إنهم يحملون الأمر الثقيل الهائل العظيم أمر رقاب الناس ، أمر حياتهم ومماتهم ، أمر سعادتهم وشقائهم ، أمر ثوابهم وعقابهم ، أمر هذه البشرية التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن لا تبلغ إليها فتكون لها حجة إلى ربها ، ويكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ ، فأما رسل الله عليهم الصلاة و السلام فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل ، وهم لم يبلغوها باللسان فحسب بل ضحوا بكل ما يملكون من جهد ووقت ومال ونفس في سبيل نشرها .
وبقى هذا الواجب الثقيل على من بعدهم ، على المؤمنين بالرسالة و الطريق ، فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعد الرسل ، وبعد رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وتبليغ هذه الأجيال منوط بعده بأتباعه ، ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة تبعة إقامة حجة الله على الناس وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا إلا بالتبليغ والأداء على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى ضارباً المثل و القدوة في التضحية .
لذلك قص علينا القرآن قصص رجال آمنوا فتحركوا وضحوا وبذلوا الجهد و الوقت في سبيل نشر دعوهم وحماية صاحبها فهذا رجل جاء من أقصا المدينة يسعى قال { يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين } القصص 2. .
فكم من الجهد بذل في زمان لم تكن وسائل المواصلات والاتصالات ميسرة وسهلة كما في أيامنا هذه ، وكم من الثمن دفع تضحية لإنقاذ حامل الحق الذي أراد أن يبلغه .
إنه الإيمان بالفكرة و الدعوة و الطريق وهو إيمان كله أمل أن المستقبل لهذا الدين ، إيمان وأمل يدفع الرجال إلى العمل الجاد للوصول إلى النصر الأكيد ، ولن يكون ذلك كذلك إذا بخلنا بأوقاتنا وجهدنا فضلاً عن أموالنا وأنفسنا ، بل لابد أن نرتفع إلى مستوى هذا الدين فلا نعطيه فضل أوقاتنا وفضل جهودنا وفضل أموالنا { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... } التوبة 111 وهذا يتطلب أن نرتفع إلى مستوى هذا الدين في حقيقة إيماننا ، ونرتفع إلى مستواه في حقيقة عبادتنا ونرتفع إلى مستواه في معاملاتنا ونرتفع إلى مستواه في فهمنا ووعينا .
إن النصر يحتاج إلى جهاد طويل - أقول جهاد ولا أقول قتال - لأن جسامة التحديات التي تواجه الإسلام و المسلمين في هذه الحقبة كثيرة ،" وكلكم على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى من قبله " فعدم البخل بوقتك وجهدك وكل ما تملك لهذه الدعوة جهاد في سبيل الله و الصابر على ذلك حتى يتحقق نصر الله الموعود من المجاهدين الصادقين .
لذلك فإن الدعاة اليوم هم طلائع النور في أمة طال عليها الليل ، وبوادر اليقظة في أمة تأخر عنها النور ، وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة و اليقين ، وامتلأت بزبانية الأثرة والإلحاد ، فهل يجوز لمسلم صادق الإيمان أمام هذا كله أن يبخل بوقته أو جهده لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها أو ولد يرجو ل مستقبلاً يفخر به لا ليورثه الطريق ، ويكون له دعوة صالحة بعد فراقه لهذه الدنيا الفانية ؟ .