ومعني هذا الموقف بوضوح أن الحكومة المصرية قد عمدت إلى نخبة ممتازة وصفوة كريمة من أعز أبناء هذه الأمة المثقفين المؤمنين الأطهار ذوي المصالح والأعمال يقل عددها عن نصف مليون من الأنفس غير من يتصل بهم من الأقارب والأصهار والأصدقاء وذوي الأرحام وحكمت عليهم جميعا بأنهم مجرمون متشردون لا يستحقون أن يعيشوا في بلدانهم عيشة المواطنين الآمنين وصبت عليهم جام غضبها وسوء انتقامها فاستلبت حريات الكثير بالاعتقال بل بالنفي والتغريب والإبعاد وشردت الكثير بالفصل والانتقام وصادرت أموالهم وأعمالهم وممتلكاتهم بعد أن احتجزت حقوقهم وكرامتهم وحرياتهم وأشاعت عنهم بين مواطنيهم بكل وسائل الدعاية المختلفة والاتهامات التي لو صحت لكانت مصر بعد ذلك بلد الإجرام وموطن المجرمين لا ينازعها في ذلك منازع.. فأوجدت بيدها في الأمة الموحدة طبقة جديدة وطائفة مظلومة مهضومة متميزة عن بقية المواطنين بهذا الطابع طابع الظلم والكبت والاضطهاد في سبيل العقيدة والإيمان.
ومن هذه الطائفة؟؟ هي الإخوان المسلمون فلذة أكباد هذا الوطن وخيرة شبابه ورجاله والجزء الشاعر الواعي في هذا الجسم الخامل المريض.
ولم كل هذا؟؟ لاتهام باطل لم يقم عليه دليل ووهم كاذب لم يحققه برهان وخوف داهم لا مبرر له وحجة أوهى من بيت العنكبوت وطريق الأمن والسلامة أمامهم لو أرادوا أن يسلكوه ولا يكلفهم شيئًا إلا أن يكونوا عادلين والعدل أساس الملك كما يقولون.
ومن الذي يفعل هذا ويحكم به؟؟ الحكومة المصرية التي أخفقت في المفاوضات مع الإنجليز فقطعتها وذهبت إلى مجلس الأمن فعادت منه بخفي حنين وتركت قضية الوطن على رفوفه العالية في زوايا الإهمال والنسيان وتجاهلت الإنجليز بعد ذلك تجاهلاً تماماً وتركتهم يفعلون ما يريدون حتى أضاعت بهذا التجاهل واتبعت سياسة التردد والاضطراب في قضية فلسطين قبلت الهدنة الأولى فأضاعت بهذا القبول كل شيء وحرمت الجيش المصري الباسل ثمرة انتصاره وأفقدت الوطن ملايين الجنيهات وآلاف الرجال فضلا عن فقدان الكرامة وسوء الحال والمال.. ودللت يهود مصر فلم تتخذ معهم أي إجراء مع مواقفهم من مناصرةٍ أعداء الوطن وخصوم البلاد والتي يعيش آمنا في ظلها كل أجنبي آفاق ومتشرد طريد وعابث عربيد آمنا مطمئناً على نفسه وماله وعبثه وفساده وتحمي حانات المسكرات وبيوت العاهرات ودور المنكرات وأبواب المراقص والبارات والتي عجزت كل العجز عن إنقاذ شعبها من براثن الفقر والمرض والجهل والعطل والغلاء الفاحش الذي يئن منه الأقوياء فضلاً عن الضعفاء والتي لا يؤيدها ولا يسندها إلا نفر قليل ضئيل من أصحاب المصالح الشخصية فهي في وادٍ والأمة في وادٍ.
هذه الحكومة التي تطارد الإخوان المسلمين وهم الشعب وتحكم عليهم بالإجرام والنفي والتشريد ومصادرة الأموال والأملاك والحريات ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح وكانت الكلمة للحق لا للقوة لحَاكَمْنا كم نحن أيها المفرطون على هذا التفريط ولحاسبناكم على هذا العجز أشد الحساب ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وبأي سلاح هذا؟؟ بسلاح الأحكام وبالسلطة الفردية الاستثنائية التي وضعت في يد الحاكم العسكري بحدود وقيود وكانت الغاية من تخويلها إياها (حماية الجيوش والمحافظة على سلامتها) فجاوز في استخدامها كل حدود وتناسى كل قيد واستغلها في عكس ما وضعت له تماماً وحمي بها أعداء الجيش وحارب بها أصدقاء الجيش وزملاءه في السلاح.
من الذي يقول إن الأحكام العرفية التي فرضت لحماية الجيش من اليهود تطبق بأفظع صورها على الإخوان المسلمين أصدقاء الجيش وأعداء اليهود - لقد هم المتطوعون من الإخوان بالتوقف حين بلغهم قرار الحل الذي كان له في نفوسهم أسوء الأثر ولكنهم راجعوا أنفسهم وتذكروا أنهم في ميدان جهاد وأن هذا التوقف ضار بموقفهم بموقف الجيش معهم فعدلوا عنه واكتفوا بأن سجلوا احتجاجهم أمام قوادهم وعادوا إلى ميادين جهادهم فهل كان الحاكم العسكري بتصرفه هذا يحمي الجيش أم يعرض سلامته للخطر.
إن الحاكم العسكري قد اعتدى على القانون
أولاً: بتخطيه أصول المحاكمات العادية وعدم انتظاره كلمة المحاكم فيما يوجهه إلى الإخوان من اتهامات باطلة، كما اعتدي على الأحكام العسكرية.
ثانيًا: بسوء استخدامها في غير ما وضعت له وفرضت من أجله وهو بذلك قد ظلم ظلماً لم يعرفه الناس حتى في عهد محاكم التفتيش التي كانت تستر طغيانها بستار صوري من الإجراءات والمحاكمات ولا تجرؤ أن تواجه الرأي العام بقرار كل سنده إرادة فرد يخطئ ويصيب.
يا حضرات السادة الحكام - لن ترضي هذه الجماعة لنفسها أن تضع لكم تقرير مصيرها ولن تسمح لكم بأن تقبلوا الحقائق وتعتدوا على الحريات وتصادروا الأموال والممتلكات وتظلموا الأبرياء بالباطل وإنها لتحملكم أمام الرأي العام نتائج ما يحدث عن هذا العدوان وعلى الباقي تدور الدوائر.
'وَلَمَنö انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمöهö فَأُولَئöكَ مَا عَلَيْهöم مّöن سَبöيلٍ * إöنَّمَا السَّبöيلُ عَلَى الَّذöينَ يَظْلöمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فöي الأَرْضö بöغَيْرö الْحَقّö أُولَئöكَ لَهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ' (الشورى: الآيات 41-42).