||صبغة الله ومن أحسن الله صبغة؟\\
للتصور الإسلامى خصائصه المميزة ، التى تفرده من سائر التصورات ، وتجع له شخصيته المستقلة ، وطبيعته الخاصة ، التى لا تتلبس بتصور آخر ، ولا تستمد من تصور آخر .
هذه الخصائص تتعدد وتتوزع ، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة ، هى التى تنبثق منها وترجع إليه سائر الخصائص .. خاصية الربانية ..
إنه تصور ربانى . جاء من عند الله بكل خصائصه ، وبكل مقوماته ، وتلقاه الإنسان كاملا بخصائصه هذه ومقوماته ، لا ليزيد عليه من عنده شيئا ، ولا لينقص كذلك منه شيئا ، ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته فى حياته ..
وهو - من ثم - تصور غير متطور فى ذاته ، إنما تتطور البشرية فى إطاره ، وترتقى فى إدراكه وفى الاستجابة له . وتظل تتطور وتترقى ، وتنمو وتتقدم ، وهذا الإطار يسعها دائما ، وهذا التصور يقودها دائما . لأن المصدر الذى أنشأ هذا التصور ، هو نفسه المصدر الذى خلق الإنسان ، هو الخالق المدبر ، الذى يعلم طبيعة هذا الإنسان ، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان . وهو الذى جعل فى هذا التصور من الخصائص ما يلبى هذه الحاجات المتطورة فى داخل هذا الإطار .
وإذا كانت التصورات والمذاهب والأنظمة التى يضعها البشر لأنفسهم - فى معزل عن هدى الله - تحتاج دائما إلى التطور فى أصولها ، والتحور فى قواعدها ، والانقلاب أحيانا عليها كلها حين تضيق عن البشرية فى حجمها المتطور ! وفى حاجاتها المتطورة .. إذا كانت تلك التصورات والمذاهب والأنظمة التى هى من صنع البشر ، تتعرض لهذا وتحتاج إلي ، فذلك لأنها من صنع البشر ! البشر القصار النظر ! الذين لا يرون إلا ما هو مكشوف لهم من الأحوال والأوضاع والحاجات فى فترة محدودة من الزمان ، وفى قطاع خاص من الأرض .. رؤية فيها - مع هذا - قصور الإنسان وجهل الإنسان ، وشهوات الإنسان ، وتأثرات الإنسان .. فأما التصور الإسلامى - بربانيته - فهو يخالف فى أصل تكوينه وفى خصائصه ، تلك التصورات البشرية ، ومن ثم لا يحتاج - فى ذاته - إلى التطور والتغير .. الذى وضعه يرى بلا حدود من الزمان والمكان . ويعلم بلا عوائق من الجهل والقصور . ويختار بلا تأثر من الشهوات والانفعالات . ومن ثم يضع للكينونة البشرية كلها ، فى جميع أزمانها وأطوارها .. أصلا ثابتا تتطور هى فى حدوده وترتقى ، وتنمو وتتقدم دون أن تحتك بجدران هذا الإطار !
إن الحركة قانون من قوانين هذا الكون - فيما يبدو - وهى كذلك قانون الحياة البشرية - بوصفها قطاعا من الحياة الكونية - ولكنها ليست حركة مطلقة من كل قيد ، وليست حركة بغير ضابط ولا نظام . فلكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره ، وله كذلك محوره الذى يدور عليه فى هذا المدار . وكذلك الحياة البشرية لابد لها من محور ثابت ، ولا بد من فلك تدور فيه ، وإلا انتهت إلى الفوضى وإلى الدمار ، كما لو انفلت نجم من مداره ، أو ظل يغير محوره بلا ضابط ولا نظام ومن ثم كان هذا التصور الربانى ثابتا ، لتدور الحياة البشرية حوله ، وتتحرك فى إطاره . وهو مصنوع بحيث يسعها دائما ويشدها دائما . وهى تنمو وترتقى . وهى تتطور وتتحرك إلى الأمام .
وهو - من ثم - كامل متكامل . لا يقبل تنمية ولا تكميلا ، كما لا يقبل قطع غير من خارجه ، فهو من صنعة اله ، فلا يتناسق معه ما هو من صنعة غيره . والإنسان لا يملك أن يضيف إليه شيئا ، ولا يملك أن يعدل فيه شيئا . إنما هو جاء لضيف إلى الإنسان . لينميه ويعدله ويطوره ويدفع به دائماً إلى الأمام .. جاء ليضيف إلى قلبه وعقله ، وإلى حياته وواقعه . جاء ليوقظ كل طاقات الإنسان واستعداداته ، ويطلقها تعمل فى إيجابية كاملة ، وفى ضبط كذلك وهداية ، وتؤتى أقصى ثمراتها الطيبة، مصونة من التبدد فى غير ميدانها ، ومن التعطل عن إبراز مكنونها ، ومن الانحراف عن طبيعتها ووجهتها ، ومن الفساد بأى من عوامل الفساد .. وهو لا يحتاج - فى هذا كله - إلى استعارة من خارجه ، ولا إلى دم غير دمه ! ولا إلى منهج غير منهجه . بل إنه ليحتم أن يتفرد هو فى حياة البشر ، بمفهوماته وإيحاءاته ومنهجه ووسائله وأدواته . كى تتناسق حياة البشر مع حياة الكون - الذى تعيش فى إطاره - ولا تصطدم حركتها بحركة الكون فيصيبها العطب والدمار !
وهو - من ثم - شامل متوازن منظور فيه إلى كل جوانب الكينونة البشرية أولا .
ومنظور فيه إلى توازن هذه الجوانب وتناسقها أخيرا . ومنظور فيه كذلك إلى جميع أطوار الجنس البشرى ، وإلى توازن هذه الأطوار جميعا . بما أن صانعه هو صانع هذا الإنسان .. الذى خلق ، والذى يعلم من خلق ، وهو اللطيف الخبير . فليس أمامه - سبحانه - مجهول بعيد عن آفاق النظر من حياة هذا الجنس ، ومن كل الملابسات التى تحيط بهذه الحياة .. ومن ثم فقد وضع له التصور الصحيح الشامل لكل جوانب كينونته ، ولكل أطوار حياته .. المتوازن مع كل جوانب كينونته ومع كل أطوار حياته . الواقعى المتناسق مع كينونته ومع كل ظروف حياته .
وهو - من ثم - الميزان الوحيد الذى يرجع إليه الإنسان فى كل مكان وفى كل زمان ، بتصوراته وقيمه ، ومناهجه ونظمه ، وأوضاعه وأحواله ، وأخلاقه وأعماله .. ليعلم أين هو من الحق. وأين هو من الله ، وليس هنالك ميزان آخر يرجع إليه ، وليس هنالك مقررات سابقة ولا مقررات لاحقة يرجع إليها فى هذا الشأن .. إنما هو يتلقى قيمة وموازينه من هذا التصور ، ويكيف بها عقله وقلبه ، ويطبع بها شعوره وسلوكه ، ويرجع فى كل أمر يعرض له إلى ذلك الميزان
فَإöنْ تَنَازَعْتُمْ فöي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إöلَى اللَّهö وَالرَّسُولö إöنْ كُنتُمْ تُؤْمöنُونَ بöاللَّهö وَالْيَوْمö الْآخöرö ذَلöكَ خَيْرñ وَأَحْسَنُ تَأْوöيلًا .
(النساء : 59)
وفى خاصية التصور الإسلامى الأساسية - التى تحدد طبيعته - وفى سائر الخصائص التى تنبثق منها .. يرى بوضوح تفرد هذا التصور ، وتميز ملامحه ، ووضوح شخصيته بحيث يصبح من الخطأ المنهجى الأصيل محاولة استعارة أى ميزان ، أو أى منهج من مناهج التفكير المتداولة فى الأرض - فى عالم البشر - للتعامل بها مع هذا التصور الخاص المستقل الأصيل . أو الاقتباس منها والإضافة إلى ذلك التصور الربانى الشامل .
وسنرى هذا بوضوح كلما تقدمنا فى هذا البحث . فنكتفى الآن بتقرير هذه القاعدة التى لابد من مراعاتها جيدا فى كل بحث إسلامى ، فى أى قطاع من قطاعات الفكر الإسلامية أو المنهج الإسلامى .. فهذا هو مفرق الطريق ..
والآن فلننظر فى هذه الخاصية الأساسية ، وفى الخصائص التى تنبثق منها ، بشئ من البيان والتفصيل ..