وقد كانت فى شوال سنة ثمان من هجرة النبى صلى الله عليه وسلم ’ وسببها أن الله جل جلاله حينما فتح على رسول مكة ’ ودانت ه قريش بعد بغيها وعدوانها ’ مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها الى بعض ’ وقد توغر صدورهم للنصر الذى آتاه الله رسوله و المؤمنين ’ فحشدوا حشوداً كبيرة ’ وجمع أمرهم مالك ابن عوف سيّد هوازن ’ وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ’ حتى نزلوا بأوطاس ( مكان بين مكة و الطائف ) ’ وغنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار ’ وهو الدفاع عن الأهل والمال و الولد ! ... وأجمعوا المسير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فخرج إليهم النبى صلى الله عليه وسلم لست ليال خلون من شوال فى إثنى عشر ألف من المسلمين ’ عشرة آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة ’ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن أبى حدود الأسلمى ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ’ ثم يعود بذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم ’ وكان قد ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن عند صفوان ابن أمية أدراعاً و أسلحة ’ فأرسل إليه - وهو يومئذ مشرك - قطلب منه الدروع و الأسلحة ’ فقال صفوان : أغصباً يا محمد ؟! ... قال : بل عارية ’ وهى مضمونة حتى نؤديها إليك ’ فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح ’ وعلم مالك ابن عوف بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبأ أصحابه فى وادى حنين وانتثر وا يكمنون فى أنحائه ’ وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة .
ووصل المسلمون الى وادى حنين ’ فانحدروا فيه فى غبش الصبح ’ فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادى وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد منهم على الآخر ’ وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ’ ثم نادى فى الناس : إلىّ عباد الله ’ أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب ’ روى مسلم عن العباس رضى الله عنه قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا و أبو سفيان ابن الحارث ابن عبد المطلب ولم نفارقه ’ وهو على بغلة له بيضاء ’ فلما إلتقى المسلمون و الكفار ولى المسلمون مدبرين ’ فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار ’ قال عباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها ’ إرادة أن لا تسرع ’ وابو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فقال عليه الصلاة و السلام : ناد أصحاب السمرة ( وكان رجلاً صيّتاً ) فقلت بأعلى صوتى يا أصحاب السمرة ’ قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها فقالوا : يا لبيك ’ يا لبيك ... وأقبلوا يقتتلون مع الكفار ’ وكان النداء : يا للأنصار ’ وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر الى قتالهم قائلاً : الآن حمى الوطيس ’ ثم أخذ حصيات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار ’ ثم قال : إنهزموا ورب محمد .
وقذف الله فى قلوب المشركين الرعب ’ فانهزموا لا يلوى واحد منهم على أحد ’ واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون ’ فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفى هذه الغزوة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه .
فروى ابن اسحاق و غيره عن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال : لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلاً وحده ’ هو قتلهم .
وروى ابن اسحاق وابن سعد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان ’ وكانت مع زوجها أبى طلحة ’ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أم سليم ! .. قالت : نعم بأبى أنت و أمى يا رسول الله ’ اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك ؟ - وكان معها خنجر - فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : خنجر أخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به .
ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد ابن الوليد ’ والناس مجتمعون عليها ’ فقال : ما هذا ؟ قالوا : إمرأة قتلها خالد ابن الوليد ’ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه : أدرك خالد فقل له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليداً أو إمرأة أو عسيفاً .
وفرّ مالك ابن عوف ومن معه من رجالات قومه حتى وصلوا الى الطائف فامتنعوا بحصنها وقد تركوا وراءهم مغانم كثيرة .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فحبست كلها فى الجعرانة ’ وجعل عليها مسعود ابن عمرو الغفارى ’ واتجه صلى الله عليه وسلم ومن معه الى الطائف فحاصروها ’ وأخذت تقذف المسلمين من حصونها بالنبال ’ فقتل بذلك ناس منهم ’ وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حصاره للطائف بضعة عشر يوماً ’ وقيل بضعة وعشرين يوماً ’ ثم بدا له أن يرتحل ’ روى عبد الله ابن عمرو أنه صلى الله عليه وسلم أعلن فى أصحابه : إنا قافلون إن شاء الله ’ فقال بعض أصحابه : نرجع ولم نفتتحه ؟ فقال لهم : أغدوا علىالقتال - أى فقاتلوا إن شئتم - فغدوا عليهم ’ فأصابهم جراح ’ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا قافلون غداً ’ فأعجبهم ذلك ’ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً ’ قال لأصحابه : قولوا :( آيبون ’ تائبون ’ عابدون ’ لربنا حامدون ) ’ وقال له بعض الصحابة : يا رسول الله أدع على ثقيف فقال : اللهم أهد ثقيفاً وأت بهم ’ قلت : وقد هدى الله ثقيفاً بعد ذلك بقليل ’ فقد جاء وفدهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لإعلان إسلامهم .
أمر الغنائم و كيفي تقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم له
وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الجعرانةوفيها السبى و الغنائم التىأخذت من هوازن فى غزوة حنين ’ فقسم السبى هناك ’ ثم قدم عليه وفد هوازن من المسلمين ’ وسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم ’ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : معى من ترون ’ وأحب الحديث الىّ أصدقه ’ فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبى وإما المال ’ وقد كنت إستأنيت بكم ( أى أخرت قسم السبى و الغنائم آملاً إسلامكم ) ’ وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أنظرهم عشرة ليال حين رجع من الطائف . فقالوا : يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا ’ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسلمين ’ فأثنى على الله بما هو أهله ’ ثم قال : أما بعد ’ فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين ’ وإنى رأيت أن أرد إليهم سبيهم ’ فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل ’ ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل ’ فنادى الناس جميعاً : قد طيبنا ذلك يا رسول الله ’ فقال عليه الصلاة و السلام ’ إنا لا ندرى من أذن منكم فى ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ’ فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ’ ثم رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيّبوا ’ وأذنوا ’ فأعيد الى هوازن سبيها .
وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن - فيما رواه ابن اسحاق - عن مالك ابن عوف ما فعل ؟ فقالوا هو بالطائف مع ثقيف ’ فقال لهم : أخبروه أنه إن أتانى مسلماً رددت عليه أهله وماله واعطيته مائة من الإبل ’ فأخبر مالك بذلك ’ فجاء يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة ’ فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل ’ وأسلم فحسن إسلامه ’ وخصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم - وهم أهل مكة - بمزيد من الغنائم و الأعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام ’ فوجد بعض الأنصار فى نفوسهم من ذلك وقالوا : يغفر الله لرسول الله ’ يعطى قريشاً ويتركنا ’ وسيوفنا تقطر من دمائهم ! ’ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ فأرسل الى الأنصار فاجتمعوا فى مكان أعد لهم ’ ولم يدع معهم أحد غيرهم ’ ثم قام فيهم ’ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : يا معشر الأنصار ’ مقالة بلغتنى عنكم ؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بى ’ وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ’ وكنتم عالة فأغناكم الله بى ( كلما قال لهم من ذلك شيئاً قالوا : بلى ’ الله ورسوله أمنّ وأفضل ) ثم قال : ألا تجيبونى يا معشر الأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ورسولع المنّ و الفضل ’ فقال صلى الله عليه وسلم : أما والله لو شئتم لقلتم ’ فلصدقتم وصدّقتم : أتيتنا مكذباً فصدقناك ’ ومخذولاً فنصرناك ’ وطريداً فآويناك ’ وعائلاً فآسيناك ’ فصاحوا : بل المنّ علينا لله ورسوله ’ ثم تابع صلى الله عليه وسلم قائلاً: أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم من أجل لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتم الى إسلامكم ! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة و البعير وترجعوا برسول الله الى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ’ والذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرءاً من الأنصار ’ ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ’ وإنكم سترون أثرة من بعدى فاصبروا حتى تلقونى على الحوض ’ الله أرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء ابناء الأنصار ’ فبكى القوم حتى إخضلت لحاهم ’ وقالوا رضينا بالله ورسوله قسماً و نصيباً ’ وتبعه صلى الله عليه وسلم ناس من الأعراب يسألونه مزيد من العطاء ’ حتى إضطروه الى سمرة تعلق بها رداؤه ’ فالتفت إليهم قائلاً : أعطونى ردائى ايها الناس ’ فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم ’ ثم لا تجدونى بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً ’ ايها الناس والله مالى من فيئكم إلا الخمس ’ والخمس مردود عليكم ’ وأدركه أعرابى فجذبه صلى الله عليه وسلم جذبة شديدة من برده ’ وكان عليه برداً نجرانى غليظ ’ حتى أثرت حاشيةالرداء فى صفحة عنقه ’ وقال له ’ مر لى من مال الله الذى عندك ’ فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء .
قال ابن اسحاق : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمراً فلما فرغ إنصرف راجعاً الى المدينة ’ واستخلف على مكة عتاب ابن أسيد .
العبر و العظات
تعتبر غزوة حنين هذه درساً فى العقيدة الإسلامية وقانون الأسباب و المسببات من نوع ذلك الدرس الذى أوحت به غزوة بدر ’ بل متمماً له .
فإذا كانت غزوة بدر قد قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئاً فى جنب كثرة أعدائهم ’ إذا كانوا صابرين و متقين ’ فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرةأيضاً لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين ’ وكما نزلت آيات من كتاب الله تعالى فى تقرير عبرة بدر ’ فقد نزلت آيات منه أيضاً فى تقرير العبرة التى ينبغى أن تؤخذ من حنين .
كان المسلمون فى بدر أقل عدداً منهم فى أى موقعة اخرى ومع ذلك فلم تضرهم القلة شيئاً بسبب صدق إسلامهم ونضج إيمانهم وشدة ولائهم لله ورسوله .
وكان المسلمون فى غزوة حنين أكثر عدداً منهم فى أى موقعة أخرى خاضوها من قبل ومع ذلك فلم تنفعهم الكثرة شيئاً ’ بسبب تلك الجماهير التى لم يتمكن الإيمان بعد فى نفوسهم ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد فى أعماق افئدتها .
لقد إنضمت تلك الجماهير الى الجيش بجسومهم وأشكالهم ’ بينما لا تزال الدنيا وأهواؤها تتخطف أفئدتهم وتستولى على نفوسهم ’ وهيهات أن يكون لتعداد الجسوم و الأشكال أى أثر فى النصر و التوفيق ’ فمن أجل ذلك أدبرت هذه الجماهير وارتدت على أعقابها متفرقة فى متاهات وادى حنين ’ حينما فوجئوا بكمائن العدو تخرج فى وجوههم ’ وربما إمتدت ظلال هذا الهلع الى أفئدة كثير من المؤمنين الصادقين أيضاً بادىء الأمر ’ ولكن ما هو إلا أن سمع الأنصار و المهاجرون صيحات رسول الله صلى الله عليه وسلم ونداءه لهم حتى كرّوا عائدين ’ يلتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ’ ويخوضون معه معركة حامية الوطيس ’ ولم يكن هؤلاء يزيدون على المائتين ! .. ’ ولكن بهؤلاء المائتين عاد النصر الى المسلمين ’ ونزلت السكينة على قلوبهم وهزم الله عدوهم شر هزيمة ’ بعد أن كانوا إثنى عشر ألفاً من الأمشاج الذين لم يغنوا عن أنفسهم شيئاً ! .. وأنزل الله تعالى هذه العظة البليغة فى كتابه الكريم :( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً ’ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ’ ثم وليتم مدبرين ’ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ’ وأنزل جنودا لم تروها ’ وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ’ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) التوبة 25-27 .
وإليك ما يؤخذ من هذه الغزوة من العظات و الأحكام :
أولاً:- بث العيون بين الأعداء لمعرفة شأنهم وأخبارهم
سبق أن ذكرنا أن هذا العمل جائز بل هو واجب إذا دعت إليه الحاجة ’ وهذا ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة فقد بعث عبد الله ابن أبى حدرد الأسلمى ليتحسس أخبار العدو ويأتى المسلمين بالخبر عد عددهم وعدتهم ’ وهو ما لم يقع فيه خلاف بين الأئمة .
ثانياً :- للإمام أن يستعير أسلحة من المشركين لقتال أعداء المسلمين :
ومثل الأسلحة فى ذلك ما يحتاجه الجيش من عدة الحرب و القتال ’ ومثل الإستعارة تملكها منهم مجاناً أو بثمن ’ وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذه الغزوة ’ حينما استعار أسلحة من صفوان ابن أمية وكان لا يزال مشركاً إذ ذاك . ’وهذا داخل فى عموم حكم الإستعانة بالكفار عند الحرب ’ وكنا قد ذكرنا هذه المسألة عند تعليقنا على غزوة أحد ’ ويتبين لك الآن أن الإستعانة بالكفار تنقسم الى نوعين :
النوع الأول :- الإستعانة بالأشخاص منهم للقتال مع المسلمين ’ وهذا ما مضى الحديث عنه فى غزوة أحد ’ وقد قلنا إذ ذاك إنه جائز إذا دعت الحاجة إليه ’ واطمأن المسلمون الى صدق وأمانة أولئك الذين سيقاتلون معهم .
النوع الثانى :- الإستعانة ببعض ممتلكاتهم كالسلاح وأنواع العدة ’ ولا خلاف فى أن ذلك جائز بشرط أن لا يكون فيه خدش لكرامة المسلمين ’ وأن لا يتسبب عن دخول المسلمين تحت سلطان غيرهم أو تركهم لبعض واجباتهم وفروضهم الدينية ’ وأنت تجد أن صفوان ابن أمية حينما أعار الأسلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فى وضع المغلوب الضعيف وكان الرسول صلى الله عليه وسلم فى المركز الأقوى .
ثالثاً:- جرأته صلى الله عليه وسلم فى الحرب :
وإنك لتبصر صورة نادرة حقاً لهذه الجرأة عندما تفرقت جموع المسلمين فى الوادى وقد ولوا مدبرين ’ ولم يبق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط حومة الوغى حيث تحف به كمائن العدو التى فوجئوا بها ’ فثبت ثباتاً عجيباً إمتد أثره الى نفوس أولئك الفارين من أصحابه ’ فعادت غليهم من ذلك المشهد رباطة الجأش وقوة العزيمة .
وى ابن كثير فى تفسيره خبر غزوة حنين ثم قال :( قلت : وهذا فى غاية ما يكون من الشجاعة التامة ’ إنه فى مثل هذا اليوم ’ فى حومة الوغى ’ وقد إنكشف جيشه عنه ’ وهو مع هذا على بغلته ’ وليست سريعة الجرى ولا تصلح لفرّ ولا لكرّ ولا لهرب ’ وهو مع ذلك أيضاً يركضها الى وجوههم وينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائماً الى يوم الدين ’ وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلاً عليه وعلماً بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ’ ويظهر دينه على سائر الأديان ) .
رابعاً :- خروج المرأة للجهاد مع الرجال :
فأما خروجها لسقى العطاش ومداواة الجرحى فقد ثبت ذلك فى الصحيح ’ فى عدة غزوات ’ وأما حروجها للقتال ’ فلم يثبت فى السنة وإن كان الإمام البخارى قد ذكر فى كتاب الجهاد باباً جعل عنوانه : باب غزو النساء وقتالهنّ مع الرجال : ’ إذ أن الأحاديث التى ساقها فى هذا الباب ليس فيها ما يدل على غشتراك النساء مع الرجال فى القتال قال ابن حجر : ولم أر فى شىء من ذلك ( أى الأحاديث الواردة فى هذا الموضوع ) التصريح بأنهنّ قاتلن .
أما ما ذكره الفقهاء فى حكم خروج المرأة للقتال ’ فهو أن العدو إن داهم بلدة من بلاد المسلمين وجب على جميع أهلها الخروج لقتاله بما فيهم النساء ’ إن تأملنا منهنّ دفاعاً و بلاءاً ’ وإلا فلا يشرع ذلك ’ أما الخنجر الذى كان مع أم سليم فقد كان لمجرد الدفاع عن نفسها كما قالت ’ وعلى هذا ينزل ما رواه البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها أنها إستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجهاد ’ فقال : جهادكنّ الحج ’ فالمقصود بالجهاد الذى إستأذنت به عائشة رضى الله عنها ’ غنما هو المشاركة فى القتال لا الحضور للمداواة و الخدمة وما أشبه ذلك ’ فهو مشروع ’ إذا توافرت شروطه ’ باتفاق .
وعلى كل فإن خروج المرأة مع الرجال الى الجهاد مشروط بأن تكون فى حالة تامة من الستر و الصيانة ’ وأن يكون خروجها لحاجة حقيقية الى ذلك ’ فأما إذا لم تكن ثمّ حاجة حقيقية أو كان ذلك يعرضها للوقوع فى المحرمات فخروجها محرم لا يجوز إقراره .
و المهم أن تعلم أن الأحكام الإسلامية منوطة ببعضها ’ فلا ينبغى تخيّر ما توحى به الأهواء منها لأسباب معينة مع الإعراض عما يتعلق به من الأحكام و الواجبات الأخرى ’ إن مثل هذا يعتبر بلا ريب مصداقاً واضحاً لقول الله تعالى :( ... أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) البقرة 85 .
ومن المكر القبيح لدين الله تعالى ما يعمد إليه بعض الناس لأغراض دنيوية حقيرة من إلتقاط ما قد يطلب منهم من الفتاوى الشرعية بعد أن يشذبوا منها كل القيود و الشروط ويقطعوا عنها ما قد يتعلق بها من التتمات ’ حتى تخرج موافقة للمطلوب خاضعة لأهواء السادة الموجهين ’ ثم يقدمون هذه الفتاوى على طبق من المداهنة و النفاق ! .
خامساً:- تحريم قتل النساء و الأطفال و الأجراء و العبيد فى الجهاد :
فقد دل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى المرأةالتى قتلها خالد ابن الوليد ’ وقد إتفق العلماء و الأئمة كلهم على ذلك ’ ويستثنى منه ما إذا اشتركوا فى القتال وباشروا فى مقاتلة المسلمين ’ فإنهم يقتلون مقبلين ’ ويجب الإعراض عنهم مدبرين ’ كما أنه يستثنى ما إذا تترس الكافر بصبيانه ونسائه ’ ولم يمكن رد غائلتهم إلا بقتلهم ’ فإن ذلك جائز ’ وعلى الإمام أن يتبع ما تقتضيه المصلحة .
سادساً:- حكم سلب القتيل :
قلنا أن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن فى هذه الغزوة أن من قتل قتيلاً فله سلبه ’ قال ابن سيد الناس : فصلر ذلك حكماً مستمراً ’ قلت : وهذا متفق عليه ’ ولكن وقع الخلاف بين الأئمة فى نوع هذا الحكم الثابت المستمر ’ هل هو من أحكام الإمام أم الفتوى ؟
أى هل أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مبلغاً عن الله عز وجل حكماً لا خيرة له ولا لأحد فيه كتبليغه أحكام الصلاة أم أعلنه حكماً مصلحياً قضى به بوصفه إمام المسلمين يقضى فيهم بما يرى أنه الخير و المصلحة لهم ؟ ’ فذهب الشافعى رحمه الله الى انه حكم قائم على أساس التبليغ و الفتوى وعليه فإن المجاهد له فى كل عصر أن يأخذ سلب من قتل على يده من أهل الحرب ولا حاجة فى ذلك الى إذن الإمام أو القائد . وذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله الى أنه حكم قضائى قائم على أساس الإمامة فقط ’ فيتوقف جواز السلب فى كل عصر على إذن الإمام ’ فإن لم ياذن أضيفت الأسلاب الى الغنائم وسرى عليها حكمها .
سابعاً :- الجهاد لا يعنى الحقد على الكافرين :
وقد دل على ذلك ما ذكرناه من أن بعض الصحابة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفهم من حصار الطائف : أدع الله على ثقيف ’ فقال : اللهم أهد ثقيف وأت بهم ’ وهذا يعنى أن الجهاد ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ’ وإنما هى مسئولية الناس جميعاً تجاه بعضهم ’ لمحاولة إعتاق أنفسهم من العذاب الأبدى يوم القيامة .
ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغى أن يتجه الى غيرهم إلا بالهداية والصلاح ’ لأن هذه الغاية هى الحكمة من مشروعية الجهاد .
ثامناً:- متى يتملك الجند الغنائم :
ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوفد هوازن حينما جاؤا مسلمين : لقد إستأنيت بكم ’ أى أخرت قسم الغنائم آملا إسلامكم .
وهذا يدل على أن الجند إنما يملكون الغنائم بعد تقسيم الحاكم أو الإمام لها ’ فمهما دامت قبل القسمة فهى لا تعتبر ملكاً للمقاتلين ’ وتلك هى فائدة تأخير النبى صلى الله عليه وسلم لتقسيمها بين المسلمين . كما أن هذا يدل على أن للإمام أن يعيد الغنائم إذا جاءه أصحابها مسلمين إذا لم يكن قد قسمها بين الجند ’ وقد كان هذا ما يفضله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويدل موقفه صلى الله عليه وسلم من وفد هوازن وأموالهم التى غنمها المسلمون ’ على أن ما قسم من هذه الموال بينهم ’ لا يجوز للإمام أن يسترد منه شيئاً إلا بطيب نفس من أصحابه دون أن يتأثر بأى جبر أو إكراه ’ وتأمل مدى دقته صلى الله عليه وسلم فى أمر الإستئذان من أصحاب الأموال فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يكتفى بصيحاتهم الجماعية المرتفعة ’ قد طيبنا ذلك يا رسول الله ( أى طابت بإرجاعه نفوسنا ) بل أصر على أن يعلم أمر هذا الرضى ويستوثق منه بواسطة السماع من كل شخص من حدة أو السماع من وكلائهم وعرفائهم .
وهذا يعنى أنه ليس للحاكم أن يستعمل شيئاً من صلاحياته وسلطانه فى حمل الناس على أن يتنازلوا عن شىء من حقوقهم وممتلكاتهم المشروعة ’ بل وإن الشارع لم يعطه شيئاً من هذه الصلاحيات و الإمتيازات ’ حتى ولو كان رسولاً ’ وتلك هى العدالة و المساواة الحقيقية الرائعة ! فلتدفن نفسها فى الرغام كل دعوى باطلة تريد أن تخب - بالألفاظ و الشعارات - وراء هذه المثل و القيم الإلهية العظيمة.
تاسعاً:- سياسة الإسلام نحو المؤلفة قلوبهم :
لقد رأيت أن النبى صلى الله عليه وسلم إختص أهل مكة الذين أسلموا عام الفتح بمزيد من الغنائم عن غيرهم ’ ولم يراع فى تلك القسمة قاعدة المساواة الأصلية بين المقاتلين ’ وهذا العمل منه صلى الله عليه وسلم من أهم الأدلة التى إستدل بها عامة الأئمة و الفقهاء على أنه يجوز للإمام أن يزيد فى عطاء من يتألف قلوبهم على الإسلام بالقدر الذى تدعو إليه المصلحة من تألف قلوبهم ’ بل يجب عليه ذلك عندما تدعو إليه ’ ولا مانع من أن يكون هذا العطاء من أصل الغنائم . ومن هنا كان لهؤلاء سهم خاص باسمهم فى الزكاة ’ يجتمع تحت يد الحاكم ليعطى منه ( كلما دعت الحاجة)لمن يرى أن المصلحة الإسلامية تدعو الى تألف قلوبهم .
عاشراً :- فضل الأنصار ومدى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم :
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم ’ فقد أراد الشيطان أن يبث فى نفوس جماعة من الأنصار معنى النقد على السياسة التى إتبعها عليه الصلاة و السلام فى توزيع الغنائم ’ وربما أراد لهم الشيطان أن يتصوروا أن النبى صلى الله عليه وسلم أدركته محبة قومه وبنى وطنه فنسى فى جنبهم الأنصار !..
فماذا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبر بذلك ؟
إن الخطاب الذى ألقاه عليهم جواباً على هذه الوساوس ليفيض بمعانى الرقة و الذوق الرفيع ’ ومشاعر المحبة الشديدة للأنصار ’ وهو يفيض فى الوقت ذاته بدلائل التألم من أن يتهم من قبل أحب الناس إليه بنسيانهم و الإعراض عنهم ’ عد الى خطابه هذا فتأمله ... فسترى أنه قد ضمنه أدق خفقات قلبه وألطف إحساسياته ! ’ وقد لامست هذه الرقة و الخفقات مشاعر الأنصار فهزتها هزاً ونفضت منها ما كان قد علق بها من الوساوس و الهواجس ’ فارتفعت أصواتهم بالبكاء فرحاً بنبيهم وابتهاجاً بقسمتهم و نصيبهم ’ فما المال وما الشياه و الغنائم فى جنب حبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يعودون به ويعود بهم الى ديارهم ليكون المحيا بينهم و الممات بينهم ؟ وأى برهان منه صلى الله عليه وسلم ينطق بالوفاء و خالص المحبة و الود أكثر من هذا ... أى أكثر من أن يدع وطنه ومسقط رأسه ليقضى بينهم بقية أيامه ؟! .
ثم متى كان المال فى ميزان رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلاً على التقدير و الحب ؟ !
إنه أعطى قريشاً كثيراً من الأموال و الغنائم ... فهل خص نفسه بشىء من ذلك أم جعل نصيبه منه كنصيب الأنصار ؟ لقد عمد الى الخمس الذى جعله الله خالصاً برسوله يضعه حيث يشاء ’ فوزعه بين أولئك الأعراب الذين كانوا من حوله ’وتأمل فيما قاله لهم ’ وهم يحدقون به ويستزيدون فى العطاء : أيها الناس والله مالى من فيئكم إلا الخمس ’ والخمس مردود عليكم .
صلى الله عليك يا رسول الله وعلى أصحابك البررة من الأنصار و المهاجرين وجمعنا تحت لواءك المحمود ’ وجعلنا مع أولئك الذين سيلقونك علىالحوض يوم القيامة .