1- عدن التعويد على ضبط الهوى منذ الصغر :
أي أن السبب الأول لاتباع الهوى إنما يدور حول عدم التعويد على ضبط هذا الهوى منذ الصغر :
ذلك أن الإنسان قد يلقى من أبويه منذ الصغر حبا مفرطا وحنان فوق المطلوب بحيث يطغى هذا الحب وذلك الحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لابد منها لتنظيم الرغائب أو الدوافع وحينئذ يكبر هذا الإنسان ويكبر معه الانسياق وراء العواطف والرغائب حتى لو كانت مخالفة للمشروع إذ من شب على شئ شاب عليه إلا من رحم الله عز وجل .
جاء في منهج التربية الإسلامية قول كاتبه:
والأم التي ترضع طفلها كلما بكى لكي يسكت أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكى تضره بذلك لأنها لا تعينه على ضبط رغباته ولا تعوده على ذلك الضبط في صغره فلا يتعوده في كبره ومن منا تتركه ظروف الحياة لرغباته يشبعها كما يشاء ؟ وذلك فضلا عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط ويتعوده منذ باكر عمره لأن الجهاد في سبيل الله لا يستقيم في النفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها فتنساق معها وكيف يمكن الجهاد بغير ضبط في ذاته ولكنه يصبح إثما حين يشغل عن الجهاد في سبيل الله :
{ قل أن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب إليكم من الله لا يهدى القوم الفاسقين }.
فكل ما ذكرته الآية ليس محرما في ذاته ولكنه صار فسقا وحراما حين أصبح سببا في القعود عن الجهاد في سبيل الله وحين رجحت كفته في الميزان القلب على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله.
فما الوسيلة للاستقامة على ميزان الله إلا ضبط هذه الرغبات ، والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله .
و الضبط مقدرة يتدرب الإنسان عليها ، وعادة يتعلمها وكلما تدرب عليها وهو صغير كان اقدر عليها ، واكثر تمكناً منها فيجدها حاضرة في أعصابه حين تفجؤه الأحداث.
2- مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم :
و السبب الثاني لاتباع الهوى ، إنما هو مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم ، ذلك أن العواطف أو الدوافع تنمو بالمجالسة وطول الصحبة ، وعليه فمن لازم مجالسة أهل الأهواء وأدام صحبتهم ، فلابد من تأثره بما هم عليه ، لاسيما إذا كان ضعيف الشخصية ، وعنده قابلية التأثر بغيره من أولئك الناس .
وقد وعى السلف - رضوان الله عليهم - هذا السبب ، فأكثروا من التحذير من مجالسة أهل الأهواء ، بل و التعامل معهم أثر عن أبى قلابة قوله :
( .... لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم ، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
وأثر عن الحسن وابن سيرين قولهما :
( ولا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ، ولا تسمعوا منهم ) .
3- ضعف المعرفة الحقة بالله و الدار الآخرة :
و السبب الثالث لاتباع الهوى إنما هو ضعف المعرفة الحقة بالله وبالدار الآخرة ، ذلك أن من ضعفت معرفته بالله ، وأنه وحده له الحكم ، وإليه المرجع و المآب ، وهو أسرع الحاسبين ، كما قال سبحانه عن نفسه { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } من كان كذلك لا يقدر ربه حق قدره ، وبالتالي يفعل ما يفعل غير مبال بما إذا كان ذلك يرضى الله أو يغضبه ، ينجيه أو يهلكه .
وقد لفت الحق سبحانه النظر إلى ذلك وهو يتحدث عن الضالين و المكذبين ، مبيناً أن السبب في ضلال هؤلاء وتكذيبهم إنما يعود إلى عدم معرفتهم بالله حق المعرفة ، وبالتالي عدم تقديرهم له حق قدره ، إذ يقول سبحانه :
{ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ ... } { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ، وغن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ، ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } .
4- تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى :
و السبب الرابع لاتباع الهوى إنما هو تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى ، ذلك أن صاحب الهوى إذ رأي ممن حوله استحساناً لما هو عليه ، أو سكوتاً وعدم إنكار بأي من وسائل الإنكار ، فإنه يمضى ويتمادى فيما هو عليه ، حتى يتمكن الهوى من قلبه ،ويسيطر على كل سلوكياته وتصرفاته .
ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام على مقاومة المنكرات ، وعدم السكوت عنها ولكن بالأسلوب المناسب ، ومع التكرار ، نظراً لأن غالبها ناشئ عن اتباع الهوى ، إذ يقول الحق سبحانه { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } ، { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ، { وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } .
ولعله السر كذلك في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مجانبة من لمح فيهم ميلاً إلى الهوى ، وعدم رحابة الصدر لهم ، لعلهم يتوبون أو يذكرون .
جاء عن عبد الله بن كعب أنه قال : سمعت كعب بن مالك ، وذكر ابن السرح قصة تخلفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، قال :
ونهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة ، حتى إذا طال تسورت جدار حائط أبى قتادة ، وهو ابن عمى ، فسلمت عليه ، فوا الله ما رد على السلام ، ثم ساق خبر توبته.
وجاء عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - أنه اعتل بعير لصفية بنت حيى ، وعند زينب فضل ظهر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطيها بعيراً ، فقالت : أنا أعطى تلك اليهودية ؟؟ فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهجرها ذا الحجة و المحرم وبعض صفر .
وجاء عن عمار بن ياسر أنه قال :: قدمت على أهلي ، وقد تشققت يداي ، فخلفوني بزعفران ، فغدوت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فرد على ، وقال :( اذهب فاغسل عنك هذا ).
5- حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة :
و السبب الخامس لاتباع الهوى إنما هو حب الدنيا و الركون إليها مع نسيان الآخرة ، ذلك أن من أحب الدنيا ، وركن إليها ونسى الآخرة يتولد عنده سعى حثيث لتلبية كل ما يفرضه هذا الحب ، وذلك الركون ، حتى وإن كان مخالفاً لمنهج الله ، وذلك بعينه هو اتباع الهوى ، وقد لفت المولى النظر إلى هذا السبب في قوله :
{ إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، و الذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } .
كما لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر في الحديث المذكور آنفاً :( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) .
6- الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى :
والسبب السادس لاتباع الهوى إنما هو الجهل بالعواقب المترتبة على اتباع الهوى ، ذلك أن من جهل عواقب محظور من المحظورات وقع في هذا المحظور دون أدنى اهتمام أو مبالاة ، ولعل هذا هو السر في اهتمام الشارع الحكيم بالتذكير بالعواقب المترتبة على المأمورات و المنهيات ، كما أشرنا إلى ذلك غير مرة فيما تقدم من آفات .