كان السلف الذين حملوا الإسلام قديًما واقعين يعرفون مراد الله بذكاء وينفذونه بدقة، والإسلام –كما نعرفه من كتاب ربنا وسنة نبينا- فطرة سليمة لا فطرة ملتاثة وتعاليم يعيها أولو الألباب لا أولو الثقافة القاصرة والأحكام البلهاء.
وقد أحس ورثة المدنيات القديمة أنهم أمام عقل أذكى من عقولهم، وخلق أنبل من أخلاقهم، وبر بالشعوب أوسع من برهم، وأدركوا أن صفحتهم يوم تطوى، فلكي يرى العالم صفحة جديدة أملا بالرحمة والعدل يخطها أولئك الذين رباهم محمد (صلى الله عليه و سلم).
فهل كذلك الداعون إلى الإسلام في يوم الناس هذا؟
إن التفكير الواقعي في معالجة شئون الناس هو الذي أنجح الإسلام قديمًا، وجعل الناس يدخلون في ديون الله، أما معظم مسلمي اليوم فأبعد عن قضايا الشعوب المصيرية الشاملة!
وأُحب أن ألفت الأنظار إلى تغير في الفكر العالمي، صبغ الإنسانية الآن، أساس هذا التغير الحفاوة بالمنطق التجريبي والزهد في المنطق الفلسفي، وقد نشأ عن ذلك إهمال متعمد للفكر اليوناني في الإلهيات باعتبار هذا الفكر رجمًا بالغيب وبحثًا لا طائل تحته..
وينبني على هذا أن ما انشغل به العقل الإسلامي قديمًا من تراث الإغريق، يجب وضعه على الرف إن لم يرم في سلال المهملات!!
وعلى الدعاة المسلمين من سلف وخلف أن يلزموا أسلوب القرآن الكريم في عرض المعتقدات، وأن يشغلوا أنفسهم بتقديم حلول إسلامية للمشكلات المحدثة والأزمات المادية والأدبية الطارئة.
إن ذلك ما فعله السلف الأول فأعانه على فتح المشارق والمغارب..أما المشتغلون اليوم بإعلان حرب على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة فإنهم قد يحرزون نصرًا في ميدان لا عدو فيه، إنه نصر على الأشباح ولا يغنم إلا الوهم!!
ولست أمنع بعض المتخصصين من دراسات تاريخية لماضينا القريب والبعيد، بيد أن ميدان الدعوة يجب إبعاده عن هذه المخلفات البالية، ويجب شحنه برجال لهم عقول ناضرة تعرف ما يقدم الإسلام وما يفتقر إليه الناس.
وكما تراجعت خيالات الفلسفة النظرية أمام تقدم العقل العلمي وأمام انتقال العلم بالتطبيق إلى المصانع، وارتقاء الحضارة المادية إلى آفاق أخرى، كما حدث ذلك تراجعت تقاليد كثيرة أمام الدراسات النفسية والقانونية والاجتماعية التي تجتاح العالم كله، وهنا أصيح بصوت عال: لا يجوز الخلط بين تعاليم الإسلام والتقاليد التي تسود بلدًا ما، إن للناس تقاليد ألبسوها الزي الإسلامي وهي من عند أنفسهم وليست من عند الله، والدعوة إلى هذه التقاليد على أنها المنهج الإسلامي جهل قبيح! فمصادر الإسلام معروفة، وميزانه في الحلال والحرام حساس، والأمم التي دخلت فيه كثيرة، وتاريخ تقلب بين مد وجزر، وفقهاؤه المجتهدون تعرّضوا للصواب والخطأ، وحكامه على اختلاف الأيام والدول فيهم من أحسن وفيهم من أساء، وقد بقي الكتاب الكريم معصومًا لا ترقى إليه ريبة، ولم يلق تراث بشر من العناية ما لقيه تراث محمد عليه الصلاة والسلام.
ويعني ذلك أن نتحرى في ميدان الدعوة، فلا نصد عن سبيل الله بأمر نحسبه من مسلمات الدين وليس كذلك، أو من فرائضه وهو إن عد من النوافل فعلى سبيل الإغماض والتجوّز.