ولضيق الأفق أو قصر النظر أسباب تؤدى إليه ، وبواعث توقع فيه ، نذكر منها :
1- النشأة الأولى :
فقد ينشأ الإنسان في بيئة لا تهتم كثيراً بتنمية الذكاء الفطري أو المواهب لدى أفرادها فتكون العاقبة انحسار دائرة التفكير أو النظر أو التأمل إلا من رحم الله - عز وجل - .
2- صحبة نفر من ذوى الأفق الضيق و النظر القصير :
وقد يحيط بالإنسان صحبة ذات أفق ضيق ، ونظر قصير ، فتسرى آثار ذلك إلى هذا الإنسان ، فإذا به يواجه كل المواقف بنفس النمط ، وعلى هذا المنوال ، إذ المرء على دين خليله .
3- الانزواء أو العزلة :
وقد يؤثر الإنسان العزلة و الانزواء ، إما لعدم القدرة على التوفيق بين الفردية و الجماعية ، وإما إيثاراً للعافية و السلامة ، ومثل هذا وإن جنى كثيراً من ثمار العزلة أو التفرد ، فإنه يخسر أول ما يخسر الخبرة أو التجربة ، تلك التي تستفاد من ملازمة الجماعة والارتماء في أحضانها ، و التي تساعد على اتساع الأفق ، وبعد النظر ، وحين يخسر الإنسان الخبرة ، فإنه يظل ذا أفق ضيق ، ونظر قصير محدود .
4- عدم الفهم لدور أو لرسالة الإنسان في الأرض :
وقد لا يفهم الإنسان دوره أو رسالته في الأرض ، من أنه خليفة فيها { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض
خليفة ..} وأن هذه الخلافة إنما هي سيادة { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } وعبودية { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، وإن تحقيق هذا الدور أو الرسالة يقتضي التبصر و التدبر { وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ، و العمل الدائم بالليل و النهار { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله و المؤمنون } ، وقد لا يفهم الإنسان ذلك كله ، فيقعد وينام ، أو ينطلق على غير هدى وبصيرة ، وأنى لهذا أن يكون واسع الأفق بعيد النظر ؟ .
5- عدم الفهم لحقيقة ومضمون الإسلام :
وقد لا يفهم المسلم حقيقة ومضمون الإسلام ، من أنه دين شامل للحياة جميعاً ، وإلى قيام الساعة :{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } وأن الدعوة إليه ، و التمكين له في الأرض يقتضي الحكمة التي من لوازمها اتساع الأفق ، وبعد النظر ، كما قال سبحانه وتعالى { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } ، { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة } وقد لا يفهم المسلم ذلك فيدعو إلى هذا الإسلام ، ويعمل على التمكين له دون أن يجهد نفسه في تحصيل الحكمة ، وأنى لمن حرم الحكمة أن يكون واسع الأفق بعيد النظر ؟ .
6- عدم الإلمام بواقع الأعداء وأسلوبهم في العمل :
وقد يكون المسلم غير ملم بواقع الأعداء ، وأسلوبهم في العمل من أنهم كثرة ، وأن لديهم العتاد و العدد ، وأن أسلوبهم في العمل يقوم على الدهاء و المكر و الخديعة ، قد لا يلم المسلم بذلك كله ، فتضيع عليه فرصة اكتساب الخبرة و الدراية و التجربة ، وأنى لمن لم يكتسب خبرة ولا دراية ولا تجربة أن يكون واسع الأفق بعيد النظر ؟ .
7- الإعجاب بالنفس ، بل الغرور و التكبر :
وقد يكون الإنسان معجباً بنفسه ، مغروراً متكبراً فيحمله ذلك على الترفع ، والاستعلاء أن يكتسب من غيره الخبرة أو مهارة أو تجربة ، فيبقى طول حياته محدود الأفق قصير النظر .
8- الغفلة عن العواقب أو الآثار المترتبة على ضيق الأفق ، أو قصر النظر ، وقد يكون المسلم غافلا عن العواقب أو الآثار المترتبة على ضيق الأفق ، أو قصر النظر ، فيقنع بما هو عليه دون أن يجهد نفسه ، أو أن يعمل فكره في تلاشى هذه العواقب ، أو تلك الآثار ، ومثل هذا يظل طول حياته ضيق الأفق ، محدود النظر .
9- الجهل بأخبار وحوادث الماضين :
وقد يكون المسلم جاهلاً بأخبار وحوادث الماضين وكيف كانوا يتصرفون بإزاء المواقف المباغتة أو المفاجئة ، ومثل هذا يعيش محروماً من الخبرة و الدراية و التجربة ، التي هي أساس اتساع الأفق ، وبعد النظر ، وصدق الله - سبحانه وتعالى - الذي يقول عن أخبار وحوادث الماضين :
{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب } ، { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } .
10- ضعف الصلة بالله - عز وجل -
وقد يكون المسلم ضعيف الصلة بالله - عز وجل - بأن يكون غير محترز من المعاصي و السيئات ، لاسيما الصغائر منها ، أو أن يكون مفرطاً في عمل اليوم و الليلة ، أو أن يكون مهملاً لجانب فعل الخيرات ، فيعاقب على ذلك كله بالحرمان من الحكمة التي هي أساس سعة الأفق وبعد النظر .
ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى في كتابه الحكيم :
{ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي يقول الله تعالى
:" من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ".