وكما كان لذلك العدوان السياسي أثره في تنبيه المشاعر القومية، كان لهذا الطغيان الاجتماعي أثره كذلك في انتعاش الفكرة الإسلامية، فارتفعت الأصوات من كل مكان تطالب بالرجوع إلى الإسلام وتفهم أحكامه وتطبيق نظامه. ولابد أن يأتي قريباً ذلك اليوم الذي تندك فيه صروح هذه المدينة المادية على رؤوس أهلها، وحينئذ يشعرون بسعير الجوع الروحي تشتعل به قلوبهم وأرواحهم ولا يجدون الغذاء والشفاء والدواء إلا في تعاليم هذا الكتاب الكريم: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاءñ لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرñ مما يجمعون) [يونس: 57-58].
وهكذا أيها الإخوان أراد الله أن نرث هذه التركة المثقلة بالتبعات، وأن يشرق نور دعوتكم في ثنايا هذا الظلام وأن يهيئكم الله لإعلاء كلمته وإظهار شريعته وإقامة دولته من جديد: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [الحج: 40] (رسالة بين الأمس واليوم).
ورغم هذا الإيجاز الذي ساق به الأستاذ البنا هذا الإطار التاريخي، فإنه عند القراءة المتعمقة، يشكل نقطة ارتكاز لكثير من الدراسات الموجهة في هذا المجال الحيوي مثل:
1- الهوية والمرجعية.
2- أصول الإصلاح الاجتماعي في التصور الإسلامي.
3- الصورة الموجزة لحركة الدولة الإسلامية الأولى تاريخياً.
4- عوامل الضعف في التاريخ الإسلامي وسبل التعامل المستقبلي معها.
5- قراءة استراتيجية في الفترة التاريخية المفصلة للقرن الثاني عشر إلى الخامس عشر.
6- دراسة الفترة نفسها في أوروبا وعملية حشد وتحليل عوامل القوة.
7- دراسة عصر النهضة في أوروبا دراسة نقدية فاحصة.
8- دراسة حركات الاستقلال استراتيجياً.
9- دراسة جذور الفكر الغربي وتطبيقاته السياسية المعاصرة.
10- دراسة آلية حركة الاستعمار الاستيطاني وتطبيقاته المعاصرة.
إنه بدون دراسة حقيقية لمثل هذه المسارات الصعبة، وعلى أيدي أناس يجمعون مع المعرفة الشرعية قراءة عصرية للواقع وإحساساً علمياً وحركياً، مع القدرة على الكتابة التي تعتني بالجوهر قبل الإنشاء والحشو، أقول بدون ذلك ستظل الثقافة التي نحتاج إليها للنهضة عندنا تعاني الضحالة الفكرية والمشكلات الحركية، وبالتالي ستظل الأحكام بعيدة عن معالجة إشكاليات الواقع.