كما تقول المذاهب المادية التى تنفى وجود الإله الحى المريد .. إلى آخر هذا الركام ..
ولعله يحسن قبل أن نعرض التصور الإسلامى الواضح الصريح المريح، أن نثبت مجملا سريعا لهذه التصورات التى أشرنا إليها . أو أشرنا إلى شئ منه فى أوائل هذا الكتاب وفى ثناياه :
مذهب أرسطو فى الإله أنه كائن أزلى أبدى ، مطلق الكمال ، لا أول له ولا آخر ، ولا عمل له ولا إرادة ! منذ كان العمل طلبا لشئ . والله غنى عن كل طلب .
وقد كانت الإرادة اختيارا بين أمرين ، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال ، فلا حاجة إلى الاختيار بين صالح وغير صالح ، ولا بين فاضل ومفضول وليس مما يناسب الإله – فى رأى أرسطو – أن يبتدئ العمل فى زمان ، لأنه أبدى سرمدى ، لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل ، ولا يستجد عليه من جديد فى وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ، ولا جديد ولا قديم . وكل ما يناسب كمال فهو السعادة بنعمة بقائه ، التى لا بغية وراءها ، ولا نعمة فوقها ولا دونها ، ولا تخرج من نطاقها عناية تعنيه !
فالإله الكامل المطلق الكمال ،لا يعنيه أن يخق العالم ، أو يخلق مادته الأولى – وهى الهيولى – ولكن هذه الهيولى قابلة للوجود ، يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود ، الذى يفيض عليها من قبل الإله ، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود ، ثم يدفعها من النقص إلى الكال المستطاع فى حدودها ، فتتحرك وتعمل ، بما فيها من الشوق والقابلية ، ولا يقال عنها : إنها من خلقة الله عل هذا الاعتبار (1) .
والفرس كانوا يعتقدون بالثنوية ، ويجعلون للخير إلها هو هرمز . قدرته واختصاصه مقصوران على عالم النور والخير . ويجعلون للشر إلها هو أهرمان قدرته واختصاصه مقصوران على عالم الظلام والشر . وهما أخوان مولودان لإله قديم اسمه زروان !
وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام كانتا قبل الخليقة منفصلتين ، وأن هرمز طفق فى مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة ، وأهرمان غافل عنه فى قراره السحيق . فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه ، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه ، فأشفق على نفسه من العاقبة ، وعلم أن النور وشيك أن ينتشر ويستفيض ، فلا يترك له ملاذا يعتصم به ، ويضمن فيه البقاء . فثار ، وثارت معه خلائق الظلام – وهى شياطين الشر والفساد – فأحبطت سعى هرمز ! وملأت الكون بالخبائث والأرزاء(1) .. الخ … (واحتدمت المعركة وما تزال) .
أما أفلوطين الذى عاش فى السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد .. لإغنه يغلو فيما يراه تنزيها لإلهه الأحد ، حتى يتجاوز كل معقول . فإذا كان أرسطو يرى أن من كمال إليهة ألا يشعر بغير ذاته ، وألا يفكر إلا فى ذاته لا يفكر إلا فى أشرف الموجودات وذاتيه هي أشرف الموجودات وأنه لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها .. إذا كان تنزيه أرسطو لإلهه وقف به عند هذا الحد ، فإن أفلوطين راح يزعم أن من كمال إلهه الأحد أنه لا يشعر بذاته كذلك ž لأنه يتنزه عن ذلك الشعور .
وبديه أن المذهب يقتضى وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله الأحد المطلق الصفاء ، وبين المخلوقات العلوية ، وهذه المخلوقات السلفية . و لا سيما خلائق الحيوان المركب فى الأجساد .
وهكذا لزم أفلوطين أن يقول : إن الواحد خلق العقل . وإن العقل خلق الروح . وإن الروح خلقت ما دونها من الموجودات . على الترتيب الذى ينحدر طور دون طور ، إلى عالم الهيولى ، أو عالم المادة والفساد ! (2) .
ومن ثم ينحصر اختصاص الإله – عند أفلوطين – فى خلق العقل .. ثم تنتهى مهمته عند ذاك!
أما إله بنى إسرائيل يهوا – كما ترسمه تصوراتهم المنحرفة – فهو إله إسرائيل الخاص ! الذى يغار من عبادة شعب إسرائيل للآلهة الغريبة ، فيثور ويغضب ويحطم وينتقم . حتى إذا عاد الشعب إليه رضى واستراح . وكف عن النقمة والتدمير . وندم على ما فعل بشعبه المختار !
والتصورات الكنسية عن طبيعة المسيح وإرادته ، وتلبسهما باللاهوتية ، سبق أن أشرنا إليها فى فصل تيه وركام ، وهى تجعل إرادة الله متلبسة أو متجسمة فى إرادة المسيح . إلى أخر هذا الركام (1) !
وكذلك أشرنا إلى تصورات الوصعيين الماديين المختلفة بما فيه الكفاية . فيرجع إليها هناك(2) .
والآن ننتقل من هذا الركام المتناثر إلى التصور الإسلامى المستقيم الواضح المريح : إن الإنسان – فى التصور الإسلامى – يتعامل مع إله موجود . خالق . مريد . مدبر . مهيمن . قادر . فعال لما يريد .. كامل الإيجابية والفاعلية .. إليه يرجع الأمر كله . وإلى إرادته يرجع خلق هذا الكون ابتداء ، وكل انبثاقة فيه بعد ذلك ، وكل حركة . وكل تغير وكل تطور . ولا يتم فى هذا الكون شئ إلا بإرادته وعلمه وتدبيره لكل عبد من عباده ، ، فى كل حال من أحواله ولكل حى ولكل شئ وفى هذا الوجود كذلك .
ويحف القرآن الكريم بتقرير هذه الحقيقة الأساسية الكبيرة فى التصور الإسلامى ، بكل صورها وأشكالها ، ويهتم بعرض مظاهرها فى كل جانب من جوانب الكون ، وفى كل صورة من صورها المتجددة التى لا تحصى :
إن ربكم الله الذى خلق السماوات و الأرض فى ستة أيام ، ثم استوى على العرش ، يُغشى الليل النهار يطلبه حثيثا ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، ألا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .
(الأعراف : 54)
وما كان الله ليعجزه من شئ فى السماوات ولا فى الأرض ، إنه كان عليما قديرا .
(فاطر : 44)
قُلْ اللَّهُمَّ مَالöكَ الْمُلْكö تُؤْتöي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزöعُ الْمُلْكَ مöمَّنْ تَشَاءُ وَتُعöزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذöلُّ مَنْ تَشَاءُ بöيَدöكَ الْخَيْرُ إöنَّكَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ(26)تُولöجُ اللَّيْلَ فöي النَّهَارö وَتُولöجُ النَّهَارَ فöي اللَّيْلö وَتُخْرöجُ الْحَيَّ مöنْ الْمَيّöتö وَتُخْرöجُ الْمَيّöتَ مöنْ الْحَيّö وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بöغَيْرö حöسَابٍ .
(آل عمران : 26-27)
وهو القاهر فوق عباده ، وهو الحكيم الخبير .
(الأنعام : 18)
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمöلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغöيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عöنْدَهُ بöمöقْدَارٍ(8) عَالöمُ الْغَيْبö وَالشَّهَادَةö الْكَبöيرُ الْمُتَعَالöي(9)سَوَاءñ مöنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بöهö وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بöاللَّيْلö وَسَارöبñ بöالنَّهَارö(10)لَهُ مُعَقّöبَاتñ مöنْ بَيْنö يَدَيْهö وَمöنْ خَلْفöهö يَحْفَظُونَهُ مöنْ أَمْرö اللَّهö إöنَّ اللَّهَ لَا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنفُسöهöمْ وَإöذَا أَرَادَ اللَّهُ بöقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مöنْ دُونöهö مöنْ وَالٍ(11)هُوَ الَّذöي يُرöيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشöئُ السَّحَابَ الثّöقَالَ(12) وَيُسَبّöحُ الرَّعْدُ بöحَمْدöهö وَالْمَلَائöكَةُ مöنْ خöيفَتöهö وَيُرْسöلُ الصَّوَاعöقَ فَيُصöيبُ بöهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادöلُونَ فöي اللَّهö وَهُوَ شَدöيدُ الْمöحَالö… .
(الرعد : 8-13)
يمحو الله ما يشاء ويثبت ، وعنده أم الكتاب .
(الرعد : 39)
وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ، وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير .
(الأنعام : 17)
لله ملك السماوات و الأرض ، يخلق ما يشاء ، يهب لمن يشاء إناثا ، ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ، ويجعل من يشاء عقيما.
(الشورى : 49-50)
الله يتوفى الأنفس حين موتها ، والتى لم تمت فى منامها ، فيمسك التى قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .
(الزمر : 42)
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر من ذلك إلا هو معهم أينما كانوا . ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة . إن الله بكل شئ عليم .
(المجادلة : 7)
واستقرار هذه الحقيقة فى ضمير الإنسان وفى حياته ، يتوقف عليه كل شئ فى أمر العقيدة . كما أنه هو الذى يمد الحياة البشرية بكافة المشاعر الأخلاقية . بواعثها وموازينها، والسلطان القائم عليها (وسيأتى تفصيل ذلك عند الكلام عن حقيقة الألوهية فى القسم الثانى من هذا الكتاب) .
إن هذه الإيجابية في علاقة الله – سبحانه – بخلائقه كلها ، هى مفرق الطرق بين العقيدة الجدية المؤثرة ، والعقيدة الصورية السلبية ، وشمول هذه الإيجابية وتوحدها ، هو مفرق الطريق كذلك، بين التجمع قي الكينونة الإنسانية والنشاط الإنسانى ، والتمزق في هذه الكينونة ونشاطها الحيوى .
وتصور الإنسان لإلهه ، وتعلق صفاته بالحياة الإنسانية ، هو الذي يحدد قيمة هذا الإله في نفسه ، كما يحدد نوع استجابته لهذا الإله !
وفرق كبير بين الذى يتصور أن إلهة لا يحفل به ، ولا يحس بوجوده – أولاً يعلم بوجوده أصلاً كما يقول بعض الفلاسفة ! – والإنسان الذي يحس ويعلم أن الله هو خالقه ورازقه ، ومالك أمره كله في الدنيا والآخرة ..
وفرق كذلك بين الذى يتعامل مع إلهين متنازعين – كما يقول الفرس - - أو مع آلهة متفرقة كما تقول الوثنيات الأخرى ، والذى يتعامل مع إله واحد . له إرادة واحدة ، ومنهج واحد . يعلم عباده على وجه الضبط والتحديد ما يريده منهم فيرضى ، وما يكرهه منهم فيسخط!
وفرق كذلك بين الذى يتعامل مع إله شهوانى . متعجرف . ظالم . متهور . متقلب الأهواء كإله الإغريق – بزعمهم - : زيوس أو جوبيتير الذى كانوا يصورونه حقوداً . لدوداً . مشغولاً بشهوات الطعام والغرام . لا يبالى من شؤون الأرباب والمخلوقات ما يعينه على حفظ سلطانه ، والتمادى في طغيانه . وكان يغضب على اسقولاب إله الطب – بزعمهم – لأنه يداوى المرضى ، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية ! وكان يغضب على برومثيوس إله المعرفة والصناعة –بزعمهم- لأنه يعلم الإنسان أن يستخدم النار في الصناعة ، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب . وقد حكم عليه بالعقاب الدائم ، فلم يقنع بموته ، ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة ، بل تفنن في اختراع ألوان عذاب له . فقيده إلى جبل سحيق ، وأرسل عليه جوارح الطير إلى تنهش كبده طوال النهار ، حتى إذا جاء الليل عادت سليمة في بدنه ، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء(1) ... وانه كان يخادع زوجته هيرة ويرسل إله الغمام – بزعمهم – لمدارة الشمس في مطلعها ، حذراً من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار ، ومفاجأته بين عشيقاته على عرش الأوليمب(2) ..
فرق بين الذى يتعامل مع إله كهذا ويستمد منه أخلاقه ، والذى يتعامل مع الله العادل ، الكريم ، الرحيم الذى يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وينهى عن السوء . ويحب التوابين ويحب المتطهرين .. وأخيراً فارق هائل بين الإنسان الذي يظن أن إلهه هو الطبيعة الخرساء الصماء ، التى تطالبه بعقيدة ولا شعيرة ، ولا منهج ولا نظام حياة ، ولا خلق ولا أدب ، ولا ضمير ولا سلوك. ولا تحس بوجوده أصلاً . وليس لها هى إدراك ابتداء . ومن ثم فهي لا تحس ولا تعى ، ولا تدرى بخير أو شر . ولا تحاسب –من ثم – على خير أو شر .. والإنسان الذي يعرف أن إلهه الله الحى الذيى لا يموت . الصمد المقصود في الحاجات . الرقيب الذى لا يغفل . الحسيب الذى لا ينسى. العادل الذى لا يظلم . الرحيم الذى يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء .. إلى آخر صفات الله واسمائه الحسنى..
إن الأمر مختلف جداً . ومن ثم هذه القيمة الكبرى لهذه الخاصية في التصور الإسلامي .. ولقد عنى الإسلام عناية بالغة بتقرير هذه الحقيقة في تصور المسلمين وتوكيدها . وتقرير وجود الله سبحانه في حياتهم وتوسيعه وتعميقه .. وكانت حياة الجماعة المسلمة الأولى في ظلال الوحى المتلاحق ، المتعلق بواقع حياتهم ، وبما يهجس كذلك في ضمائرهم ، مثلاً حياً ، وترجمة عملية ، لهذه الحقيقة.. فقد رأينا يد الله – سبحانه – تتدخل جهرة ، وعينه تلحظ ، وسمعه يرعى ، أحوالهم اليومية وأعمالهم الشخصية ، وحياتهم الفردية والجماعية .
لقد شهدنا العناية الإلهية تتدخل علانية في شأن أسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضية بين إمرأة وزوجها . حين لم يجد الرسول –صلى الله عليه وسلم – فيها رأياً :
قد سمع الله قول التى تجادلك في زوجها وتشتكى إلى الله . والله يسمع تحاوركما . إن الله سميع بصير …الخ
(المجادلة:1)
كما شهدنا في شأن الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم ، مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فى هذه الصورة الرائعة :
عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى . أما من استغنى فأنت له تصدى ! وما عليك ألا يزّكى . وأما من جاءك يسعى وهو يخشى . فأنت عنه تلهى ؟ كلا إنها تذكرة . فمن شاء ذكره .
(عبس : 1-12)
وشهدنا هذا التدخل فى الأحداث الكبرى سواء بسواء :
شهدناه فى الهجرة .. حيث يقول الله تعالى :
إöلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إöذْ أَخْرَجَهُ الَّذöينَ كَفَرُوا ثَانöيَ اثْنَيْنö إöذْ هُمَا فöي الْغَارö إöذْ يَقُولُ لöصَاحöبöهö لَا تَحْزَنْ إöنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكöينَتَهُ عَلَيْهö وَأَيَّدَهُ بöجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلöمَةَ الَّذöينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلöمَةُ اللَّهö هöيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزöيزñ حَكöيمñ .
(التوبة : 40)
وشهدناه فى بدر .. حيث يقول الله تعالى :
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مöنْ بَيْتöكَ بöالْحَقّö وَإöنَّ فَرöيقًا مöنْ الْمُؤْمöنöينَ لَكَارöهُونَ(5)يُجَادöلُونَكَ فöي الْحَقّö بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إöلَى الْمَوْتö وَهُمْ يَنظُرُونَ(6)وَإöذْ يَعöدُكُمْ اللَّهُ إöحْدَى الطَّائöفَتَيْنö أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتö الشَّوْكَةö تَكُونُ لَكُمْ وَيُرöيدُ اللَّهُ أَنْ يُحöقَّ الْحَقَّ بöكَلöمَاتöهö وَيَقْطَعَ دَابöرَ الْكَافöرöينَ(7)لöيُحöقَّ الْحَقَّ وَيُبْطöلَ الْبَاطöلَ وَلَوْ كَرöهَ الْمُجْرöمُونَ(8) إöذْ تَسْتَغöيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّöي مُمöدُّكُمْ بöأَلْفٍ مöنْ الْمَلَائöكَةö مُرْدöفöينَ(9)وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إöلَّا بُشْرَى وَلöتَطْمَئöنَّ بöهö قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إöلَّا مöنْ عöنْدö اللَّهö إöنَّ اللَّهَ عَزöيزñ حَكöيمñ(10)إöذْ يُغَشّöيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مöنْهُ وَيُنَزّöلُ عَلَيْكُمْ مöنْ السَّمَاءö مَاءً لöيُطَهّöرَكُمْ بöهö وَيُذْهöبَ عَنكُمْ رöجْزَ الشَّيْطَانö وَلöيَرْبöطَ عَلَى قُلُوبöكُمْ وَيُثَبّöتَ بöهö الْأَقْدَامَ(11)إöذْ يُوحöي رَبُّكَ إöلَى الْمَلَائöكَةö أَنّöي مَعَكُمْ فَثَبّöتُوا الَّذöينَ آمَنُوا سَأُلْقöي فöي قُلُوبö الَّذöينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرöبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقö وَاضْرöبُوا مöنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ.
(الأنفال : 5-12)
وشهدناه فى أحد حيث يقول الله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مöنْ بَعْدö الْغَمّö أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائöفَةً مöنْكُمْ وَطَائöفَةñ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بöاللَّهö غَيْرَ الْحَقّö ظَنَّ الْجَاهöلöيَّةö يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مöنْ الْأَمْرö مöنْ شَيْءٍ قُلْ إöنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لöلَّهö يُخْفُونَ فöي أَنْفُسöهöمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مöنْ الْأَمْرö شَيْءñ مَا قُتöلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فöي بُيُوتöكُمْ لَبَرَزَ الَّذöينَ كُتöبَ عَلَيْهöمْ الْقَتْلُ إöلَى مَضَاجöعöهöمْ وَلöيَبْتَلöيَ اللَّهُ مَا فöي صُدُورöكُمْ وَلöيُمَحّöصَ مَا فöي قُلُوبöكُمْ وَاللَّهُ عَلöيمñ بöذَاتö الصُّدُورö )) . . .
( آل عمران : 152 – 154 )
وشهدناه فى كل موقف من مواقف المسلمين الكبرى .
ولم يكن هذا التدخل الإيجابى وقفا على هذه المجموعة من المسلمين . فهو شأن الله فى كل موقف ، وفى كل أمر ، وفى كل حال .. وقد كان منه ما كان فى شأن الرسل جميعا – عليهم اصلاة والسلام – مما قصه الله – سبحانه – على كل الجماعة المسلمة فى هذا القرآن ..
كان منه فى شأن موسى عليه السلام ، مع فرعون وملئه ، ما يصور هذا التدخل السافر المباشر:
تöلْكَ آيَاتُ الْكöتَابö الْمُبöينö(2)نَتْلُو عَلَيْكَ مöنْ نَبَإö مُوسَى وَفöرْعَوْنَ بöالْحَقّö لöقَوْمٍ يُؤْمöنُونَ(3)إöنَّ فöرْعَوْنَ عَلَا فöي الْأَرْضö وَجَعَلَ أَهْلَهَا شöيَعًا يَسْتَضْعöفُ طَائöفَةً مöنْهُمْ يُذَبّöحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيö نöسَاءَهُمْ إöنَّهُ كَانَ مöنْ الْمُفْسöدöينَ(4)وَنُرöيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الْأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارöثöينَ(5) وَنُمَكّöنَ لَهُمْ فöي الْأَرْضö وَنُرöي فöرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مöنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)وَأَوْحَيْنَا إöلَى أُمّö مُوسَى أَنْ أَرْضöعöيهö فَإöذَا خöفْتö عَلَيْهö فَأَلْقöيهö فöي الْيَمّö وَلَا تَخَافöي وَلَا تَحْزَنöي إöنَّا رَادُّوهُ إöلَيْكö وَجَاعöلُوهُ مöنْ الْمُرْسَلöينَ(7)فَالْتَقَطَهُ آلُ فöرْعَوْنَ لöيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إöنَّ فöرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطöئöينَ(8)وَقَالَتْ امْرَأَةُ فöرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لöي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخöذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(9)وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّö مُوسَى فَارöغًا إöنْ كَادَتْ لَتُبْدöي بöهö لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبöهَا لöتَكُونَ مöنْ الْمُؤْمöنöينَ(10)وَقَالَتْ لöأُخْتöهö قُصّöيهö فَبَصُرَتْ بöهö عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(11)وَحَرَّمْنَا عَلَيْهö الْمَرَاضöعَ مöنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلö بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصöحُونَ(12)فَرَدَدْنَاهُ إöلَى أُمّöهö كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلöتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهö حَقّñ وَلَكöنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .
(القصص : 2-13)
وكان منه فى شأن نوح عليه السلام :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونñ وَازْدُجöرَ(9)فَدَعَا رَبَّهُ أَنّöي مَغْلُوبñ فَانْتَصöرْ(10)فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءö بöمَاءٍ مُنْهَمöرٍ(11)وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدöرَ(12)وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتö أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ(13)تَجْرöي بöأَعْيُنöنَا جَزَاءً لöمَنْ كَانَ كُفöرَ .
(القمر : 9-14)
وكان منه فى شأن إبراهيم عليه السلام :
قَالُوا حَرّöقُوهُ وَانصُرُوا آلöهَتَكُمْ إöنْ كُنتُمْ فَاعöلöينَ(68)قُلْنَا يَانَارُ كُونöي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إöبْرَاهöيمَ(69)وَأَرَادُوا بöهö كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرöينَ(70)وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إöلَى الْأَرْضö الَّتöي بَارَكْنَا فöيهَا لöلْعَالَمöينَ(71)وَوَهَبْنَا لَهُ إöسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافöلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالöحöينَ(72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئöمَّةً يَهْدُونَ بöأَمْرöنَا وَأَوْحَيْنَا إöلَيْهöمْ فöعْلَ الْخَيْرَاتö وَإöقَامَةö الصَّلَاةö وَإöيتَاءَ الزَّكَاةö وَكَانُوا لَنَا عَابöدöينَ . . .
( الأنبياء : 68 – 73 )
كذلك شهدناه فى أمر الكون كله ، وفى شأن سائر الخلائق والأحياء فيه :
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده . إنه كان حليما غفورا .
(فاطر : 41)
ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله ؟ إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون .
(النحل : 79)
وكأىّ من دابة ، لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ، وهو السميع العليم .
(العنكبوت : 60)
أفرأيتم ما تحرثون ؟ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ؟ لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون … (إلى أخر الآيات) .
(الواقعة : 63-73)
أو لم يروا أنا نأتى الأرض لنقصها من أطرافها ؟ والله يحكم لا معقب لحمه ، وهو سريع الحساب .
(الرعد : 41)
والقرآن كله معرض هذه الإيجابية وهى أساس التصور الإسلامى – بعد التوحيد – وهى التى تتجلى فيها حقيقة التوحيد . فالوحيد الإسلامى يمتاز بأنه توحيد الفاعلية والتأثير وليس مجرد التوحيد السلبى الذى يصفه أرسطو ، أو يصفه أفلوطين !