القسم الرابع - المنهج العام (أصول عامة)
هناك مجموعة من الأصلو قد تندرج تحت منهج من المناهج السابقة، وبالذات المنهج الأصولي، ولكنها تبدو أنها تمس المناهج جميعاً. وعليه اعتبرناها مسائل عامة، وهي:
18- أصل في الاحتراز من العرف الخاطئ والخداع اللفظي:
(أ) والعرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية، بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها، والوقوف عندها.
(ب) كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء (الأصل السادس عشر، رسالة التعاليم).
19- أصل في العلاقة بين النظر الشرعي والنظر العقلي:
وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي. فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتةº ويؤول الظن منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار (الأصل التاسع عشر، رسالة التعاليم).
20- أصل في مجال النظر العقلي:
والإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء. و (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها هو أحق الناس بها) (الأصل الثامن عشر، رسالة التعاليم).
وهناك بعض الشروحات الهامة لهذا الأصل الأخير من كلام الأستاذ البنا في مواقع أخرى من الرسائل، من المفيد عرضها في هذا المجال إكمالاً للفائدة المرجوة إنش اء الله، وهي كما يأتي:
· إن العقل هو مناط التكليف:
أساس العقائد الإسلامية –ككل الأحكام الشرعية- كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويجب أن تعلمن مع ذلك، أن كل هذه العقائد يؤيدها العقل، ويثبتها النظر الصحيحº ولهذا شرف الله تعالى العقل بالخطاب، وجعله مناط التكليف، وندبه إلى البحث والنظر والتفكير. وطالب الخصوم بالدليل والبرهان حتى فيما هو ظاهر البطلان، تقديراً للأدلة، وإظهاراً لشرف الحجة .. ومن هنا تعلم أن الإسلام لم يحجر على الأفكار ولم يحبس العقول، وإن أرشدها إلى التزام حدها، وعرفها قلة علمها، وندبها إلى الاستزادة من معارفها (رسالة العقائد).
· ألوان التفكير في البحث عن المعرفة:
لقد حسمت الفكرة الإسلامية الجدل المعرفي، من حيث: مصادر المعرفة، ومنشؤها، وعلاقة المعرفة بالعقل، وعلاقة العلم بالغيب، وحددت لها إطاراً معرفياً متميزاً متناسقاً. لقد حسم هذا الإطار حالة التذبب العقلي لدى الإنسان، وحدد له منهجية التفكير السديد. يقول الأستاذ البنا في ذلك:
لقد تذبذب العقل البشري منذ وجد الإنسان على ظهر الأرض إلى يومه هذا – وأغلب الظن كذلك حتى تتداركه هداية من الله- بين أطوار ثلاثة، وإن شئت قلت بين ألوان ثلاثة من ألوان التفكير والتصوير:
1- طور الخرافة والبساطة والتسليم المطلق للغيب المجهول والقوى الخفية البعيدة عنه.
2- طور الجمود والمادية والتنكر لهذا الغيب المجهول.
3- الجمع بين العقليتين الغيبية والعلمية.
كلا هذين اللونين من ألوان التفكير خطأ صريح وغلو فاحش وجهالة من الإنسان بما يحيط بالإنسان، ولقد جاء الإسلام الحنيف يفصل القضية فصلاً حقاً، فيقرر حق العالم الروحي ويصف ذلك العالم الغيبي المجهول وصفاً يقربه إلى الأذهان ولا يتنافى مع بديهيات العقول .. وهو مع هذا يقرر هذا العالم المادي وما فيه من خير للناس لو عمروه بالحق وانتفعوا به في حدود الخير، ويدعو إلى النظر السليم في ملكوت السموات والأرض، ويعتبر هذا النظر أقرب إلى معرفة الله العلي الكبير (رسالة دعوتنا في طور جديد).
وإذا علم الأخ المسلم (دينه) في هذه الأصول، فقد عرف معنى هتافه دائماً:
الله غايتنا والقرآن دستورنا والرسول قدوتنا
· نختم هذا الفصل بكلام الأستاذ البنا مخاطباً العاملين معه والذي أكد فيه على نعمة الفهم السليم للإسلام، فيقول:
واذكروا جيداً أيها الأخوان.. أن الله منَّ عليكم، ففهمتم الإسلام فهماً نقياً صافياً، سهلاً شاملاً، كافياً وافياً، يساير العصور ويفي بحاجات الأمم، وبجلب السعادة للناس، بعيداً عن جمود الجامدين وتحلل الإباحيين وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمداً من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالحين استمداداً منطقياً منصفاً، بقلب المؤمن الصادق، وعقل الرياضي الدقيق، وعرفتموه على وجهه: عقيدة وعبادة، ووطن وجنس، وحكومة وأمة، ومصحف وسيف، وخلافة من الله للمسلمين في أمم الأرض أجمعين (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرّسول عليكم شهيداً) [البقرة: 143] (رسالة المؤتمر السادس).