وللرياء أو للسمعة آثار ضارة وعواقب مهلكة سواء على العاملين أو على العمل الإسلامي وإليك طرفا من هذه الآثار وتلك العواقب :
أ- آثار الرياء على العاملين :
فمن آثاره على العاملين :
1 - الحرمان من الهداية والتوفيق :
ذلك أن الله عز وجل هو وحده الذي يملك الهداية والتوفيق وهو وحده الذي يمن بهما على من يشاء ويمنعها ممن يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمة وقد مضت سنته وجرى قضاؤه أنه لا يمنحهما إلا لمن علم منه الإخلاص وصدق التوجه إليه { ويهدى إليه من أناب }. { ويهدى إليه من ينيب } والمرائي أو السمع بدد هذا الإخلاص وضيع ذلك الصدق فأنى له الهداية والتوفيق ؟ وصدق الله الذي يقول : { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ولله لا يهدى القوم الفاسقين }.
2 - الضيق أو الاضطراب النفسي :
ذلك أن المرائي أو المسمع إنما يفعل طلبا لمرضاة لناس وطمعا فيما بأيديهم وقد يحول قضاء الله وقدره دون تحقيق ذلك نظرا لأن الأمور عنده سبحانه تجرى بالمقادير : { وكل شئ عنده بمقدار }. وحينئذ يعتريه الضيق والاضطراب النفسي فلا هو الذي ظفر برضا الله عز وجل ولا هو بالذي حصل ما كان يؤلمة ويرجوه من الناس : { ومن أعرض عن ذكرى الله فإن له معيشة ضنكا } { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } .
3 - نزع الهيبة من قلوب الناس :
ذلك أن الله وحده هو الذي يملك غرس هذه الهيبة في قلوب من يشاء من عباده بيد أن ذلك مرهون بتقديم الإخلاص بين يدي كل سلوك أو تصرف والمرائي أو المسمع أضاع هذه الرهينة فيضيع الله عليه الهيبة ونزعها من قلوب الناس فصار هينا عليهم :{ ومن يهن الله فما له من مكرم }.
ولقد وعى السلف ذلك فكانوا أحرص الناس على الإخلاص العمل لله حتى تبقى هيبتهم ومكانتهم مستقرة في الصدور أو في القلوب والأخبار الواردة عنهم في ذلك اكثر من أن تحصى وحسبنا منها ما أوصى به عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه أبا موسى الأشعرى إذا قال له :(( من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس )).
وما أثر عن الحسن البصري من كثرة مجاهداته لنفسه بالليل والناس نيام ثم محاولة إخفاء ذلك عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا حتى هابه ذووا السلطان والجاه .
فقد نال من الحجاج - ذات مرة - لظلمة وطغيانه فوجه الحجاج بعض شرطه وأمرهم أن يأتوه به ليقتله وما هو إلا قيل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار ووجفت عليه القلوب واقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية فلما رآه الحجاج على حاله هذه هابه أشدد الهيبة وقال له : هاهنا يا أبا سعيد ......... هاهنا ...... ثم مازال يوسع له ويقول : هاهنا .....والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين والحسن فقال له الحجاج يجيبه عن كل مسالة بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع فقال له الحجاج : أنت سيد التابعين يا أبا سعيد ثم أذن له بالعودة إلى بيته معززا مكرما .
4 - الإعراض من الناس وعدم التأثر :
ذلك أن القلب هو محل التأثر من الإنسان والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء ومن راءى أو سمع بعمله فقد قطع ما بينه وبين الله وأنى لذلك أن يمنحه الله إقبالا من الناس أو تأثيرا فيهم لذا تره إذا تكلم لا يسمع وإذا عمل لا يحرك والحوار التالي يكشف لنا عن حقيقة ذلك بجلاء ووضوح :
كان عمر بن هبيرة الفزارى واليا على العراقين في عهد الخليفة الأموي : يزيد بن عبد مالك وكان يزيد يرسل إليه بالكتاب تلو الكتاب ويأمره بإنفاذ ما في هذه الكتب ولو كان مجافيا بحق أحيانا فدعا ابن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي يستفتيهما في ذلك وهل له من مخرج فيدين الله ؟
فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي والحسن ساكت فالتفت عمر ابن هبيرة إلى الحسن وقال : ما تقول أنت يا أبا سعيد فقال : يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ، ولا تخف يزيد في الله ، واعلم أن الله عز وجل يمنعك من يزيد ، وأن يزيد لا يمنعك من الله ... يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ لا يعصى الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، حيث لا تجد هناك يزيد ، وغنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد ... يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة ، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى فإن الله يكلك إلى يزيد .
واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائناً ما كان في معصية الخالق - عز وجل - فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته ومال عن الشعبي إلى الحسن ، وبالغ في إعظامه وإكرامه ، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد ، فاجتمع عليهما الناس ، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين ، فالتفت الشعبي إليهم وقال : أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله - عز وجل - على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله ولكنى أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة ، وأراد فيما قاله وجه الله ، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه.
5- عدم إتقان العمل :
ذلك أن المرائي أو المسمّöع إنما يراقب الخلق لا الخالق ، و الخلق مهما كانت طاقاتهم وإمكاناتهم ، عاجزون عن المتابعة في كل بيئة وفي كل وقت ، وفي كل ظرف أو ملابسة ، لذا فإن عجزهم هذا ينتهي بالمرائي أو بالمسمّöع إلى عدم إتقان العمل ، الأمر الذي يفقده ثقة الناس ويكون بذلك قد ضيَّع نفسه من حيث أراد مصلحتها أو منفعتها ، وصدق الحق - تبارك وتعالى - إذ يقول { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله }، ولقد أشار المولى - عز وجل إلى هذا الأثر وهو يتحدث عن المنافقين فقال :{ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً } .
6- الفضيحة في الدنيا وعلى رؤوس الأشهاد يوم القيامة :
ذلك أن المرائي أو المسمع إنما يقصد بعمله هذا خداع غيره ليعطيه هذا الغير زمامه ، وليسلم إليه قياده ، ويأبى الله - عز وجل - ذلك نظراً لما يمكن أن يصنعه هذا المرائي أو المسمع من إفساد في الأرض وإهلاك للحرث و النسل { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث و النسل والله لا يحس الفساد } .
لذا فإنه يفضحه في الدنيا ولو بعد حين ، حتى يحذره الناس ، ولا يغتروا به ، أما في الآخرة فإن الفضيحة تكون مزيدا من الانتقام و العذاب .
وقد سبق التصريح بهذا السبب في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد سأله عن الجهاد و الغزو :( يا عبد الله بن عمرو إن قاتلت صابراً محتسباً ، بعثك الله صابراً محتسباً ، وإن قاتلت مرائياً مكاثراً ، بعثك الله مرائياً مكاثراً ، يا عبد الله بن عمرو على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال ).
7- الوقوع في غوائل الإعجاب بالنفس ، ثم الغرور ثم التكبر :
ذلك أن المرائي أو المسمع يخدع كثيراً من الناس فترة زمنية معينة ، وخلال هذه الفترة تلهج ألسنة الناس وأفئدتهم بحمده و الثناء عليه ، وقد يحمله ذلك على الإعجاب بنفسه ، ثم الغرور ، ثم التكبر ، ثم يعيث في الأرض فساداً ، ويؤكد ذلك ما نشاهده في الوقت الحاضر من أن كثيراً من ذوى القيادة في أمتنا ، يسلكون سبيل الرياء و التسميع حتى إذا انخدع بهم الدهماء و العامة ، وسبحوا بحمدهم انقلبوا إلى معجبين بأنفسهم ، ثم مغرورين ، ثم متكبرين ، ثم سلطوا على الذين يفهمونهم منذ اللحظة الأولى يسومونهم سوء العذاب ، وأخيراً يسلطون على أولئك الذين ضيعوهم ، فيأكلونهم ، وصدق الله العظيم الذي يقول { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار }.
8- بطلان العمل :
ذلك أن الحق - سبحانه - مضت سنته في خلقه ألا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له ، وابتغى به وجهه { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } .
و المرائي جعل لنفسه وللناس حظاً من عمله ، وأنى لذلك أن يقبل الله منه عملاً ، أو أن يثيبه عليه ، وصدق الله { وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلماً } { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً } وصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - :( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا : هل تجدون عندهم لجزاء ) ، ويقول الله تعالى في الحديث القدسي :( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو للذي أشرك ).
وهكذا ينتهي الرياء أو السمعة بصاحبه إلى بطلان العمل ورده وعدم قبوله .
9- العذاب الشديد في الآخرة :
وأخيراً ... فإن من حبط عمله على النحو الذي قدمنا ، ليس له من جزاء إلا العذاب الشديد في الآخرة ، ولذلك العذاب صور أبرزها صورتان :
الأولى : أنه يكون أول من تسعر بهم النار ، فإن وقودها كما قال الله في كتابه ، الناس و الحجارة ، { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة } ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم - إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ، رجل استشهد ، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جرئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل تعلم العلم و علَّمه وقرأ القرآن ، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن ، قال كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال إنك عالم ، وقرأت القرآن ليقال : قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتى به فعرَّفه نعمته فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال :ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال كذبت ، ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى به في النار ).
الأخرى : الإلقاء في النار بحيث تخلع مفاصله وتتفكك أوصاله ، وتسقط أمعاؤه ، ويدور بها على مشهد ومرأى من أهل النار جميعاً ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى ، فيجتمع عليه أهل النار ، فيقولون يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ؟ فيقول : بلى ، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهي عن المنكر وآتيه ).
ب- آثار الرياء على العمل الإسلامي :
وإذا كان للرياء أو للسمعة تلك الآثار التي قدمنا على العاملين ، فإنها بدورها تنعكس على العمل الإسلامي ، وتتلخص هذه الآثار المتعلقة بالعمل الإسلامي فيما يأتي :
طول الطريق وكثيرة التكاليف :
ذلك أن قوماً أخلاقهم الرياء ، وصفاتهم التسمّع لا يمكن أن يُمَكَّن لهم إلا بعد طول ابتلاء وكثرة تمحيص :
{ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ... } ، { ... أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }، { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون } .