وبهذه السطحية رووا ما نعده وهمًا في إدراك المقصود، مثل وهم "نافع" مولى ابن عمر في قضية الغارة على العدو دون دعوة..
ومن هذا القبيل ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا: لا يا رسول الله إلاَّ أن تخبرنا..! فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا..
فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه..؟
فقال: "سَدّöدُوا وَقَارöبُوا فَإöنَّ صَاحöبَ الْجَنَّةö يُخْتَمُ لَهُ بöعَمَلö أَهْلö الْجَنَّةö وَإöنْ عَمöلَ أَيَّ عَمَلْ..
وَإöنَّ صَاحöبَ النَّار يُخْتَتمُ لَهُ بöعَمَلö النَّارö وَإöنْ عَمöل أَيَّ عَمَلٍ".
والعبارات الأخيرة هي التي نريد التعقيب عليها، فهي في نظرنا من أوهام الراوي، ومخالفتها للكتاب والسنن الصحاح ظاهرة.
فإن التيسير لليسرى يتم لمن أعطى واتقى وصدق بالحسنى ولا يتم لمن عمل أي عمل..وكذلك التيسير للعسرى يتم لمن بخل واستغنى وكذب بالحسنى ولا يتصور البتة أن يكون ختام امرئ مخلص لربه مستغفر من ذنبه..!
وتوهين راوٍ خالف النقل الثابت والعدل السائغ هو مسلك أئمة السنة.
فتعريف الحديث الصحيح بعد اتصال السند بالثقات، أن يكون خاليًا من الشذوذ والعلة القادحة.
وأي شذوذ أشد من مخالفة الآي، وأي قادح أقوى من مصادمة العدل؟.
أما صدر هذا الأثر فهو تصوير للعلم الإلهي،وما تضمن في سجلاته مما كان ويكون أزلا وأبدًا..وهذا ما لا شك فيه.
على أن علاقة العلم الإلهي بأعمال الناس علاقة انكشاف وإحاطة، وليست علاقة سلب وإيجاب، أَو إيجاد وإعداد أو ضغط وإكراه..
وعلماء الأُمة متفقون على أن خبر الآحاد مردود إذا ما خالف المتواتر، وبديهي أن يتلاشى الظن أمام اليقين..
ويشاء الله أن نرى مثالا لذلك في سورة الليل ذاتها...