القسم الثالث - الشرعية التاريخية
ونعرض لها في بندين:
البند الأول: نهج الدعوة الأولى
إن مفهوم الشرعية لمشروع النهضة ينبثق من تعاليم الإسلام وقواعده، وتتأسس مشروعيته على دروس الدعوة الأولى. وعليه، فمشروع النهضة يعد امتداداً طبيعياً لنهضة الرعيل الأول، يهتدي بنورها، ويقتدي بسيرتها، ويعي دروسها، ويترسم خطواتها. وفي هذا يقول الأستاذ البنا:
إننا نتحرى بدعوتنا نهج الدعوة الأولى، ونحاول أن تكون هذه الدعوة الحديثة صدى حقيقياً لتلك الدعوة السابقة التي هتف بها الرسول صلى الله عليه وسلم في بطحاء مكة قبل ألف ومئات من السنين، فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة، الزاهي بجلال الوحى، لنقف بين يدي الأستاذ الأول وهو سيد المربين وفخر المرسلين لاهادين، لنتلقى عنه دروس الإصلاح من جديد، وندرس خطوات الدعوة من جديد (رسالة دعوتنا في طور جديد).
ويستطرد الأستاذ البنا في تفصيل الدعوة الأولى قائلاً:
وكانت تلك الدعوة الجامعة حداً فاصلاً في الكون كله، بين ماضٍ مظلم، ومستقبل باهر مشرق، وحاضر زاخر سعيد، وإعلاناً واضحاً مبيناً لنظام جديد شارعه الله العليم الخبير ومبلغه محمد البشير النذير، وكتابه القرآن الواضح المنير، وجنده السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وليس من وضع الناس، ولكنه صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة (رسالة بين الأمس واليوم).
البند الثاني: انتعاش الفكرة الإسلامية
ولعله من المناسب أن نستعرض في الأطوار التاريخية التي مرت بها الأمة الإسلامية –بإيجاز- كي يتضح السياق التاريخي الذي جاءت فيه الدعوةº لندرك جذورها التاريخية وامتدادها الطبيعي، مع العلم أننا أشرنا بشيء من التفصيل إلى ذلك في الباب الأول. وهذه الأطوار هي:
1- إعلان ميلاد الدعوة الجامعة (الدعوة)
2- قيام الدعوة الإسلامية الأولى (الدولة)
3- بداية التحلل في كيان الدولة (التحلل)
4- الصراع والتدافع السياسي (التدافع السياسي)
5- الصراع والتدافع الاجتماعي (التدافع الاجتماعي)
6- انتصار المشروع الغربي على المشروع الإسلامي (الهيمنة الغربية)
7- ظهور دعوة البعث والإنقاذ من جديد (إعادة البعث)
ويحدد الأستاذ البنا طور انتعاش الفكرة الإسلامية بعد العدوان السياسي على الأمة، فيقول:
وكما كان لذلك العدوان السياسي أثره في تنبيه المشاعر القومية، كان لهذا الطغيان الاجتماعي أثره كذلك في انتعاش الفكرة الإسلامية، فارتفعت الأصوات من كل مكان تطالب بالرجوع إلى الإسلام وتفهم حكامه وتطبيق نظامه. ولا بد أن يأتي قريباً ذلك اليوم الذي تندك فيه صروح هذه المدنية المادية على رؤوس أهلها، وحينئذ يشعرون بسعير الجوع الروحي تشتعل به قلوبهم وأرواحهم ولا يجدون الغذاء والشفاء والدواء إلا في تعاليم هذا الكتاب الكريم: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدىً ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) [يونس: 57-58] (رسالة بين الأمس واليوم).
ثم يوضح أن التركة التي ورثها الإخوان مثقلة بالتبعات. وفي ذلك يقول:
وهكذا أيها الإخوان أراد الله أن نرث هذه التركة المثقلة بالتبعات، وأن يشرق نور دعوتكم في ثنايا هذا الظلام، وأن يهيئكم الله لإعلاء كلمته وإظهار شريعته وإقامة دولته من جديد: (ولينصرنّ الله من ينصره إن لله لقويñ عزيز) [الحج: 40] (رسالة بين الأمس واليوم).
وأخيراً، يحدد الأستاذ البنا بوضوح شديد نوعية الدعوة الجديدة كدعوة السلام والإنقاذ، وتوعية الرجال الذين يناصرون هذه الدعوة، فيقول:
أحب أن تتبينوا جيداً من أنتم في أهل هذا العصر؟ ... وما دعوتكم بين الدعوات .. وأية جماعة جماعتكم .. ولأي معنى جمع الله بينكم ووحد قلوبكم ووجهتكم، وأظهر فكرتكم في هذا الوقت العصيب الذي تتلهف فيه الدنيا إلى دعوة السلام والإنقاذ؟ فاذكروا جيداً أيها الأخوة.. أنكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل في وقت التبس عليها فيه الحق بالباطل، وأنكم دعاة الإسلام، وحملة القرآن وصلة الأرض بالسماء، وورثة محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاء صحابته من بعده. وبهذا فضلت دعوتكم الدعوات، وسمت غايتكم على الغايات، واستندتم إلى ركن شديد، واستمسكتم بعروة وثقى لا انفصام لها، وأخذتم بنور مبين وقد التبست على الناس المسالك فضلوا سواء السبيل (والله غالب على أمره) [يوسف: 21] (رسالة المؤتمر السادس).
وعليه، تتحرى الدعوة الجديدة لمشروع النهضة نهج الدعوة الأولى، كدعوة إعادة بحث وسلام وإنقاذ بعد ما تعرضت له الأمة من عدوان سياسي. وبالرغم من عظم المسئوليات وثقل التبعات الخاصة بتركة سنوات الركود، فإن الدعوة الجديدة جاءت لإخراج الأمة من جديد من ظلمات البعد عن الإسلام إلى نور إظهاره والأخذ بشريعة الله على أيدي رجال يرجون مناصرة هذه الدعوة والعمل تحت رايتها، لا يعتمدون إلا على الله، ولا يستمدون المعونة والتأييد إلا منه، ولا يرجون إلا ثوابه ولا يبتغون إلا وجهه.