والإسلام يحث ويشجع على الإنفاق في سبيل الله في الحالات التي لا يكون فيها العدو داخل حدود بلاد الإسلام ، أما إذا اقتحم العدو الحدود ، فإن الإسلام كما يوجب الجهاد بالنفس إيجاباً ، فإنه يوجب البذل والإنفاق إيجاباً أيضاً كل بقدر ما يستطيع .
يقول ربنا { آمنا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } إلى قوله { وله أجر كريم } سورة الحديد 7-11 ، وهذه الآيات الكريمة تطالب بأمرين وتستنكر أمرين وتحض على عمل جليل ، له عند الله أعظم الأجر ، فهي تطالب بالإيمان بالله ورسوله على سبيل الوجوب في قوله سبحانه { آمنوا بالله ورسوله } وتطالب بالإنفاق أي التضحية بالمال ، وهو مال قد استخلف الله تعالى الناس فيه { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } ، والآية تعد بالأجر الكبير على الإيمان والإنفاق ، { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } ، وتستنكر أمرين وتوبخ على تركهما :
- أحدهما : ترك الإيمان مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو للإيمان ، والله تعالى قد أخذ الميثاق على الناس أن يؤمنوا يوم أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام قائلاً لهم { ألست بربكم قالوا بلى } الأعراف 172 .
وما لهم لا يؤمنون والله تعالى قد أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم الآيات البينات ليخرج الناس من الظلمات إلى النور رأفة بهم ورحمة { وما لكم لا تؤمنون بالله ... } إلى آخر الآيتين الكريمتين .
- والآخر : ترك الإنفاق للمال و التضحية به في سبيل الله ، أي البخل به ، وإنما استحق هذا البخل الاستنكار و التوبيخ لأن البخيل يبخل بما سوف يموت عنه ويتركه لسواه ، وذلك أن الله تعالى سوف يرث المال ويرث كل ما في السموات والأرض { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض ... } الآية .
وتوضح الآية الكريمة حقيقة هامة وهى أن التضحية بالمال في سبيل الله في وقت يحتاج فيه المسلمون إلى التضحية أفضل من التضحية به في وقت آخر ، وإن كان في كل خير .
ولقد حدث ذلك الإنفاق في وقت الحاجة إليه أيام كان المسلمون في مكة ، فنالوا تلك الأفضلية وهذه الدرجة .
و المسلمون في كل وقت عليهم أن ينظروا إلى الظروف التي يتم فيها الإنفاق ، فعلى وجه اليقين سيكون الإنفاق في بعضها أفضل من الإنفاق في بعض آخر ، قال تعالى :{ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } الحديد 10 .
وأما ما تحض عليه الآية الكريمة ، وتعد فيه بالأجر المضاعف فهو إقراض الله تعالى ، والله سبحانه لا يحتاج إلى قرض ولا إلى شئ ، وإنما الذي يحتاج هم عباده ، فمن أقرض محتاجاً فكأنما أقرض الله تعالى .
فالآية الكريمة الأخيرة من هذه الآيات ترغب الناس في أن ينفقوا أموالهم ويضحوا بها في سبيل نصرة المسلمين وفي قتال أعدائهم وفي سد حاجة المحتاجين ومواساتهم ، وتسمى ذلك كله قرضاً لله تعالى و القرض هو ما يدفع إلى الإنسان من مال بشرط رد بدله - و الذي يرد البدل في هذه الحالة هو الله الكريم ، قال الله تعالى { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم } الحديد 11 .
قال مقاتل : القرض الحسن هو ما أخرجه الإنسان طيبة به نفسه .
وقال الكلبي : يتصدق به لوجه الله .
وقال بعض العلماء : لا يكون الإنفاق أو القرض حسناً حتى يستوفي شروطاً أو أوصافاً عشرة نشير إليها بإيجاز فيما يلي :
1- أن يكون من الحلال
2- وأن يكون من أكرم ما يملك .
3- وأن يتصدق به وهو يحبه .
4- وأن يعطى لمن هو أحوج .
5- وأن يكتم ولا يتحدث عنه صاحبه .
6- وأن لا يتبعه بمن أو أذى .
7- وأن يقصد به وجه الله ولا يرائي .
8- وأن يستحقر ما يعطى وإن كثر .
9- وأن يكون من أحب أمواله إليه .
1.- وأن يرى الفقير المعطى غير ذليل ولا ضعيف .
وكل وصف من هذه الأوصاف للقرض الحسن أيدته آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية صحيحة ، فهذا هو شأن التضحية بالمال و إنفاقه في سبيل الله تعالى .