وكان ذلك فى رمضان سنة ثمان من هجرة النبى صلى الله عليه وسلم الى المدينة ’ وسببها أن أناساً من بنى بكر ’ كلموا أشراف قريش فى أن يعينوهم على خزاعة بالرجال و السلاح ( وخزاعة كانت قد دخلت فى عهد المسلمين ) فأجابوهم الى ذلك ’ وخرج حشد من قريش متنكرين كتنقبين فيهم صفوان ابن أمية ’ وحويطب ابن عبد العزى ومكرز ابن حفص ’ فالتقوا مع بنى بكر فى مكان إسمه ( الوتير ) و بيتوا خزاعة ليلاً وهم مطمئنون آمنون ’ فقتلوا منهم عشرين رجلاً ’ وعندئذ خرج عمرو ابن سالم الخزاعى فى أربعين راكباً من خزاعة ’ فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم ’ فقام وهو يجر رداءه قائلاً :( لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب ’ مما أنصر منه نفسى ) وقال :( إن هذا السحاب ليستهل بنصر بنى كعب ).
وندمت قريش على ما بدر منها فأرسلت أبا سفيان ابن حرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجدد الهدنة ويماددها ’ وقدم أبو سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئاً فذهب الى أبى بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أنا بفاعل .
ثم أتى عمر ابن الخطاب فكلمه فقال : أأشفع لكم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ( و الذر صغار النمل ) .
وانطلق أبو سفيان عائداً الى مكة خائباً ’ لم يأت بشىء ! ’ وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخفى أمره ’ وقال :( اللهم خذ على أبصار قريش فلا يرونى إلا بغتة ) .
ولما أجمع النبى صلى الله عليه وسلم المسير كتب حاطب ابن أبى بلتعة الى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين ’ قال علىّ رضى الله عنه : فبعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا و الزبير ’ و المقداد فقال إنطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ’ فإن بها ظعينة ( إمرأة ) معها كتاب فخذوه منها ’ قال فانطلقنا تعادى بنا خيلنا ’ حتى أتينا الروضة ’ فإذا نحن بالظعينة ’ قلنا لها أخرجى الكتاب ’ قالت : ما معى كتاب ’ فقلنا : لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب ’ قال : فأخرجته من عقاصها ’ فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فإذا فيه : من حاطب ابن أبى بلتعة الى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا ؟ قال : يا رسول الله لا تعجل علىّ ’ إنى كنت إمرأً ملصقاً فى قريش- أى كنت حليفاً لهم ولست منهم - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ’ فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم ’ أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتى ’ ولم أفعله إرتداداً عن دينى ولا رضى بالكفر بعد الإسلام ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه قد صدقكم ’ فقال عمر : يا رسول الله دعنى أضرب عنق هذا المنافق ’ فقال : إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله إطلع على من شهد بدراً فقال : إعملوا ما شئتم قد غفرت لكم ’ فأنزل الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) الآيات الى قوله تعالى : فقد ضل سواء السبيل .
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة كلثوم ابن حسين ’ وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ’ وأرسل النبى صلى الله عليه وسلم الى من حوله من العرب : أسلم وغفار ومزينة ’ وجهينة وغيرهم ’ فالتقى كلهم فى الظهران - مكان بين مكة و المدينة - وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف ’ ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشاً بعد ’ ولكنهم كانوا يتوقعون أمراً بسبب فشل أبى سفيان فيما جاء به الى المدينة ’ فأرسلوا أبا سفيان ’ وحكيم ابن حزام ’ وبديل ابن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون ’ حتى دنوا الى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة ’ فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران ’ إذ رآهم أناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان .
قال ابن اسحاق : يروى عن العباس تفصيل إيمان أبو سفيان : فلما أصبح غدوت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحك يا ابا سفيان ’ ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال : بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! ’ والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنى شيئاً بعد ’ وقال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ قال : بأبى أنت و أمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ’ أما هذه والله فإن فى النفس منها حتى الآن شيئاً ’ فقال له العباس : ويحك ّ ... أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن تضرب عنقك ’ قال : فشهد شهادة الحق فأسلم .
قال العباس : فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ’ قال : نعم ’ من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ’ ومن أغلق بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن .
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير مقبلاً الى مكة ’ قال للعباس : إحبس أبا سفيان بمضيق الوادى حتى تمر به جنود الله فيراها ’ قال : فخرجت حتى حبسته عند مضيق الوادى حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه ’ ومرت القبائل عليها راياتها ’ كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه ؟ فأقول : سليم فيقول مالى وسليم ؟ ...وهكذا ’ حتى مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتيبة فيها المهاجرين و الأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ’ فقال : سبحان الله يا عباس ’ من هؤلاء ؟ قلت هذا رسول الله فى المهاجرين و الأنصار ! ... قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ’ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ! .. فقال : يا أبا سفيان إنها النبوة ’ قال : فنعم إذن .
ثم قال له العباس : النجاة الى قومك ! .. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول الله وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ’ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن . فأقبلت إليه إمرأته هند بنت عتبة ’ فأخذت بشاربه وهى تقول : اقتلوا الحميت الدمس الأحمس ’ قبح من طليعة قوم ! فقال : ويلكم لاتغرنكم هذه من نفوسكم ’ فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ’ قالوا قاتلك الله ’ وما تغنى عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس الى دورهم وإلى المسجد .
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعد ابن عبادة قال لأبى سفيان عندما رآه فى مضيق الوادى ’ اليوم يوم الملحمة ’ اليوم تستحل الكعبة ’ فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا ’ وقال : بل اليوم يوم المرحمة ’ اليوم يعظم الله الكعبة ’ وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ’ إلا ستة رجال وأربعة نسوة ’ أمر بقتلهم حيثما وجدوا ’ وهم : عكرمة ابن أبى جهل ’ وهبّار ابن الأسود ’ وعبد الله ابن أبى سرح ’ ومقيس ابن صبابة الليثى ’ والحويرث ابن نقيد ’ وعبد الله ابن هلال ’ وهند بنت عتبة ’ وسارة مولاة عمرو ابن هشام ’ وفرتنى وقرينة ( وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبى صلى الله عليه وسلم ) .
ودخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها ( كداء ) وأمر خالد ابن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها ( كدى ) ’ فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ولم يجد أحد منهم مقاومة ’ إلا خالد ابن الوليد فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة ابن أبى جهل وصفوان ابن أمية ’ فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش ’وأربعة نفر من هذيل ’ ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بارقة السيوف من بعيد ’ فأنكر ذلك ’ فقيل له : إنه خالد قوتل فقاتل ’ فقال : ( قضاء الله خير ) .
روى ابن اسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر و الحاكم عن أنس ’ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما إنطوى الى ذى طوى وقف على راحلته معتجراً ( متعمماً ) بشقة بردة حبرة ’ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله ’ حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ’ حتى إن عنثونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وروى البخارى عن معاوية ابن قرة قال : سمعت عبد الله ابن مغفل يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ’ يرجع ’ وقال لولا أن يجتمع الناس حولى لرجعت كما رجع .
ودخل صلى الله عليه وسلم مكة متجهاً الى البيت ’ وحوله ثلاثمائة وستون صنماً ’ فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود فى يده ’ وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ’ جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد . وكان فى جوف الكعبة ايضاً آلهة ’ فأبى أن يدخل وفيها الآلهة ’وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل فى أيديهما الأزلام ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم ’ قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ’ ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت وخرج ولم يصل فيه .
وكان قد أمر عثمان ابن طلحة ( وهو من حجبة البيت ) أن يأتيه بالمفتاح ’ فجاءه به ففتح البيت ’ ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم البيت ’ ثم خرج فدعا عثمان ابن طلحة فدفع إليه المفتاح ’ وقال : خذوها خالدة مخلدة ’ إنى لم أدفعها إليكم ( أى حجابة البيت ) ولكن الله دفعها إليكم ’ ولا ينزعها منكم إلا ظالم ’ يشير بذلك الى قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها ) .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يلالاً فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة ’ وأقبل الناس كلهم يدخلون فى دين الله أفواجاً .
قال ابن اسحاق : وأمسك النبى صلى الله عليه وسلم بعضادتى باب الكعبة وقد إجتمع الناس من حوله ما يعلمون ماذا يفعل بهم ’ فخطب فيهم قائلاً : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ’ صدق وعده ونصر عبده ’وهزم الأحزاب وحده ’ ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى تحت قدمىّ هاتين ’ إلا سدانة البيت و سقاية الحاج ... ’ يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ’ الناس من آدم ’ وآدم من تراب ’ وتلا قول الله تعالى :( يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ’ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ’ ثم قال : يا معشر قريش : ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ’ أخ كريم وابن أخ كريم ’ فقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء .
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة كلثوم ابن حسين ’ وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ’ وأرسل النبى صلى الله عليه وسلم الى من حوله من العرب : أسلم وغفار ومزينة ’ وجهينة وغيرهم ’ فالتقى كلهم فى الظهران - مكان بين مكة و المدينة - وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف ’ ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشاً بعد ’ ولكنهم كانوا يتوقعون أمراً بسبب فشل أبى سفيان فيما جاء به الى المدينة ’ فأرسلوا أبا سفيان ’ وحكيم ابن حزام ’ وبديل ابن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون ’ حتى دنوا الى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة ’ فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران ’ إذ رآهم أناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان .
قال ابن اسحاق : يروى عن العباس تفصيل إيمان أبو سفيان : فلما أصبح غدوت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحك يا ابا سفيان ’ ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟ قال : بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! ’ والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عنى شيئاً بعد ’ وقال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله ؟ قال : بأبى أنت و أمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ’ أما هذه والله فإن فى النفس منها حتى الآن شيئاً ’ فقال له العباس : ويحك ّ ... أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن تضرب عنقك ’ قال : فشهد شهادة الحق فأسلم .
قال العباس : فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ’ قال : نعم ’ من دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ’ ومن أغلق بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن .
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير مقبلاً الى مكة ’ قال للعباس : إحبس أبا سفيان بمضيق الوادى حتى تمر به جنود الله فيراها ’ قال : فخرجت حتى حبسته عند مضيق الوادى حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه ’ ومرت القبائل عليها راياتها ’ كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه ؟ فأقول : سليم فيقول مالى وسليم ؟ ...وهكذا ’ حتى مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتيبة فيها المهاجرين و الأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ’ فقال : سبحان الله يا عباس ’ من هؤلاء ؟ قلت هذا رسول الله فى المهاجرين و الأنصار ! ... قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ’ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ! .. فقال : يا أبا سفيان إنها النبوة ’ قال : فنعم إذن .
ثم قال له العباس : النجاة الى قومك ! .. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول الله وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ’ هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن . فأقبلت إليه إمرأته هند بنت عتبة ’ فأخذت بشاربه وهى تقول : اقتلوا الحميت الدمس الأحمس ’ قبح من طليعة قوم ! فقال : ويلكم لاتغرنكم هذه من نفوسكم ’ فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ’ فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ’ قالوا قاتلك الله ’ وما تغنى عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ’ ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس الى دورهم وإلى المسجد .
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعد ابن عبادة قال لأبى سفيان عندما رآه فى مضيق الوادى ’ اليوم يوم الملحمة ’ اليوم تستحل الكعبة ’ فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا ’ وقال : بل اليوم يوم المرحمة ’ اليوم يعظم الله الكعبة ’ وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ’ إلا ستة رجال وأربعة نسوة ’ أمر بقتلهم حيثما وجدوا ’ وهم : عكرمة ابن أبى جهل ’ وهبّار ابن الأسود ’ وعبد الله ابن أبى سرح ’ ومقيس ابن صبابة الليثى ’ والحويرث ابن نقيد ’ وعبد الله ابن هلال ’ وهند بنت عتبة ’ وسارة مولاة عمرو ابن هشام ’ وفرتنى وقرينة ( وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبى صلى الله عليه وسلم ) .
ودخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها ( كداء ) وأمر خالد ابن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها ( كدى ) ’ فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ولم يجد أحد منهم مقاومة ’ إلا خالد ابن الوليد فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة ابن أبى جهل وصفوان ابن أمية ’ فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش ’وأربعة نفر من هذيل ’ ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بارقة السيوف من بعيد ’ فأنكر ذلك ’ فقيل له : إنه خالد قوتل فقاتل ’ فقال : ( قضاء الله خير ) .
روى ابن اسحاق عن عبد الله ابن أبى بكر و الحاكم عن أنس ’ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما إنطوى الى ذى طوى وقف على راحلته معتجراً ( متعمماً ) بشقة بردة حبرة ’ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله ’ حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ’ حتى إن عنثونه ليكاد يمس واسطة الرحل . وروى البخارى عن معاوية ابن قرة قال : سمعت عبد الله ابن مغفل يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح ’ يرجع ’ وقال لولا أن يجتمع الناس حولى لرجعت كما رجع .
ودخل صلى الله عليه وسلم مكة متجهاً الى البيت ’ وحوله ثلاثمائة وستون صنماً ’ فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود فى يده ’ وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ’ جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد . وكان فى جوف الكعبة ايضاً آلهة ’ فأبى أن يدخل وفيها الآلهة ’وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل فى أيديهما الأزلام ’ فقال النبى صلى الله عليه وسلم ’ قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ’ ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت وخرج ولم يصل فيه.
وكان قد أمر عثمان ابن طلحة ( وهو من حجبة البيت ) أن يأتيه بالمفتاح ’ فجاءه به ففتح البيت ’ ثم دخل النبى صلى الله عليه وسلم البيت ’ ثم خرج فدعا عثمان ابن طلحة فدفع إليه المفتاح ’ وقال : خذوها خالدة مخلدة ’ إنى لم أدفعها إليكم ( أى حجابة البيت ) ولكن الله دفعها إليكم ’ ولا ينزعها منكم إلا ظالم ’ يشير بذلك الى قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها ) .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يلالاً فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة ’ وأقبل الناس كلهم يدخلون فى دين الله أفواجاً .
قال ابن اسحاق : وأمسك النبى صلى الله عليه وسلم بعضادتى باب الكعبة وقد إجتمع الناس من حوله ما يعلمون ماذا يفعل بهم ’ فخطب فيهم قائلاً : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ’ صدق وعده ونصر عبده ’وهزم الأحزاب وحده ’ ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى تحت قدمىّ هاتين ’ إلا سدانة البيت و سقاية الحاج ... ’ يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ’ الناس من آدم ’ وآدم من تراب ’ وتلا قول الله تعالى :( يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ’ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ’ ثم قال : يا معشر قريش : ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً ’ أخ كريم وابن أخ كريم ’ فقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء .
رابعاً:- تأملات فى كيفية دخوله صلى الله عليه وسلم الى مكة :
1- لقد رأينا فيما يرويه البخارى عن عبد الله ابن مغفل أنه صلى الله عليه وسلم كان وهو على مشارف مكة يقرأ سورة الفتح ’ يرجّع فى تلاوته لها ’ والترجيع كيفية فى القراءة يترنم بها القارىء ’ وهذا يدل كما نرى أنه صلى الله عليه وسلم كان مستغرقاً فى حالة شهود مع الله تعالى أثناء دخوله مكة ’ فما كانت لنشوة النصر و الظفر العظيم الى نفسه من سبيل ولم يكن شىء من التعاظم أو التجبر ليستولى على شىء من مشاعره ’ إنما هو الإنسجام التام مع شهود الله تعالى و الشكر على نصره وتأييده . ويزيد فى تصوير هذا المعنى ما رواه ابن اسحاق من أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل الى ذى طوى كان يضع راسه تواضعاً لله ’ حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ’ حتى أن عنثونه ليكاد يمس واسطة الرحل ’ وهذا يعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان مندمجاً فى حالة من العبودية التامة لله تعالى إذ رأى ثمرة القيام بأمر ربه ’ ونظر الى نتيجة كل ما قد كان لقيه من العذاب من قومه ’ وكيف أن الله تعالى أعاده الى البلد التى أخرجته عزيزاً منصوراً مكرماً !.. إنها الساعة التى ينبغى أن تمتلىء بشكر الله تعالى وحده ’ و ينبغى أن يفيض الزمن كله بمعنى العبودية التامة لله تعالى .
وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائماً : عبودية مطلقة لله فى السراء و الضراء ’فى الرخاء و الشدة ’ عند الضعف و القوة ’ وليس من شأن المسلين إطلاقاً ’ أن يتظاهروا بالذل لله تعالى كلما حاقت بهم مصيبةأو كرب ’ حتى إذا إنكشف الكرب وزال الضر ’ أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شىء ’ ومرّوا من جانب أوامر اله تعالى وأحكامه ساهين لا هين ’ كأن لم يدعوه الى ويتذللوا غليه فى كشف ضر مسّهم !..
2- يدلنا أيضا هذا الذى رواه البخارى على مشروعية الترنم و التغنى بقراءة القرآن وهو المعنىى الذى عبر عنه عبد الله ابن المغفل بالترجيع ’ وهو الحق الذى عليه عامة العلماء من الشافعية و الحنفية وكثير من المالكية وغيرهم . ولقد حمل هؤلاء الأئمة ما روى عن كثير من الصحابة و التابعين مما يدل علىالنهى عن التطريب و التغنى فى تلاوة القرآن ’ على التطريب الذى يطغى على سلامة الأداء ويذهب بالحروف و الكلمات عن مخارجها العربية الصحيحة ’ إذ أن مثل هذه التلاوة غير جائزة بإتفاق .
3- لقد كان التدبير الحكيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ما أمر به أصحابه من أن يتفرقوا فى مداخل مكة ’ فلا يدخلوها من طريق ومدخل واحد ’ وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة إن أرادوا ذلك إذ يضطرون الى تشتيت جماعاتهم وتبديد قواهم فى جهات مكة وأطرافها فتضعف لديهم أسباب المقاومة و مغرياتها .
وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ’ حقناً للدماء ما أمكن ’ وحفظاً لمعنى السلامة والأمن فى البلدة الحرام ’ ومن أجل هذا أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم وأعلن أن من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن .
خامساً :- ما اختص به الحرم المكى من الأحكام :
1- حرمة القتال فيه :
لقد رأينا أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه عن قتال أحد ’ إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال ’ و إلا ستة أنفار أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهم اينما وجدوا .
ولقد رأينا انه صلى الله عليه وسلم أنكر على خالد ابن الوليد قتاله لبعض اهل مكة حينما راى بارقة السيوف على بعد ’ فقيل له إنه قوتل فقاتل ’ فقال : قضاء الله خير ’ ولم يقع فيما عدا ذلك قتال فى مكة كما رأينا أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما خطب به الناس يوم الفتح : إن مكة حرمها الله ’ ولم يحرمها الناس ’ لا يحل لإمرىء يؤمن بالله و اليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد به شجراً ’ فإن ترخص فى قتال فيها فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ’ وإنما أذن له ساعة من نهار ’ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس .
وقد أخذ العلماء من هذا أنه لا يجوز القتال فى مكة وما يتبعها من الحرم ’ وهو صريح أمر النبى صلى الله عليه وسلم فى خطبة يوم الفتح ’ ولكنهم بحثوا بعد هذا ’ فى كيفية تطبيق هذا الأمر ’ وسبيل التوفيق بينه وبين النصوص التى تأمر بقتال المشركين و البغاة وقتل من ثبت عليهم القصاص ’ فقالوا : أما المشركون و الملحدون فلا يتصور أن تقع المشكلة بالنسبة لقتالهم ’ فقد ثبت شرعاً أنه لا يجوز شرعاً تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الإستيطان بمكة ’ بإتفاق الأئمة ’ بل ومن مجرد الدخول إليها عند الشافعية وكثير من المجتهدين ’ وذلك لقول الله تعالى :( إنما المشركون نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) وعلى من فيها أن يقاتلوا هؤلاء قبل وصولهم إليها و الدخول فيها ’ هذا الى أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ حرمه من أن يدنس بإقامة أى كافر أو مشرك فيه ’ وذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا الدين الذى يتجلى فى صدق الوعد الذى جاء فى كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
وأما البغاة : - وهم الذين يعلنون البغى على الإمام الصالح - فقد ذهب جمهور من الفقهاء الى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن بغيهم إلا بالقتال ’ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التى لا يجوز إضاعتها ’ فحفظها أولى فى الحرم من إضاعتها ’ قال النووى : وهذا الذى نقل عن الجمهور هو الصواب وقد نص عليه الشافعى فى كتاب إختلاف الحديث .
قال الشافعى : ويجاب عما يقتضيه ظاهر الحديث من منع القتال مطلقاً ( أى حتى للبغاة ) بأن القتال المقصود بالتحريم إنما هو نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره ’ إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك ’ وأما إذا تحصن الكفار فى بلد آخر فإنه يجوز قتالهم حينئذ على كل وجه وبكل شكل.
وذهب بعض الفقهاء الى أنه يحرم قتال البغاة بل يضيق عليهم فى كل الوجوه حتى يضطروا الى الخروج من الحرم أو الرجوع الى الطاعة .
وأما إقامة الحدود : فقد ذهب الإمام مالك و الشافعى إلى أن الحدود تقام فى الحرم المكى ’ لما رواه البخارى من أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :( إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بخربة ) .
وذهب ابو حنيفة - وهو رواية عن أحمد - إلى أنه آمن ما دام فى الحرم ولكن يضيق عليه ويضطر الى الخروج منه ’ حتى إذا خرج استوفى منه الحد أو القصاص ’ ودليل هؤلاء عموم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الزركشى : فوجه الخصوصية إذاً للحرم المكى ’ إن الكفار و البغاة لو تحصنوا بغير مكة من البلدان الأخرى جاز نصب حرب عامة شاملة عليهم على أى وجه وبأى شكل تقتضيه المصلحة ’ ولكنهم لو تحصنوا بها لم يجز قتالهم على ذلك الوجه ’ قلت : هذا الى جانب أن الله تعالى تعهد بأن يكون هذا الحرم موئلاً ومثابة للمسلمين وحدهم ’ وإذا كان الواقع كذلك ففيم يقوم سبب القتال فيه إذاً اللهم إلا إقامة الحدود ورد البغى وقد عرفت حكم كل منهما .
2- تحريم صيده :
وهذا ثابت بالإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه : لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ’ فإذا حرم التنفير فالإتلاف أولى ’ فإن أصاب صيداً فيه وجب عليه إرساله ’ وإن تلف فى يده ضمنه بالجزاء كالمحرم ’ ويستثنى من عموم الحيوانات خمسة أصناف استثناها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عموم المنع وسماها الفواسق : الغراب و الحدأة ’ و العقرب ’ و الفأرة ’ و الكلب العقور ’ وقد قاس عليها العلماء ما يشاركها فى صفة الإيذاء من الحيوانات الأخرى كالحية و السباع الضارية .
3- تحريم قطع شىء من نباته :
ودليله قول الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحديث السابق : لا يعضد شوكه ’ وضابط ذلك قطع كل نبات أنبته الله تعالى دون أن يغرسه أحد من الناس ما دام رطباً ’ فلا يحرم ما غرسه الآدميون ’ كما لا يحرم فيه ذبح الأنعام ’ واسترعاء خلاه ونباته وقطع ما يبس من أشجاره و أعشابه ’ وروى الزركشى عن أبى حنيفة وأحمد منع رعى البهائم فى الحرم ’ واستثنى الجمهور من عموم النباتات ما كان مؤذياً منها قياساً علىالفواسق الخمسة التى إستثناها صلى الله عليه وسلم ’ فهو من قبيل تخصيص النص بالقياس .
4- وجوب دخوله محرماً :
فمن قصد مكة - أو قصد شيئاً من حرمه كما قال النووى - وكان ممن لا يتكرر دخوله كالتجار و الحطابين ’ ومن تجبرهم مهنتهم على إستمرار الدخول الى الحرم و الخروج منه ’ أنه عليه أن لا يدخل إلا محرماً بحج أو عمرة . وقد إختلف العلماء هل يتعلق الطلب بذلك وجوباً أم ندباً ؟
المشهور عن الأئمة الثلاثة وهو المفتى به عند الحنفية و المروى عن ابن عباس أن الطلب على سبيل الوجوب ’ وذهب جمهور الشافعية إلى أنه على سبيل الندب . وسبب الخلاف أن النبى صلى الله عليه وسلم حينما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرماً بدليل ما رواه مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام .
فالذين قالوا إن الإحرام مندوب استدلوا بهذا الحديث ’ والذين صححوا الوجوب ’ قالوا إن النبى صلى الله عليه وسلم دخل خائفاً من غدر الكفار فكان متهيأ لقتال من سيقاتله منهم وهى من الحالات التى تستثنى من عموم حالات الوجوب .
5- حرمة تمكين غير المسلمين من الإقامة فيه :
وقد أوضحنا هذا الحكم مع بيان دليله عند ذكر الحكم الأول ’ وهو حرمة القتال فيه .
سادساً :- تأملات فيما قام به صلى الله عليه وسلم من أعمال عند الكعبة المشرفة :
1- الصلاة داخل الكعبة : ذكرنا ما رواه البخارى عن ابن عباس من أنه صلى اله عليه وسلم لم يدخل البيت حتىأخرج ما كان فيه من أصنام ’ وأخرجت صورة لإبراهيم وإسماعيل وفى أيديهما الأزلام ... ثم دخل البيت فكبر فى نواحيه ولم يصل .
وقد روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان ابن طلحة الحجى ’ فأغلقها عليه ثم مكث فيها ’ قال ابن عمر : فسألت بلالاً حين خرج ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : جعل عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه- وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة - ثم صلى ’ وقد روى البخارى عن ابن عمر قريباً من هذا .
وقد قال العلماء إنه لا تعارض بين الحديثين ’وذلك لأن ابن عباس - وهو راوى حديث عدم الصلاة - لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة ’ وإنما أسند نفى الصلاة - كما يقول ابن حجر - تارة الى اسامة وتارة الى أخيه الفضل ’ على أن الفضل أيضاً لم يكن معهم فى الكعبة ’ أما بلال وهو الذى نقل ثبوت الصلاة فقد كان مع النبى صلى الله عليه وسلم وبناءاً على هذا ينبغى أن أن يقدم حديث ابن عمر عن بلال لسببين :
الأول :- أنه مثبت فمعه زيادة علم ’والمثبت مقدم على المنفى .
الثانى :- أن رواية بلال عن تثبت ومشاهدة لأنه كان معه صلى الله عليه وسلم فى داخل الكعبة ’ أما رواية ابن عباس فهى كما علمت إنما تستدل الى نقل لا مشاهدة ’ وهو مرة ينقل عن أسامة ومرة ينقل عن أخيه الفضل ’ والفضل لم يكن موجوداً معه صلى الله عليه وسلم .
قال النووى : أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال ’ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه .
وقد ذهب الشافعى وأحمد وأبو حنيفة وجمهور العلماء الى أن الصلاة تصح فى داخل الكعبة إذا اتجه المصلى الى أحد جدرانها ’ سواء فى ذلك النافلة والفريضة ’ وفرق مالك فصحح النفل المطلق دون الفرض و الرواتب .
2- حكم التصوير واتخاذ الصور :
وقد رأيت فيما نقلناه من حديث البخارى نفسه أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أخرج كل ما فيها من صور وأصنام وقد روى أبو داود عن جابر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر عمر ابن الخطاب ’ وهو بالبطحاء ’أن يأتى الكعبة فيمحو كل صورة فيها ’ فلم يدخلها حتى محيت الصور ’ وقد روى البخارى فى كتاب الحج عن أسامة أنه صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فرأى صورة إبراهيم ’ فدعا بماء فجعل يمحوها .
وهذه الأحاديث فى مجموعها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ’ أمر بالرسوم المخطوطة على الجدران فمحيت ’ كما أمر بالصور المجسمة القائمة فى جوفها فأخرجت ’ويبدو أنه حينما دخل بعد ذلك وجد آثاراً لتلك الرسوم على بعض الجدران فدعا بماء وجعل يبالغ فى حتها ومحوها . وهذا يدل بوضوح على حكم الإسلام فى حق التصوير و الصور المجسمة و غير المجسمة ’ ولننقل لك من ذلك نص الإمام النووى رحمه الله تعالى فى شرحه على صحيح مسلم قال :( قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : تصوير صورة الحيوان حرام شديد الحرمة ’ وهو من الكبائرلأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور فى الأحاديث ’ وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره ’ فصنعته حرام على كل حال ’ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى ’ وسواء ما كان فى ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها ) .
أما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان ’ فليس بحرام . هذا حكم نفس التصوير . وأما حكم اتخاذ المصوّر فيه صورة حيوان ’ فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك ’ مما لا يعد ممتهناً فحرام . وإن كان فى بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام ’ ولكن هل يمنع دخول الملائكة الرحمة ذلك البيت ؟ فيه كلام نذكره فيما بعد إن شاء الله ’ ولا فرق فى هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له . هذا تلخيص مذهبنا فى هذه المسألة .
وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة و التابعين ومن بعدهم ’ وهو مذهب الثورى ومالك وأبو حنيفة وغيرهم ’ وقال بعضهم : إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصورة التى ليس لها ظل ’ وهذا مذهب باطل ’ فإن الستر الذى أنكر النبى صلى الله عليه وسلم الصور فيه ’ لا يشك أحد أنه مذموم ’ وليس لصورته ظل ’ مع باقى الأحاديث المطلقة فى كل صورة ) .
ثم قال رحمه الله تعالى :( وأجمعوا على منع ما كان له ظل ’ ووجوب تغييره ’ قال القاضى إلا ما ورد فى لعب البنات : اللعب لصغار البنات ففى ذلك رخصة ) .
قلت : ويستشكل الناس فى حكم الصور الفوتوغرافية اليوم ’ هل هى فى حكم الرسوم و الصور التى ترسم وتخطط بمهارة اليد ’ أم لها حكم آخر .
وقد فهم بعضهم من علة حرمة التصوير التى ذكرها الإمام النووى فيما نقلناه من كلامه ’ أ، التصوير الفوتوغرافى ليس فى حكم الرسم باليد ’ إذ العمل الفوتوغرافى لا يقوم على أى مهارة فى الصنعة أو اليد ’ بحيث تتجلى فيها محاولةة المضاهاة بخلق الله تعالى ’ إذ هو يقوم على تحريك بسيط لناحية معينة فى جهاز التصوير ’ يتسبب عنه انحباس الظل فى داخله بواسطة أحماض معينة ’ وهى حركة بسيطة يستطيع أن يقوم بها أى طفل صغير ’ والحق أنه لا ينبغى أن تكلف أى فرق بين أنواع التصوير المختلفة حيطة فى الأمر ’ونظراً لإطلاق لفظ الحديث .
هذا فيما يتعلق بالتصوير ’ أما الإتخاذ فلا فرق بين الفوتوغرافى و غيره .
ولكن مهما يكن فإن لنوع الصور أثراً فى الحكم على التصوير واتخاذه ’ فإن كان الشىء المصور من قبيل المحرمات كصور النساء وما شابه ذلك فهو محرم ولا شك ’ وإن كان مما تدعو المصلحة والحاجة الى تصويره فربما كانت فى ذلك رخصة ’ والله أعلم .
ثم إنه ربما يعجب البعض من الناس اليوم من أن يكون التصوير أو النحت محرماً فى الإسلام مع أنهما يعدان من المقومات الفنية الكبرى لدى سائر الأمم المتحضرة فى هذا العصر ’ وسر العجب عند هؤلاء الناس ’ أنهم يتوهمون الإسلام متفقاً مع هذه الحضارة الغربية اليوم ’وإنما يخالف منها هذه المظاهر الجزئية فيعجبون للتناقض ’ مع أن الإسلام حينما لا يقر هذه المظاهر من الفن ويحرمها فإنما ذلك لأن للإسلام منطلقاً حضارياً آخر مستقلاً بذاته لا يتفق ومنطلقات هذه الحضارة التى فرضت نفسها علينا من نافذة التقليد الأعمى ’ ولم تتقدم إلينا عن طريق المحاكمة العقلية الصافية ’ فهم يحتجون على الإسلام باسم الفن ’ مع أن للفن فى الحكم الإسلامى مضموناً آخر غير هذا المضمون الذى تلقيناه من فلسفة أخرى لا شأن لها بعقيدتنا .
3- حجابة البيت :
وبناءاً على ما ذكرناه من أنه صلى الله عليه وسلم أعاد مفتاح البيت الى عثمان ابن طلحة وقال له : خذوها خالدة مخلدة - يقصد بنى عبد الدار وبنى شيبة - لا ينزعها منكم إلا ظالم ’ فقد ذهب عامة العلماء الى أنه لا يجوز لأحد أن ينتزع حجابة البيت وسدانته منهم الى يوم القيامة ’ قال النووى نقلاً عن القاضى عياض : هى ولاية لهم عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبداً ’ ولا ينازعون فيها ولا يشاركون ما داموا موجودين صالحين لذلك ’ أقول : وهى لا تزال اليوم فى أيديهم طبق وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره .
4- تكسير الأصنام :
وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله ’ إذ كان يطعن تلك الآلهة المزيفة المنثورة حول الكعبة بعصاً معه ’ وهو يقول : جاء الحق وزهق الباطل ’ جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد ’ وقد روى ابن اسحاق وغيره أن كل صنم منها كان ينكفىء على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذاً !.. ولماذا لا تنقلب لإشارته صلى الله عليه وسلم ولا تتكسر ’ وقد قلب الله جبروت قريش خضوعاً له وذلاً ’ وجعل مكة كلها وبمن فيها تدين للدين الذى جاء به وتذعن للحق الذى نادى به !!..
سابعاً :- تأملات فى خطابه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح :
والآن .... ها هى ذى مكة البلدة التى هاجر منها قبل ثمان سنوات ’ خاضعة له مؤمنة برسالته وهديه ’ وها هم أولاء الذين طالما ناصبوه العداء ة وساموه أصناف الأذية و العذاب ’ مجتمعون حوله فى خشوع وترقب وإطراق ’ فما الذى سيقوله لهم اليوم ؟
إن عليه قبل كل شىء أن يبدأ بالثناء على ربه الذى نصره وأيده وصدق وعده ’ وهكذا استفتح خطابه بقوله : لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعهده ونصر عبده ’ وهزم الأحزاب وحده ’ ثم عليه بعد ذلك أن يعلن أمام قريش وغيرهم من سائر الناس عن المجتمع الجديد وشعاره الذى يتجلى فى قوله تعالى :( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ,إذاً فلتدفن تحت الأقدام المسلمين بقايا تلك الشعارات الجاهلية العتيقة العفنة ’ من التفاخر بالآباء و الأجداد ’ والتباهى بالقومية و القبلية و العصبية ’والإعتداد بفوارق الشكل و الغة والأنساب فالناس كلهم لآدم ,ىدم من تراب .
لقد طويت منذ اللحظة جاهلية قريش ’ فلتطو معها سائر عاداتها وتقاليدها ’ ولتدفن فى غيهب الماضى الذى أدبر ’ ولتغتسل قريش من بقايا أدرانها لتنضم الى القافلة وتسير مع الركب .... فإن الموعد عما قليل هناك ... عند إيوان كسرى ’ وداخل بلاد الروم ’وإن مكة ستصبح بعد اليوم مشرق حضارة ومدنية جديدتين تلبس منهما الدنيا كلها حلة من السعادة الإنسانية الشاملة ’وهكذا دفنت فعلاً فى تلك الساعة بقايا المآثر الجاهلية تحت الأقدام ’ وبايعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ’ على أنه لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى ’ وعلى أنه لا تعاظم إلا بحلة الإسلام ولا مباهاة إلا بالتمسك بنظامه ’ وبناء على ذلك ملّكهم الله زمام العالم وأخضع لهم الدنيا .
فاعجب بعد ذلك لجيفة منتنة تبعث اليوم من رمثها بعد مضى أربعة عشر قرناً على موتها ودفنها ! ..
ثامناً :- بيعة النساء وما يتعلق بها من أحكام :
نأخذ منها ما يلى :
أولاً :- اشتراك المرأة مع الرجل - على أساس المساواة التامة - فى جميع المسؤوليات التى ينبغى أن ينهض بها المسلم ’ ولذلك كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهنّ العهد بالعمل على إقامة المجتمع المسلم بكل الوسائل المشروعة الممكنة ’ كما يأخذ العهد فى ذلك على الرجال ’ ليس بينهما فرق ولا تفاوت .
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شئون دينها ’ كما يتعلم الرجل ’وأن تسلك كل السبل المشروعة الممكنة الى التسلح بسلاح العلم والوعى و التنبه الى مكامن الكيد و اساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به ’ حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذى قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذى فى عنقها ’ وواضح أن المرأة تستطيع أن تنهض بشىء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة الى أساليب الكيد الأجنبى من حولها .
ثانياً:- علمت مما ذكرناه من كيفية بيعة النساء للنبى صلى الله عليه وسلم ’ أن بيعتهنّ إنما كانت بالكلام فقط من غير أخذ الكف ’ وذلك على خلاف بيعة الرجال ’ فدلّ ذلك على أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة إمرأة اجنبية عنه ’ ولا أعلم خلافاً فى ذلك عند علماء المسلمين ’ اللهم إلا أن تدعو ضرورة لذلك كتطبيب وفصد وقلع ضرس ونحو ذلك .
وليس من الضرورى شيوع العرف بمصافحة النساء ’ كما قد يتوهم البعض ’ فليس للعرف سلطان فى تغيير الأحكام الثابتة بكتاب الله وسنة رسول الله إلا حكم كان قيامه من أصله بناء على عرف شائع ’ فإن تبدل ذلك العرف من شأنه أن يؤثر فى تغيير ذلك الحكم ’ إذ هو فى أصله حكم شرطى مرهون بحالة معينة ’ وليس موضوع البحث من هذا فى شىء .
ثالثاً :- دلت أحاديث البيعة التى ذكرناها على أن كلام الأجنبية مباح سماعه عند الحاجة ’ وأن صوتها ليس بعورة ’ وهو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية ’ وذهب بعض الحنفية الى أن صوتها عورة للأجنبى ’ وهم محجوبون فى ذلك بما صح من احاديث بيعته صلى الله عليه وسلم للنساء ’ واحاديث كثيرة أخرى .
تاسعاً :- هل فتحت مكة عنوة أم صلحاً ؟
اختلف العلماء فى ذلك ’ فذهب الشافعى وأحمد رضى الله عنهما وآخرون الى أنه دخلها صلحاً ’وكان الممثل لقريش فى هذا الصلح هو أبو سفيان ’ وكان الإتفاق و الشرط فيه على أنه : من أغلق بابه فهو آمن ’ ومن أسلم فهو آمن ’ ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن ’ إلا ستة نفر هدر دمهم .