الاستعدادات كبيرة لتوديع القرن الرابع عشر، واستقبال القرن الذي يليه..وسأشارك في أحفال كثيرة تقام لذلك الغرض..ولكني –بعد طول تجربة- وَجöلñ من أحوال أُمتنا..وقلق مما ينتظرها إذا بقيت على ما أرى..
بعض المرضى يحتاج إلى صدمات كهربائية لتصحيح وعيه، وإيقاظ ما تخدّر من حسه..والمسلمون يحتاجون إلى أمثال هذه الصدمات كي يحسنوا الخلاص مما حل بهم..والسير على نهج يشبه أو يقارب نهج الراشدين من أسلافهم!!.
1 - أمتنا تعانى تخلفا حضاريا
إن أمتنا الآن جزء كبير من العالم الثالث..تخلفها الحضاري لا ريب فيه..ومظاهر التقدم المجلوب من هنا ومن هنا عارية قد تسترد. إنها ليست إفرازًا لكيانها الخاص..ولا أثرًا لنشاطها الأصيل..
ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك؟ إن التقدم والتأخر ليس حظوظًا عمياء!..
إن ما نزل بنا هو نتائج لمقدمات طال عليها الأمد..وعلل هدت قوانا جيلا بعد جيل!..وبعض الأجسام يصيبها في سن مبكرة مرض شديد ولكن عافية الشباب تهزمه..فتكمن الجرثومة متربصة الفرص السوانح لتثبت عندما تريد. ملحقة بالجسم ما تشاء من عطب..!!
وأمتنا الكبيرة تعرضت لأدواء وبيلة خلال عصورها الخوالي..وقد قاوم كيانها الصلب هذه الأدواء، وبدا للعين المجردة كأنه سليم معافي..ولكن الجراثيم الخانسة برزت من مكامنها خلال القرون الأخيرة. فلما اصطدمت بنا القوى المعادية للإسلام فضحتنا المعارك في كل ميدان، وسقط المسلمون بين المحيطين الأطلسي والهادي بين أواسط أوربا وآسيا شمالا، وجزائر أندونيسيا والفلبين والمحيط الهندي وأقطار ما تحت الصحراء الكبرى جنوبًا..
إن هذا الكيان الإسلامي تهاوى تحت ضربات المغيرين وأصبح بين عشية وضحاها أسيرًا تدميه القيود، ويرهقه الإذلال..
لقد حدث هذا..وكان لابد أن يحدث..لأن المسلمين فقدوا أسباب التمكين في الأرض فعصفت بهم الرياح الهوج..إن الرياح مهما اشتدت لا تنقل الجبال..ولكنها تنقل كثبان الرمال..
وإذا كنا على أبواب نهضة حقة فلندرس بدقة وبصيرة أسرار ما أصابنا..فإن العافية لا تتيسر بدواء مرتجل، والنصر لا يجئ باقتراح عشوائي..إن الأسلاف تصدروا قافلة العالم بجدارة. والأخلاف ملئوا ذيل القافلة بجدارة أيضًا.
وقد تأملت في أحوال الناس الذين يعملون في الحقل الإسلامي ويتحمسون لنصرة دينهم..ولكنهم يحملون في دمائهم جراثيم الفوضى القديمة..والجهالة المدمرة..فأدركت أن هؤلاء يتحركون في مواضعهم، وأنهم يوم يستطيعون نقل أقدامهم فسيتجهون إلى الوراء لا إلى الأمام، وسيضيفون إلى هزائمنا الشائنة هزائم قد تكون أنكى وأخزى.
من أجل ذلك رأيت استثارة الهمم لبدء نهضة واعية هادية تعتصم بالوحي الأعلى.
وتتأسى بالرسول (صلى الله عليه و سلم) وصحبه، وتنتفع بتجارب القرون الأربعة عشر التي مرت بنا. قد تقول:وهل يخالف أحد في هذا حتى تتناوله بالغمز واللمز؟!
وأُجيب: إن أحدًا لن يجرؤ على هذه المخالفة بقوله ولكنه بفراغ فكره أو فساد باطنه قد يجر الكوارث على الكتاب والسنة. ولا يزيد الطين إلا بلة..