ولكن النفوس إذا تمكن منها الهوى في ناحية فإنه يعميها عن الخير ويصم أذنها عن الحق وكذلك كان، فما انتهينا من هذا الموقف حتى اجتمع هؤلاء الإخوان إلى شيخهم وأخذوا يتدارسون ما حدث ولم يكن في جانبهم طبعاً فهداهم التفكير إلى أن يذيعوا عن الدعوة والجماعة السوء في ثوب النصيحة والإشفاق، فانطلقوا يشيعون أن ترك الأستاذ للعمل في هذا الوقت بين يدي أحد الإخوان كائناً من كان فيه خطورة على الدعوة، فإن الجماعة مدينة للتجار بثلاثمائة وخمسين جنيهاً من بقية نفقات بناء المسجد والدار وإذا شعر التجار والناس بهذا فإنهم سيطالبون بديونهم ويتوقف الكثير منهم عن مساعدتهم وتلوك الألسنة سمعتنا بالباطل وخصوصاً وليس في الجمعية شيء، وهل يستطيع النائب الجديد أن ينهض بكل هذه الأعباء وخصوصاً إذا انتقل الأستاذ وترك الجماعة مثقلة بهذا العبء؟! أليس من الخير أن نختار لهذه النيابة رجل من الأقوياء الأغنياء ليرد عن الدعوة هذا الشر؟!، وسمعت هذا النبأ وفشا في الإخوان وفي الناس وتحدثوا به في مجالسهم وحملت هذا القول من قائليه على وجه الإشفاق والنصيحة أخذا بحسن الظن وإيثارا للجميل وبعدا عن التورط في الاتهام بالباطل.
وأردت أن أعالج الأمر على طريقتي فدعوت أصحاب الدين وكانوا ثلاثة أو أربعة من التجار وعرضت عليهم أن توحد هذه الديون باسم واحد منهم فقبلوا. فعرضت على هذا الواحد أن يقبل مني تقسيط دينه على فترة طويلة بحيث أدفع له كل شهر ثمانية جنيهات فقبل. وكتبت له كمبيالات شخصية على نفسي بكل مبلغه على هذه الطريقة وأخذت منه مخالصة بأنه ليس له عند الجمعية شيء أبداً وضممتها إلى مخالصات غيره من التجار بحيث لم تبق الجماعة مدينة لأحد بمليم. ودعوت الإخوان جميعاً ومنهم هؤلاء الأربعة المخالفون وعرضت عليهم الأمر فسقط في أيديهم وأرادوا أن يتعللوا بالمعاذير وقالوا ولم تحمل نفسك هذا العناء؟
وهل من المروءة أن ندعك تتحمله؟ وهل هذا جزاؤك على عمل الخير؟. ولنفرض أنه عرض لك ما يمنع السداد فيكف يكون الحال؟ فقلت: أما نفسي فدعوها وشأنها وأما العجز عن السداد فقد وضعت الأقساط على طريقة تمكنني من انسداد إن شاء الله وقد قبل التاجر وجزاه الله خيراً، وما أنا في هذا كله إلا واحد من المسلمين عليه أن يبذل في سبيل دينه وأمته فلا تحملوا همي ولكن حسبنا ألا يقال إننا عاجزون عن السداد أو أن فينا فتنة، وحسبنا أن تظل هذه الوحدة التي توثقت بروح الله على الحق والإيمان. فلم يسعهم أن يفعلوا شيئاً أو يقولوا شيئاً وكل الذي استطاعوا عمله أن أحدهم وقد كان أمينا للخزينة رغب أن يسلم الخزينة لغيره فقبلنا منه وأسندنا الأمر لسواه. ولا أزال أذكره وقد أخرج الدرج وقلبه ظهرا لبطن وبطناً لظهر وسلمه لأخيه مع المفتاح وهو يقول له تفضل “خربانة بإذن الله” فقلت له في تأثر عميق: لا يا أخي لكن” عمرانه بفضل الله” وانصرفوا، ولقد عمرت خزينة الإخوان بعد ذلك ما شاء الله لها أن تعمر وامتلأت بالخير فعلاً من فضل الله وجزى الله كرام الإسماعيلية خيراً، فإنهم ما كادوا يسمعون نبأ هذا الذي حدث ويصل إليهم أنني كتبت على نفسي خمساً وأربعين كمبيالة حتى وجه إليهم الوجيه المحترم الشيخ محمد حسين الزملوط رحمه الله الدعوة للاجتماع في منزله فاجتمعوا وتقاسموا المبلغ فيما بينهم.
وتبرعوا بأكثر من أربعمائة جنيه سددت منها هذه الكمبيالات جميعاً، وما بقي ضم إلى خزينة الجماعة وتوالت التبرعات من الإخوان فكانت رصيدا لا بأس به “ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يعلمون”.