وإذا كان القرآن الكريم قد حث المؤمنين به على البذل والتضحية و الفداء في سبيل الحق و العدل و العزة و الكرامة و الحرية ووعد بقبول الفداء الصادق المستقيم الخالص ، وضمن لأصحابه عاجل الثواب وآجله ، فإنه حذرنا ألواناً من التضحية لا تجدي ولا تنفع ، لأنها لم تصدر عن إيمان ، ولم تقصد إلى الحق فقال في سورة آل عمران { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار لن يُقبَلَ من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عاب أليم وما لهم من ناصرين } آل عمران 91 ، وقال في سورة المائدة {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقُبّöل منهم ولهم عذاب أليم } المائدة 36 وقال في سورة الحديد { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير } الحديد 15 .
وكأن القرآن المجيد حينما حذرنا هذه الألوان التي لا تنفع ولا تشفع من الفداء ، أراد أن نفهم أن الفداء إذ لم يأت في ميعاده ، ولم يقدم على وجهه لم يثمر ثمرته ، فتضحيات هؤلاء الذين كفروا ولهوا في حياتهم وبغوا على غيرهم ، يأتون بعد فوات الأوان ، وفي يوم القيامة يحاولون أن يقدموا الفداء ، وليس إلى قبوله سبيل .
ويزيد القرآن هذا المعنى وضوحاً حينما يحدثنا عن فداء لا يطال ولا ينال فهو ميئوس من وقوعه وتحققه ، ومن هنا لا يتحقق شئ من وراء محاولته ، فيقول في سورة الرعد{ للذين استجابوا لربهم الحسنى و الذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد } الرعد 18 .
ويقول في سورة يونس { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } يونس 54 ، ويقول في سورة الزمر { ولو أن للذين ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } الزمر 47 وفي سورة المعارج { يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذٍ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه كلا إنها لظى } المعارج 11-15 .
وهكذا يثبت القرآن في قلوبنا أن التضحية المقبولة يجب أن تكون عن عقيدة سليمة وإيمان صحيح ، وأن تكون مضبوطة التوقيت والأوان ، وأن الافتداء الخائب المردود هو ما كان مع الكفران ، أو بعد فوات الأوان .
وهكذا كان لابد للتضحية من أن تكون مشروعة يحكمها الشرع مكاناً وزماناً ونوعاً إخلاصاً ومتابعة حتى يقبلها الله سبحانه وتعالى من عبده ، فتنفعه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فهي تقبل بإخلاص النية وصلاح العمل ، وإلا فهي مردودة عليه في الآخرة ، وبذلك يكون قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين .