ولست أقرر جديدا فى هذا الميدان ، والذى أرانى مضطرا إلى التنبيه إليه هو ضرورة العناية القصوى بالقرآن نفسه، فان ناسا أدمنوا النظر فى كتب الحديث واتخذوا القرآن مهجورا، فنمت أفكارهم معوجة، وطالت حيث يجب أن تقصر، وقصرت حيث يجب أن تطول ، وتحمسوا حيث لا مان للحماس، وبردوا حيث تجب الثورة! نعم من هؤلاء من ظن الأفغانيين من أتباع أبى حنيفة لايقلون شرا عن الشيوعييين أتباع كارل ماركس ، لماذا ؟ لأنهم وراء امامهم لايقرءون فاتحة الكتاب (!).
والذهول عن المعانى الأولية والثانوية التى نضح بها الوحى المبارك لا يتم معه ولا يصح دين.. ذكر أبو داودحديثا واهيا جاء فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قل: قل رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لاتركب لبحر إلا حاجا أو معتمرا أو غازيا فى سبيل لاله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا" هذا الحديث الضعيف المردود خدع به الامام الخطابى، وعلل النهى عن ركوب البحر بأن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن هلاكه فى غالب الأمر ..! والكلام كله باطل، فقد قال المحققون : لابأس بالتجارة فى البحر ، وما ذكره الله تعالى فى القرآن إلا بحق. قال عز وجل :" وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"
إن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور فى إدراك معانيه القريبة أو الدقيقة عاهة نفسية وعقلية لا يداويها إدمان القراءة فى كتب السنة، فان السنة تجيء بعد القرآن، وحسن فقهها يجيىء من حسن الفقه فى الكتاب نفسه. وقد ذكر بن كثير أن الامام الشافعى ، قال:" كل ما حكم به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن" فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟
إن الوعى بمعانى القرآن وأهدافه يعطى الاطار العام للرسالة الاسلامية، ويبين الأهم فالمهم من التعاليم الواردة ويعين على تثبيت السنن فى مواضعها الصحيحة....
والانسان الموصول بالقرآن دقيق النظر إلى الأكوان ،خبير بازدهار الحضارات وانهيارها، نير الذهن بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، حاضر الحس بمشاهد القيامة وما وراءها، مشدود إلى أركان الأخلاق والسلوك ومعاقد الايمان، وذلك كاه وفق نسب لا يطغى بعضها على بعض وعندما يضم إلى ذلك السنن الصحاح مفسرة للقرآن ومتممة لهداياته فقد أوتى رشده.
والمسلم الذى يحترم دينه وأمته لايرى الصواب حكرا عليه فيما يعتنق من وجهات النظر! قد يرى الصمت وراء الامام عبادة ، ولكنه لايزدرى أو يخاصم من يرى القراءة عبادة! وقامت مذاهب كثيرة متحابة، حتى جاء من يرى فى الحديث رأيا، خطأ كان أم صوابا ثم يقول: هذا هو الدين، لا دين غيره!!
لقد خامرنى الخوف على مستقبل أمتنا لما رأيت مشتغلين بالحديث ينقصهم الفقه، يتحولون إلى أصحاب فقه ، ثم إلى أصحاب سياسة تبغى تغير المجتمع والدولة على نحو ما رووا ورأوا...!
إن أعجب ما يشين هذا التفكير الدينى الهابط هو أنه لايدرى قليلا أو كثيرا عن دساتير الحكم وأساليب الشورى وتداول المال وتظالم الطبقات، ومشكلات الشباب ومتاعب الأسرة وتربية الخلاق...
ثم هو لايدرى قليلا أوكثيرا عن تطويع الحياة المدنية وأطوار العمران لخدمة المثل الرفيعة والأهداف الكبرى التى جاء بها الاسلام
إن العقول الكليلة لا تعرف إلا القضايا التافهةن لها تهيج ، وبها تنفعل، وعليها تصالح وتخاصم! هززت رأسى أسفا وأنا أرمق مسار الدعوة الاسلامية !
إن الرسالة التى أستقبلها العالم قديما استقبال المقرور للدفء، واستقبال المعلول للشفاء هانت على الناس فلم يروا ما يستحق التناول ، وهانت على أهلها فلم يدروا منها ما يرفع خسيستهم ويحمى محارمهم ...!